مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 17:40:40

أبناؤنا ووسائل الاتصال

أبناؤنا ووسائل الاتصال

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

وَبَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لِيَعْمُرَهَا بِطَاعَتِهِ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْإِمْكَانِيَّاتِ الْعَظِيمَةِ فِي عَقْلِهِ، وَخَلَقَ لَهُ فِيهَا أُمُوراً لِيَسْتَثْمِرَهَا، فَمَنْ اسْتَثْمَرَهَا فِي طَاعَةِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَطُوبَى لَهُ، وَمَنْ اسْتَثْمَرَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَوَيْلٌ لَهُ.

وَإِنَّ مِنَ الْقِصَصِ الَّتِي أَوْرَدَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَهِيَ فِي ذَاتِهَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ قِصَّةُ نَبِيِّ اللِه سُلَيْمَانُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ وَمَا آتَاهُ مِنْ مُعْجِزَاتٍ خَارِقَةٍ، فَمَا كَانَ مِن سُلَيْمَانَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ مَعَ هِذِهِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي كُلُّهَا مْنْ تَقْدِيرِ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ وَلَيْسَ لِلْبَشَرِ جَمِيعاً قُدْرَةٌ فِيهَا؛ إِلَّا أَنْ قَالَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ كَلَامَ النَّمْلَةِ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].

وَقَالَ بَعْدَ أَنْ رَأَى ذَلِكَ الْعَرْشَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَشَرِ دَوْرٌ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].

كَمْ نَحْنُ أَيُّهَا الْأُخْوَةُ فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَنْظُرَ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ نِعَمٍ هِيَ مُعْجِزَاتٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا.

وَإِنَّ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا الَّتِي يَسَّرَهَا اللهُ لِخَلْقِهِ: وَسَائِلُ الِاتِّصَالِ بِشَتَّى صُوَرِهِ، فَشَيْءٌ عَجِيبٌ أَنْ يَتَّصِلَ النَّاسُ جَمِيعاً عَبْرَ جِهَازٍ وَاحِدٍ بَيْنَ كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ.

وَرَغْمَ أَنَّ هَذَا الْجِهَازَ وَالْاتِّصَالَ الَّذِي يَحْدُثُ هُوَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ، لَكِنَّهُ مُؤَكِّدٌ عَلَى ضَرُورَةِ أَنْ تُبَادَلَ هِذِهِ النِّعَمُ بِالشُّكْرِ.

فَإِذَا كَانَ سُلَيْمَانُ جَعَلَ كُلَّ مَا آتَاهُ اللهُ مِنْ مُعْجِزَاتٍ رَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَوْرٌ فِيهَا؛ بَلْ هِيَ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مُقْتَضِيَةٌ لِشُكْرِهَا حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ.

وَسَائِلُ الِاتِّصَالِ مِنْ هَاتِفٍ وَجَوَّالٍ وَغَيْرِهَا تَتَطَوَّرُ تَطَوُّراً سَرِيعاً حَتَّى أَصْبَحَتْ شَيْئاً لَازِماً لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ، يَجْنَحُ الْإِنْسَانُ بَعِيداً إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ؛ بَلْ حَتَّى الدُّوَلِ صَارَتْ تَتَسَابَقُ لِأَنْ تَجْعَلَ كُلَّ أُمُورِهَا عَنْ طَرِيقِهِ.

الْإِسْلَامُ ـ أَيُّهَا الْأُخْوَةُ ـ أَمَرَ الْمُسْلِمَ بِأَنْ يَسْعَى لْكُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحُ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، قَالَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ فِي الدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آَخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي».

وَمِنَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي سَعَى هَذَا الدِّينُ لِتَحْقِيقِهَا: السَّعْيُ لِإِصْلَاحِ الدُّنْيَا، فَبِصَلَاحِ الدُّنْيَا تَصْلُحُ الْبِلَادُ، وَيَقُومُ الْعُمْرَانُ، وَيَقْوَى الْمُسْلِمُونَ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ».

وَمَنْ شَاهَدَ الْحَيَاةَ الْيَوْمَ وَجَدَ أَنَّ أَجْهِزَةَ الْهَاتِفِ بِتَنَوُّعِهَا دَخَلَت فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِ حَيَاتِهِ؛ بَلْ قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُرْءُ تَحْصِيلَ بَعْضَ أُمُورِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِهِ، الْوَظَائِفُ، نَتَائِجُ الطُّلَّابِ، الْبَيْعُ، الشِّرَاءُ، أُمُورٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا صَارَتْ مُرْتَبِطَةً بِهِ، فَمِنَ الْغَفْلَةِ وَالتَّفْرِيطِ تَهَاوُنُ الْإِنْسَانِ فِي الْعِنَايَةِ بِهِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ مَفْتُوحاً لِجِيلِ الشَّبَابِ دُونَ مُرَاقَبَةٍ أَوْ مُتَابَعَةٍ أَوْ ضَبْطٍ.

الْكَلَامُ عَنْ أَجْهِزَةِ الْهَاتِفِ ـ أَيُّهَا الْأُخْوَةُ ـ كَلَامٌ طَوِيلٌ وَمُتَشَعِّبٌ، فَلَسْتُ أَتَكَلَّمُ هُنَا عَنْ أُمُورِهِ الْفَنِّيَّةِ، فَهَذِهِ لَهَا رِجَالُهَا الْمُخْتَصُّونَ بِهَا، وَلَا عَنْ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ مَا يُجْرَى خِلَالَهُ مِنْ مُعَامَلَاتٍ مَالِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.

وَالنَّظَرُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهَا فَهَذِهِ تَحْتَاجُ إِلَى حَدِيثٍ طَوِيلٍ لَيْسَ مَقَامُهُ خُطْبَةً فِي جَامِعٍ.

إِنَّنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى تَوْعِيَةِ النَّاسِ وَالْمُجْتَمَعِ بِمَا لِهَذِهِ التِّقْنِيَةِ مِنْ مَخَاطِرَ إِذَا لَمْ تًكُنْ الْمُشَارَكَةُ فِيهَا مَضْبُوطَةً مِنْ قِبَلِ الْقَائِمِينَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ.

هَذِهِ الْأَجْهِزَةُ دَخَلَتْ غَالِبَ الْبُيُوتِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزَالُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْقَائِمِينَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَكَأَنَّ هَذِهِ التِّقْنِيَةَ لَا تَعْنِيهُمْ.

لِأَجْلِ ذَلِكَ صِرْنَا نَسْمَعُ عَنْ قِصَصٍ وَرِوَايَاتٍ مِنْ نَتَائِجِ الِاسْتِعْمَالِ السَّيَّءِ وَالتَّفْرِيطِ مِنْ قِبَلِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْقَيِّمِينَ، قِصَصٌ كَثِيرَةٌ شُهْرَتُهَا تُغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا.

لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعِيشَ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْمُجْتَمَعِ، وَلَيْسَ طَرِيقاً صَحِيحاً أَنْ نَدْعُوَ إِلَى الِانْغِلَاقِ أَمَامَ أَبْنَائِنَا بِدَعْوَى خُطُورَةِ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ، لِأَنَّ أَوَّلَ أَسْبَابِ تَغَلْغُلِ الْإِفْسَادِ عَنْ طَرِيقِهَا هُوَ جُهْلُ النَّاسِ بِهَا.

لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْأَبِ وَالْوَلِيِّ دَوْرٌ فِي الِإِشْرَافِ عَلَيْهَا لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:

أَوَّلُهَا: إِقْبَالُ النَّاسِ الْمُتَزَايِدُ عَلَى هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ، وَلِأَنَّ مُتَجَدِّدَاتِ الْحَيَاةِ تَدْعُو إِلَى ضَرُورَةِ الِاهْتِمَامِ بِهَا.

ثَانِيهَا: قِلَّةُ التَّكْلِفَةِ، فَالِابْنُ أَوِ الشَّابُّ يَسْتَطِيعُ الْحُصُولَ عَلَيْهَا دُونَ جَهْدٍ مَادِّيٍّ كَبِيرٍ، لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى إِذْنٍ أَوْ عِلْمِ أَحَدٍ.

ثَالِثُهَا: سُهُولَةُ اسْتِخْدَامِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ حَامِلُهَا أَنْ يَتَعَلَّمَ عُلُومًا دَقِيقَةً؛ بَلْ بِمُجَرَّدِ مَرَاحِلَ بَسِيطَةٍ إِذَا بِهِ يَغُوصُ فِي بَحْرٍ كَبِيرٍ.

رَابِعُهَا وَهُوَ أَهَمُّهَا: أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَسْتَطِيعُ الْإِشْرَافَ عَلَى ابْنِهِ فَلَا يُسَافِرُ إِلَى الْخَارِجِ، أَوْ قَدْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْرِفَ أَصْدِقَاءَهُ وَأَصْحَابَهُ، يَمْنَعُهُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ الْمُحَرَّمَةِ؛ بَلْ قَدْ يُحَاوِلُ الْمَرْءُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ ابْنُهُ أَوْ بِنْتُهُ عَلَى صُوَرٍ لَا تَجُوزُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ مَعَ هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ، أَنْتَ تَرْتَبِطُ بِالْعَالَمِ كُلِّهِ عَبْرَ هَذَا الْجِهَازِ، هَذِهِ التِّقْنِيَاتُ أَزَالَتْ الْفَوَاصِلَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ، واسْتَطَاعَ كُلُّ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى كُلِّ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، واسْتَطَاعَ كُلُّ عَدُوٍّ وَحَاقِدٍ، وَكُلُّ صَاحِبِ فِكْرٍ مُنْحَرِفٍ أَنْ يَبُثَّ سُمُومَهُ وَيَنْشُرَهَا، لَيْسَ فِي بَلَدِ صَغِيرٍ فَقَطْ أَوْ فِي دَوْلَةٍ بَلْ فِي كُلِّ أَقْطَارِ الدُّنْيَا، وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَتَجِدُ مِصْدَاقَهَا وَاضِحاً فِي هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي الحَدِيثِ: «الرَّجُلُ يَكْذِبُ الْكَذِبَةَ فَتَبْلُغُ الْآَفاَقَ».

مُجَرَّدُ نَشْرِ شَائِعَةٍ فٍي شَبَكَاتِ التَّوَاصِلِ تَصِلُ إِلَى كُلِّ الدُّنْيَا، يُصَدِّقُهَا مَنْ يُصَدِّقُهَا وَيُكَذِّبُهَا آَخَرُونَ، تُبْنَى عَلَيْهَا أُمُورٌ وَقَضَايَا، وَهِيَ فِي أَصْلِهَا كَذِبَةٌ مِنْ إِنْسَانٍ، قَدْ يَكُونُ جَالِساً عَلَى فِرَاشِهِ يَعْبَثُ بِهَذَا الْجِهَازِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ دَوْرٌ فَاعِلٌ فِي الْمُشارَكَةِ فِيهَا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ دَوْرٌ فِي التَّقْلِيلِ مِنْ خَطَرِهَا، وَالسَّعْيِ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، هَذِهِ التِّقْنِيَاتُ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ إِنْ لَمْ تُسْتَغَلَّ فِي الْخَيْرِ شَغَلَتْكَ بِالشَّرِّ، فَلَسْنَا فِي حَاجَةٍ لِتَعْدَادِ أَخْطَارِ وَمَضَارِّ الْاسْتِخْدَامِ السَّيِّئِ لَهَا، إِذْ لَا جَدْوَى مِنْ ذَلِكَ بَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى بَذْلِ كُلِّ مَا نَسْتَطِيعُ فِي سَبِيلِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ قَدْرِ الْإِمْكَانِ عَنْ طَرِيقِ سُلُوكِ بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ بِهَا كَبْحُ جُمَاحِ الضَّرَرِ فِيهَا:

أَهَمُّ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ: تَحْدِيدُ الْهَدَفِ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا: كَمَثَلِ الدَّاخِلِ السُّوقِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ هَدَفٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ إِلَّا قَلِيلاً وَعَكْسُهُ الدَّاخِلُ لِا يَدْرِي مَاذَا يُرِيدُ؟ يُذْهِبُ فِيهِ نَهَارَهُ، لَكِنَّ الدَّاخِلَ فِي هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ بِدُونِ هَدَفٍ يَخْرُجُ وَقَدْ أَضَرَّ جِسْمَهُ، وَأَضَرَّ مَالَهُ، وَفَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَضَرَّ دِينَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَقْرَأَ أَمْراً مُحَرَّماً، أَوْ شَاهَدَ صُورَةً مُحَرَّمَةً أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ تَحْدِيدُ وَقْتٍ لِدُخُولِهَا بِأَنْ لَا تَسْلُبَ الْإِنْسَانَ وَقْتَهُ، فَلِكُلِّ حَالٍ حَالٌ، وَلِكُلِّ شَأْنٍ شَأْنٌ.

الْأَمْرُ الثَّانِي لِلِاسْتِفَادَةِ مِنَ التِّقْنِيَةِ اسْتِفَادَةً شَرْعِيَّةً: الِابْتِعَادُ عَنِ الْمَوَاقِعِ الَّتِي يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّ الْمَرْءِ عَدَمُ جَوَازِهَا، فَكَيِفَ بِمَا يَجْزِمُ الْإِنْسَانُ بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، فِإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَصَوَّرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَرَامِ أَنْ يَرْتَكِبَهُ الْمَرْءُ بِفِعْلِهِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمَاعُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، قِرَاءَةُ الْمُنْكَرِ الَّذِي كُتِبَ كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ.

وَمَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ مِنْ التَّطَاوُلِ عَلَى رُمُوزِ الْإِسْلَامِ: كَالْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَّامِ، كُلُّ ذَلِكَ قِرَاءَتُهُ تُدْخِلُ الْمَرْءَ فِي الْوِزْرِ مَعَ كَاتِبِهِ الْأَصْلِيِّ فَاللهُ سُبْحَانُهُ  يَقُولُ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]، وَفِئَامٌ مِنَ النَّاسِ يَكَادُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19] وَتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ (يُحِبُّونَ) فَمُجَرَّدُ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةُ كَمَا تَعْلَمُونَ تَكُونُ فِي الْقَلْبِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا يَجِدُهُ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ التِّقْنِيَةِ مِنْ سَبٍّ وَضَحِكٍ وَسُخْرِيَةٍ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكَهَا الْمَرْءُ لِيَسْتَفِيدَ مِنْ هَذِهِ التِّقْنِيَةِ دُونَ أَنْ يَجُرَّهُ إِلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ  الْحَذَرُ مِنْ دَاءِ الْعُجْبِ أَوْ مَا يُسَمُّونَهُ الثِّقَةَ بِالنَّفْسِ، فَأُحَذِّرُكُمُ الْعُجْبَ، أُحَذِّرُكُمُ الْعُجْبَ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الضَّلَالُ وَالْانْحِرَافُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَهُوَ زَعْمُ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ وَاثِقٌ مِن نَفْسِهِ، وَلَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ، أَوْ لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ الشُّبُهَاتُ الَّتِي تُثَارُ فِي هَذِهِ التِّقْنِيَاتِ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَابْنُ آدَمَ مُعَرَّضٌ لِلْفِتْنَةِ، قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» وَالنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ صَرِّفْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ» وَكَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مْنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ».

وإِبْلِيسُ خَرَجَ مِنَ الْجَنِّةِ بِسَبَبِ الْعُجْبِ، قَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَوَقَّعُ فِي نَفْسِهِ الْعِصْمَةَ، وَأَنْ يَقْوَى عَلَى مُدَافَعَةِ الشَّرِّ، والنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ».

فَأَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فَاسْتَغْفِرُوهُ.

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ هَذِهِ التِّقْنِيَةِ يُحْوِجُ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْ الْأَمْرِ الْأَخِيرِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْلُكَهَا الْمَرْءُ لِكَيْ يَسْتَفِيدَ مِنْ هَذِهِ التِّقْنِيَةِ، وَهُوَ ضَرُورَةُ التَّهْيِئَةِ وَالْإِعْدَادِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ التِّقْنِيَةِ، وَالتَّهْيِئَةُ أَنْوَاعٌ:

تَهْيِئَةٌ دِينِيَّةٌ: بِأَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ دَيِّناً فِي نَفْسِهِ، مُلْتَزِماً بِأَوَامِرِ الشَّرْعِ الظَّاهِرَةِ، مُلِمّاً بِالْقَوَاعِدِ الرَّئِيسِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ الْخَمْسِةِ، وَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

تَهْيِئَةٌ ثَقَافِيَّةٌ: بِأَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ مُلِمّاً بِالْأَمْرِ الَّذِي سَيَدْخُلُ فِيهِ، والْعَجِيبُ أَنَّكَ تَجِدُ الْمَوَاقِعَ الْعِلْمِيَّةَ الْبَحْتَةَ لَا يَجْرُؤُ شَخْصٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا، أَوْ مُقَارَعَةِ أَصْحَابِهَا بِالنِّقَاشِ، فَتَجِدُهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحِوَارَاتِ الطِّبِّيَّةِ أَوْ الْهَنْدَسِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، لَكِنْ عِنْدَهُ مِنْ ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ مَا يَدْفَعُهُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْمَوَاقِعِ الَّتِي تَسُبُّ الدِّينَ أَوْ تَدْعُو لِلتَّفْرِقَةِ، أَوْ تُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.

كَذَلِكَ يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إِلَى مَعْرِفَةِ طُرُقِ الْمُحَاوَرَةِ وَأَسَالِيبِ إِفْحَامِ الْخَصْمِ وَمَعْرِفَةِ مَدَاخِلِ الْخُصُومِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ.

تَهْيِئَةٌ عَقْلِيَّةٌ: مِنْ ذَكَاءٍ وَفِطْنَةٍ بِحَيْثُ لَا يَسْهُلُ اسْتِدْرَاجُهُ إِلَى أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ أَوْ لَا فَائِدَةَ مِنْهَا، أَوْ تَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فِي دِينِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَمَنْ يَرْقُبُ مَا كُتِبَ مِنْ دِرَاسَاتٍ عَنْ حَبَائِلِ هَذِهِ التِّقْنِيَةِ يَجِدُ أَنَّ أَكْثَرَ الْوَاقِعِينَ فِي حَبَائِلِهَا مِنَ السُّذَّجِ.

التَّهْيِئَةُ الْعُمْرِيَّةُ: فَمُلَاحَظَةُ السِّنِّ الْعُمْرِيِّ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِمَنْ أَرَادَ السَّمَاحَ لِابْنِهِ بِهَذِهِ التِّقْنِيَاتِ، فَلَيْسَ مَا يَصْلُحُ لِلْكِبَارِ يَصْلُحُ لِلصِّغَارِ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟

وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ، فَيَنْبَغِي لْلْوَلِيِّ أَوْ الْقَائِمِ عَلَى هَذِهِ التِّقْنِيَةِ مُرَاعَاةُ الْعُمْرِ لِلْمُسْتَخْدِمِ.

وَآخِرُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَهُوَ أَوَّلُهَا وَأَوْلَاهَا: زَرْعُ مُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ، فَرَاقِبُوا اللهَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَمَنْ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، وَعَوِّدُوا ذَرَارِيكُمْ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ سُبْحَانَهُ    فَإْنًّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيِنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، الله سَائِلُكُمْ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، عَنْ كُلِّ عَمَلٍ أَوْ فِعْلٍ، لَنْ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ.

ذَلِكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَدِيثٌ أَسْهَبْنَا الْقَوْلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ أَشْغَلَ الْبُيُوتَ وَالنُّفُوسَ، فَشُغِلَ بِسَبَبِ تِلْكَ التِّقْنِيَاتِ الِابْنُ عَنْ وَالِدَيْهِ، وَالزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَالطَّالِبُ عَنْ دِرَاسَتِهِ، وَتَعَطَّلَتْ بَعْضُ الْأَعْمَالِ بِسَبَبِ الِانْشِغَالِ بِهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي أَمِرْكُمْ هَذَا، وَفِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة