اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَهَّلَ لِعِبَادِهِ طَرِيقَ الْعِبَادَةِ وَيَسَّرَ، وَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ مِنْ خَزَائِنِ جُودِهِ الَّتِي لَا تُحْصَرُ، سُبْحَانَهُ لَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَحُقَّ لَهُ أَنْ يُشْكَرَ، نَشْهَدُ أَنَّهُ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَكُلُّ شِيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مَقْدُورٍ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مَنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَزَكَّى، وَحَجَّ، وَاعْتَمَرَ، صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَ
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
إِنَّنَا فِي يَوْمِ عِيدٍ، عِيدٌ تُقَسَّمُ فِيهِ الْجَوَائِزُ، عِيدٌ اخْتُتْمَتْ بِهِ شَعَائِرُ كَثِيرَةٌ، عِيدٌ تَطْمَئِنُّ فِيهِ نُفُوسُ الصَّائِمِينَ وَالْقَائِمِينَ بِمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ إِكْمَالِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، تَطْمَئِنُّ بِهِ نُفُوسُ الصَّائِمِينَ أَنْ تَحَقَّقَ لَهُمْ فَرَحُهُمْ بِفِطْرِهِمْ مِنْ صَوْمِهِمْ، تَطْمَئِنُّ فِيهِ نُفُوسُ الْقَائِمِينَ أَنْ يَسَّرَ اللهُ لَهُمْ قِيَامَ رَمَضَانَ، تَطْمَئِنُّ فِيهِ نُفُوسُ التَّالِينَ لِكِتَابِ رَبِّهِمْ بِمَا تَنَعَّمُوا بِهِ مِنَ الْقُرْبِ بِرَبِّهِمْ خِلَالَ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ الْمُبَارَكِ.
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَابْذُلُوا أَسْبَابَ الْفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَطْمَئِنُّ نُفُوسُكُمْ بِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ تَمُرُّ بِهِ أَحْيَاناً سَاعَاتٌ حَرِجَةٌ، وَلَحَظَاتُ قَلَقٍ وَاضْطِرَابٍ وَقَدْ يُصَاحِبُهَا شَيْءٌ مِنَ الْخَوْفِ، أَوِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُفَتَحَ لَهُ أَبْوَابُ السَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَتَغْشَاهُ الرَّحْمَةُ، كَيْ يَذُوقَ طَعْمَ الرَّاحَةِ وَالسَّعَادَةِ.
لِأَنَّ النَّفْسَ تَحْتَاجُ دَائِماً إِلَى مَا يُلَطِّفُ أَجْوَاءَهَا، لِتَصْفُوَ وَتَرْتَقِي فِي دَرَجَاتِ الْفَلَاحِ وَتَعْلُوَ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ جَمِيعاً مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ هُوَ طَلَبُ الطُّمَأْنِينَةِ، وَتَمَنِّي نُزُولِ السَّكِينَةِ فِي الْقُلُوبِ.
وَهَا أَنْتُمْ قَدِ اطْمَأَنَّتْ نُفُوسُكُمْ بِقُدُومِ هَذَا الْعِيدِ فَاسْعَوْا لِكَسْبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي كُلِّ حَيَاتِكُمْ، فَطَلَبُهَا عِبَادَةٌ؛ بَلْ لَنْ يَجِدَ مُؤْمِنٌ الطُّمَأْنِينَةَ كَمِثْلِ مَا يَجِدُهَا فِي تَحْقِيقِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي بُعِثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ، هُمَا أَعْظَمُ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ، وَرَاحَةِ الْبَالِ، فَإِذَا سَكَنَتِ النَّفْسُ إِلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَاطْمَأَنَّتْ بِذِكْرِهِ وَأَنَابَتْ إِلَيْهِ، وَاشْتَاقَتْ إِلَى لِقَائِهِ، وَأَنِسَتْ بِقُرْبِهِ، فَهِيَ مُطْمَئِنَّةٌ، وَهَيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا عِنْدَ الْوَفَاةِ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُصَدِّقَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْمُؤْمِنُ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى مَا وَعَدَ اللهُ، وَصَاحِبُهَا يَطْمَئِنُّ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَى خَبَرِهِ الَّذِي أَخَبَر عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ رَسُولُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ يَطَمَئِنُّ إِلَى خَبَرِهِ عَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ أُمُورِ الْبَرْزَخِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ ذَلِكَ كُلَّهُ عِيَاناً.
ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَى قَدَرِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَيُسَلِّمُ لَهُ وَيَرْضَى، فَلَا يَسْخَطُ، وَلَا يَشْكُو، وَلَا يَضْطَرِبُ إِيمَانُهُ، فَلَا يَأْسَى عَلَى مَا فَاتَهُ، وَلَا يَفْرَحُ بِمَا آتَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11] مَنْ أَرَادَ الطُّمَأْنِينَةَ الْحَقَّةَ فَلْيُعَمِّقْ إِيمَانَهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبَّاً، وَبِالْإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيَّاً».
إِذَا اطْمَأَنَّ الْقَلْبُ بِالْإِيمَانِ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: مِنْ وَسَائِلِ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ الصِّدْقُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ، يَقُولُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالكَذِبَ رِيبَةٌ» فَالصِّدْقُ يُحَقِّقُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي قَلْبِ المُتَكَلِّمِ، كَمَا يُحَقِّقُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ، وَلَنْ تَجِدَ أَيُّهَا المُؤْمِنُ صَادِقاً يُعَانِي مِنَ التَّلَعْثُمِ أَوِ الاِضْطِرَابِ، وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مُستَمِعاً لَهُ يَشُكُّ فِي حَدِيثِهِ أَوْ يَرْتَابُ، مَنْ تَحَلَّى بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ تَجِدُهُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ مُرْتَاحَ الْبَالِ.
قَالَ المُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً».
وَالْبِرُّ يَشْمَلُ كُلَّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ مِمَّا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إِلَيْهِ، فَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: «أَجِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «البِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ».
النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ هِيَ النَّفْسُ الَّتِي اسْتَنَارَتْ بِنُورِ اللهِ؛ فَصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللهِ وَوَعِيدِهِ، فَسَابَقَ صَاحِبُهَا إِلى الخَيْرَاتِ، وَسَارَعَ إِلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ، وَأَسْهَمَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَنَفَّسَ عَنْ إِخْوَانِهِ الكُرُبَاتِ؛ أَمَلاً فِي نَيْلِ أَرْفَعِ الدَّرَجَاتِ، النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ هِيَ الَّتِي تَبْذُلُ الْخَيْرَ وَتُحِبُّهُ لِكُلِّ النَّاسِ، لا يَتَطَلَّعُ صَاحِبُهَا إِلَى مَا عِنْدَ الْآخَرِينَ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ، الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى الْعَمَلِ الْبَنَّاءِ، لِيُحَقِّقَ لِمُجتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ السَّعَادَةَ وَالْهَنَاءَ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
مِنْ أَعْظَمِ مَا تُسْتَجْلَبُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ تَحْقِيقُ الْأَمْنِ، فَبِغَيْرِ الْأَمْنِ لَا تَطَمْئِنُّ نَفْسٌ، وَلَا يَهْنَأُ عَيْشٌ، وَإِنَّكُمْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُمَلِّكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ لَنَعِيشُ فِي أَمْنٍ، وَطُمَأْنِينَةٍ، وَرَخَاءِ عَيْشٍ، نَعِيشُ مَكْفُولِيْنَ مَحْفُوظِينَ، لَنَا أَئِمَّةٌ نُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَا وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمْ نُفُوسُنَا، وَالنَّاسُ يُتَخَطَّفُونَ مِنْ حَوْلِنَا، فَإِنْ أَرَدْنَا هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةَ أَنْ تَدُومُ فَلْتُتَوَّجْ بِالشُّكْرِ.
فَالشُّكْرُ مَجْلَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْأَمْنِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] فَإِذَا أَرَدْنَا لِبَاسَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ نَشْكُرَهَا، وَشُكْرُهَا بِأَنْ نَنْسُبَهَا إِلَى الْمُنْعِمِ لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ نَسْتَعْمِلَهَا فِي طَاعَتِهِ، وَلَا نَسْتَعْمِلَهَا فِي مَعْصِيَتِهِ.
وَمِنْ مُسْتَجْلِبَاتِ الطُّمَأْنِينَةِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ، الَّذِينَ بَايَعْتُمُوهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَهَاتُوا لِي بَلَداً لَا يَدِينُ أهْلُهُ لِحَاكِمٍ هَلِ اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ أَوْ عَاشُوا بِسَلَامٍ؟ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ، وَتَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ».
قَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ: تَطَمْئِنُّ، أي: تَنْشَرِحُ لِإِمَارَتِهِمُ الصُّدُورُ، لِعَدَالَتِهِمْ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِمْ.
فَهَلْ سَعَى لِطُمَأْنِينَةِ الْبَلَدِ مَنْ نَاكَبَ أَهْلَهُ بِالْعَدَاءِ فَخَرَجَ عَلِيْهِمْ مُكَفِّراً وَاسْتَبَاحَ دِمَاءَهُمْ؟ وَهَلْ سَعَى لِطُمَأْنِينَةِ الْبَلَدِ مَنْ يُرِيدُ لِبَلَدِهِ الْخُرُوجَ عَنْ نَسَقِ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّمَظْهُرَ بِغَيْرِ مَظْهَرِ الدِّينِ، زَعْماً مِنْهُ مُجَارَاةَ الدُّوَلِ؟
أَنْتُمْ شُرَكَاءُ فِي بَلَدِكُمْ فَخُذُوا عَلَى يَدِ السَّفِيهِ، وَأَرْشِدُوا الْغَافِلَ، وَتَنَاصَحُوا وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَمَلُّوا مِنَ السَّعْيِ لِلْإِصْلَاحِ، فَالْبَلَدُ قَائِمٌ بِحُكَّامٍ عَادِلِينَ، وَشَعْبٍ نَاصِحٍ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وللهِ الْحَمْدُ.
مِنْ أَعْظَمِ مُسْتَجْلِبَاتِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ: عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَالرَّكْضِ خَلْفَهَا، يَقُولُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7-8] رَكَنُوا إِلَيْهَا، وَجَعْلُوهَا غَايَةَ مَرَامِهِمْ، وَنِهَايَةَ قَصْدِهِمْ، فَسَعَوْا لَهَا وَأَكَبُّوا عَلَى لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا، بِأَيِّ طَرِيقٍ حُصِّلَتْ حَصَّلُوهَا، وَمِنْ أَيِّ وَجْهِ لَاحَتِ ابْتَدَرُوهَا، قَدْ صَرَفُوا إِرَادَتَهُمْ وَنِيَّاتِهِمْ وَأَفْكَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهُمْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ فِيهَا، وَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ مَمَرٍّ يَتَزَوَّدُ مِنْهَا الْمُسَافِرُونَ إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، الَّتِي إِلَيْهَا يَرْحَلُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَإِلَى نَعِيمِهَا وَلَذَّاتِهَا شَمَّرَ الْمُوَفَّقُونَ، فَأَمْثَالُ أُولَئِكَ تَزُولُ عَنْهُمِ الطُّمَأْنِينَةُ وَيَغْشَاهُمُ الْقَلَقُ وَالْهَمُّ وَالْأَسَى عَلَى مَا يَفُوتُهُمْ.
الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ جَمْعِ الْمَالِ، خُلِقَ لِعِبَادَةِ اللهِ وَالسَّعْيِ لِأَكْلِ الْمَالِ الطَّيِّبِ الْحَلَالِ، لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ.
وَهَا أَنْتُمْ فِي هَذَا الْعِيدِ لَا تَمَايُزَ بَيْنَكُمْ وَلَا اخْتِلَافَ، فَرِحَ الْفَقِيرُ قَبْلَ الْغَنِيِّ وَالْوَضِيعُ قَبْلَ الشَّرِيفِ، فَمَاذَا فَعَلَتْ بِصَاحِبِ الدُّنْيَا دُنْيَاهُ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
عِبَادَ اللهِ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ مِنْ وَسَائِلِ الْحُصُولِ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ الْقَلْبِيَّةِ: التَّدَبُّرُ فِي آيَاتِ اللهِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالنَّظَرُ فِي آيَاتِهِ الْكَوْنِيَّةِ، وَمِمَّا يُسْكِنُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي النُّفُوسِ تَقْوَى اللهِ، وَالْحِرْصُ عَلَى ذِكْرِهِ، وَالِارْتِبَاطِ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35] وَذِكْرُ اللهِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُطَمْئِنُ النُّفُوسَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] فَبِذِكْرِهِ تَذْهَبُ الْمَخَاوِفُ كُلُّهَا، وَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ لِلْخَائِفِ مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ.
فَلَا شَيْءَ أَلَذُّ لِلْقُلُوبِ وَلَا أَشْهَى وَلَا أَحْلَى مِنْ مَحَبَّةِ خَالِقِهَا، وَالْأُنْسِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَعَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهَا بِاللهِ وَمَحَبَّتِهَا لَهُ، يَكُونُ ذِكْرُهَا لَهُ.
وَلِذَلِكَ يُقَالُ: إِذَا ذَكَرُوا أَنَّ الله ذَكَرَهُمُ اسْتَرْوَحَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَاسْتَأْنَسَتْ أَسْرَارُهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ بِذِكْرِ اللهِ، فَذَلِكَ لِخَلَلٍ فِي قَلْبِهِ، فَلَيْسَ قَلْبُهُ بَيْنَ الْقُلُوبِ الصَّحِيحَةِ، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَعِيدُكُمْ هُوَ مِنْ إِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ، أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ كَانَ الِعِيدُ مَصْدَراً لِلطُّمَأْنِينَةِ؟
اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: تَضِيقُ الْأُمُورُ بِالْإِنْسَانِ، وَتَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْأَزَمَاتُ، لَكِنْ مِنْ مُسْتَجْلِبَاتِ الطُّمَأْنِينَةِ: اسْتِشْعَارُ قُرْبِ الْفَرَجِ عِنْدَ حُلُولِ الْمِحَنِ، وَنُزُولِ الْبَلَايَا وَكَمَا يُقَالُ: الطُّمَأْنِينَةُ مَقْرُونَةٌ بِالْمَصَائِبِ، وَالْحَذَرُ مَقْرُونٌ بِالنَّجَاةِ.
وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَالْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَيْهِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا قَضَى؛ يُحَقِّقُ لِلْإِنْسَانِ الهُدُوءَ وَالسَّكِينَةَ وَالِاستِقْرَارَ، وَيَمْنَحُهُ الطُّمَأْنِينَةَ دَائِماً بِاستِمْرَارٍ.
وَلِذَلِكَ أَنْزَلَهَا اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَى رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي لَحَظَاتِ الْخَوْفِ وَالِاضْطِرَابِ.
فَاسْتَرَاحَتْ قُلُوبُهُمْ وَسَكَنَتْ، وَزَالَ عَنْهَا الْخَوْفُ فَهَدَأَتْ، يَقُولُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] وَمَا أَكْثَرَ المَوَاطِنَ الَّتِي اضْطَرَبَتْ فِيهَا قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، فَزَالَ عَنْهُمُ الْخَوْفُ وَالِاضْطِرَابُ، بَعْدَ أَنِ اجْتَهَدُوا حَسَبَ سُنَّةِ اللهِ فِي مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ.
وَلَا يَكُنْ أَحَدُكُمْ كَمَا وَصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11] فَبِالسَّكِينَةِ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ يُوَاجِهُ الْإِنْسَانُ الْمَصَاعِبَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ، وَيَتَغَلَّبُ عَلَى الشَّدَائِدِ مَهْمَا جَلَّتْ، وَيَستَمِرُّ فِي الْحَيَاةِ مَسِيرُهُ عَلَى نُورٍ وَهُدًى وَبَصِيرَةٍ، إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا عَاشَ فِي ظِلالِ السَّكِينَةِ: وَاجَهَ الْمَتَاعِبَ وَالْمَصَاعِبَ بِرَبَاطَةِ جَأْشٍ وَحُسْنِ يَقِينٍ، وَاجتَازَهَا بِقُوَّةٍ وَتَسْلِيمٍ، وَتَعَلَّمَ مِنْهَا الْحِيطَةَ وَالْحَذَرَ، مِنْ غَيْرِ تَسَخُّطٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
إِنَّ الْمُصَابَ بِأَيِّ مُصِيبَةٍ وَهُوَ فِي رِحَابِ السَّكِينَةِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَصَائِبَ لَيْسَتْ دَلِيلَ هُبُوطِ مَنْزِلَتِهِ، أَوْ حِرْمَانِهِ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالسَّكِينَةُ تُؤَدِّي إِلَى الصَّبْرِ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْيَقِينِ الْحَاسِمِ، وَثَمَرَةُ الْمَوقِفِ الْحَازِمِ، وَهُوَ خَيْرُ مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ؛ لِيَسْلَمَ مِنَ الضَّعْفِ فِي دُنْيَاهُ، وَيَنْجُوَ مِنَ الْعَذَابِ فِي أُخْرَاهُ، وَلِتَأْكِيدِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» فَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ، وَالْأَمَلِ بِحُسْنِ الْخَوَاتِيمِ.
يَقْلَقُ النَّاسُ، وَيَخَافُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي تَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، مَعَ أَنَّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ بِتَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ اسْتَحْضَرَ الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضَ الْأُمُورِ إِلَيْهِ؛ وَالصَّبْرَ عَلَى مَا قَضَى؛ لَتَحَقَّقَ لَهُ الْهُدُوءُ وَالسَّكِينَةُ وَالِاستِقْرَارُ، وَمَنَحَهُ اللهُ الطُّمَأْنِينَةَ.
إِنَّنَا فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ الْيَوْمَ أَنْ نُؤَمِّنَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا، وَأَنْ نَأْمَنَ فِي بِلَادِنَا وَأَوْطَانِنَا، وَأَنْ نَكُونَ فِي طُمَأْنِينَةِ قَلْبٍ، وَرَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ؛ وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا اسْتَمْسَكُوا بِاللهِ لَنْ يَجِدُوا إِلَّا الطُّمَأْنِينَةَ، وَإِلَّا الْأَمْنَ، فَلَا خَوْفَ عَلَى مَنْ آمَنَ، وَلَا خَوْفَ عَلَى مَنْ صَدَقَ الُّلجُوءَ إِلَى اللِه، وَلَا خَوْفَ عَلَى مَنْ وَحَّدَ اللهَ وَاتَّقَاهُ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَالْتَمِسُوا السَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، بِأَدَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لِمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ نَحْوَ رَبِّهِ، وَنَفْسِهِ، وَمُجتَمَعِهِ، وَوَطَنِهِ.
فَإِنْ أَحَسَّ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ كَانَ مُستَرِيحَ الْبَالِ، سَعِيدَ الْحَالِ، وَهَذَا الشُّعُورُ يَمْنَحُهُ الرِّضَا وَالسَّكِينَةَ، وَالْهُدُوءَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.
أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
الْحَمْدُ للهِ ضِمِنَ السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَدَى النَّاسَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، مَنْ سَلَكَهُ فَازَ بِالْعِزِّ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَمَنْ حَادَ عَنْهُ ذَاتَ الشِّمَالِ وَذَاتَ الْيَمِينِ رُمِيَ بِهِ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، فَصَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ عِيدٍ تُقَامُ فِيهِ شَعَائِرُ هِيَ مَصْدَرٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ فَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَقُولُ: «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ» وَأَدُّوْا مَا عَلَيْكُمْ مِنْ حَقٍّ للهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ مُجْلِبَةٌ لِلرِّزْقِ الَّذِي تَطَمْئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ، وَلَا يَطْمَئِنُّ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْحُقوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، يَطْمَئِنُّ الْبَيْتُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَينِ وَحِفْظِ حَقِّهِمَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ، وَلَا اطْمِئْنَانَ لِلْبَيْتِ مَا لَمْ يَرْعَ الْأَبُ أَهْلَ بَيْتِهِ بِالْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، فَحُسْنُ التَّرْبِيَةِ وَالاِهْتِمَامُ بِالْأَبْنَاءِ تَطْمَئِنُّ بِهِ الْبِلَادُ قَبْلَ اطْمِئْنَانِ الْبُيُوتِ.
الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ هِيَ أَسَاسُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ ـ فِيَا أَيَّتُهَا النِّسَاءُ ـ أَنْتُنَّ قَرَارُ الْمُجْتَمَعِ، وَأَنْتُنَّ طُمَأْنِينَتُهُ، بِصَلَاحِ الْمَرْأَةِ يَصْلُحُ الزَّوْجُ، وَيَصْلُحُ الْأَبْنَاءُ فَاِتَّقِينَ اللهَ، فَالْمَرْأَةُ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ، فَلَا غَرْوَ إِذَنْ أَنْ يَطَالَهَا الْأَذَى، وَيَصِلَ إِلَيْهَا الْبَغْيُ، وَمَا رَأَيْنَا أَمْرًا تَدَخَّلَ فِيهِ السَّاقِطُ وَالْمُنْحَطُّ كَتَدَخُّلِهِمْ فِي شَأْنِ الْمَرْأَةِ.
إِنَّ الْمَرْأَةَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ غَالِيَةٌ نِقْيَةٌ، مِثْلُهَا مِثْلُ كَأْسِ الْعَسَلِ حُلْوِ الْمَذَاقِ طَيِّبِ الرّيحِ، وَمَا دَامَ الْكَأْسُ مَكْشُوفاً فَإِنَّ الذُّبَابَ يَدُورُ حَوْلَهُ؛ بَلْ وَتَتَسَاقَطُ فِيهِ الْبَرَاغِيثَ، فَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَهُوَ فِي مَعْدِنِهِ طَيِّبٌ لَوْلَا مَا أَصَابَهُ، فَإِذَا مَا أُغْلِقَ الْكَأْسُ، وَأُحْكِمَ الْغِطَاءُ لَمْ يَقْتَرِبْ مِنْهُ أَحَدٌ، أَلَا فَإِنَّ أَعْظَمَ غِطَاءٍ تَلْتَحِفُ بِهِ الْمَرْأَةُ هُوَ غِطَاءُ الْحَيَاءِ، مَتَى مَا زَالَ الْحَيَاءُ مِنَ الْمَرْأَةِ زَالَ عَنْهَا كُلُّ شَيْءٍ دِينُهَا وَكَرَامَتُهَا.
أَيَّتُهَا النِّسَاءُ: إِنَّ أَمْرَ الْمَرْأَةِ بِيَدِهَا؛ بَلْ أَمْرُ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ بِيَدِهَا، كُلَّمَا ابْتَعَدَتْ عَنْ دِينِهَا، وَأَضَاعَتْ وَاجِبَاتِهَا، ضَيَّعَتِ الْمُجْتَمَعَ بِأَسْرِهِ ـ فَاتَّقِينَ اللهَ ـ وَرَاعِينَ حُقُوقَهُ، لِيَطْمَئِنَّ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ الْقَائِمُونَ: ثِقُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَظُنُّوا أَنَّهُ قَدْ قَبِلَ عَمَلَكُمْ، وَشَكَرَ سَعْيَكُمْ، وَغَفَرَ ذَنْبَكُمْ، وَاسْتَجَابَ دُعَاءَكُمْ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ ظَنِّ عِبَادِهِ بِهِ، إِنْ ظَنُّوا خَيْرًا فَلَهُمْ، وَإِنْ ظَنُّوا غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ، وَاسْتَتْبِعُوا حُسْنَ الظَّنِّ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، فَمَا أَجْمَلَ حُسْنَ الظَّنِّ مُقْتَرِناً بِحُسْنِ الْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ يَقُودُ صَاحِبَهُ إِلَى الْمَزِيدِ مِنَ الْإِحْسَانِ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] أَيُّهَا التَّائِبُونَ فِي رَمَضَانَ: أَقْبِلُوا عَلَى اللهِ تَعَالَى بِقُلُوبِكُمْ، وَاعْبُدُوهُ فِي كُلِّ أَزْمَانِكُمْ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُعْبَدُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَالْأَحْيَانِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْعَوْدَةَ إِلَى الذُّنُوبِ بَعْدَ إِذْ نَجَّاكُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْهَا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَنْ مِثْلُنَا الْيَوْمَ؟! أَتْمَمْنَا شَهْرَنَا، وَأَدْرَكْنَا عِيدَنَا، وَتَرَاصَّتْ صُفُوفُنَا، وَحَضَرْنَا لِشُهُودِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالْخَيْرِ، فِي أَمْنٍ فِي الْأَوْطَانِ وَعَافِيَةٍ فِي الْأَبْدَانِ، وَسَكِينَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ، فَلِلهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا وَفَّقَ إِلَيْهِ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَعَانَ عَلَيْهِ، لَهُ الْحَمْدُ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى الْبَذْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقُرْآَنِ.
للهِ الْحَمْدُ كُلَّمَا قَبِلَ صَلَاتَنَا وَصِيَامَنَا، وَلَهُ الْحَمْدُ كُلَّمَا أَجَابَ دُعَاءَنَا وَحَقَّقَ سُؤْلَنَا، وَلَهُ الْحَمْدُ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ عَلَى مَا هَدَانَا: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43] وَنَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ بِشُكْرِهِ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ جُحُودِ نِعْمَتِهِ وَكُفْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي وَعَدَ مَنْ شَكَرَ وَاتَّقَى بِالْبَرَكَةِ وَالزِّيَادَةِ، وَأَوْعَدَ مَنْ كَفَرَ وَكَذَّبَ بِالْأَخْذِ وَالْعَذَابِ.
أَتَدْرُونَ مَتَى تَطْمَئِنُّ نُفُوسُكُمْ طُمَأْنِينَةً لَا عَنَاءَ بَعْدَهَا؟ حِينَ يُحَقِّقُ اللهُ لَكُمْ فَرَحَكُمْ بِلِقَائِهِ، أَنَسِيتُمْ أَنَّ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ حِينَ تَنَالُوا شَرَفَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُصْطَفَى فِي الْعِيدِ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُهَنِّئُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِالْعِيدِ، مُظْهِراً الْفَرَحَ وَالْبَشَاشَةَ لِمَنْ لَقِيَهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ حَبيبِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: لَقِيَتْ وَاثِلَةَ يَوْمَ عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللهُ مَنَّا وَمِنْكَ، فَقَالَ: تَقَبَّلَ اللهُ مَنَّا وَمِنْكَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنِّي وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ أَصْحَابِ نَبِيِّكَ أَجَمْعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ هَا نَحْنُ خَرَجْنَا إِلَيْكَ مُوَدِّعِينَ شَهْرَنَا، نَرْجُو نَوَالَكَ وَإِفْضَالَكَ، اللَّهُمَّ فَجُدْ عَلَيْنَا بِقَبُولِ مَا سَلَفَ مِنْ أَعْمَالِنَا، وَتَجَاوَزَ عَمَّا بَدَرَ مِنْ تَقْصِيرِنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِنَا، وَسَدِّدْنَا وَوَفِّقْنَا.
اللَّهُمَّ حَقِّقْ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ مَا تَرْجُوهُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ وَنَوَالِكَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَأَصْلِحْ شَأْنَهُمْ.
اللَّهُمَّ حَقَّقْتَ لَنَا فَرَحَنَا عِنْدَ فِطْرِنَا مِنْ صَوْمِنَا فَحَقِّقْ لَنَا فَرْحَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ لِقَائِكَ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.