مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 22:06:56

عيد الأضحى

عيد الأضحى

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَومِ الدِّينِ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ السَّمَواتُ وَأَمْلَاكُهَا، وَالنُّجُومُ وَأَفْلَاكُهَا، وَالْأَرْضُ وَسُكَّانُهَا، وَالبِحَارُ وَحِيتَانُهَا، والْجِبَالُ وَالنُّجُومُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ، وَالْآكَامُ، وَالرِّمَالُ، وَكُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَخُلِقَتْ لَهَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، بِهَا أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى رُسُلَهُ وَلِأَجْلِهَا نُصِبَتِ الْمَوَازِينُ، وَلِأَجْلِهَا جُرِّدَتِ السُّيُوفُ، هِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ هِيَ مِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ الْمُرْسَلِينَ، وَالْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاعْلَمُوا ـ أيُّهَا النَّاسُ ـ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ خَيْرُ لِبَاسٍ يَلْبَسُهُ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] اتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ فِي سِرِّكُمْ وَجَهْرِكُمْ، وَفِي فَرَحِكُمْ وَفِي حُزْنِكُمْ، تَجِدُوا مَا يُرْضِيكُمْ وَيُسْعِدُكُمْ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمدُ.

عِبَادَ اللهِ: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ، هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأْكْبَرِ، هُوَ مِنْ أَكْثَرِ أَيَّامِ الْحُجَّاجٍ أَعْمَالاً، هُوَ يَوْمٌ جَلِيلٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ عِنْدَ كُلِّ الْمَسْلِمِيِنَ.

لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَفَرَحٍ، هُوَ يَوْمٌ مُعَظَّمٌ يَتَقَرَّبُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى رَبِّهِمْ بِعِبَادَاتٍ جَلِيلَةٍ مَا تَطْلُعُ شَمْسُهُ إِلاَّ وَيَخْرُجُ النَّاسُ فِي مَوْكِبٍ إِيمَانِيٍّ جَمِيلٍ مُتَّجِهِينَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، لَابِسِينَ أَحْلَى حُلَلِهِمْ، مُبْتَسِمَةً أَفْوَاهُهُمْ، شِعَارُهُم التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ، اسْتِجَابَةً لِنِدَاءِ رَبِّهِمْ، وَتَقَرُباً إِلَيْهِ، فَإِذَا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِذَبْحِ أُضْحِيَاتِهِمْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مُعْلِنِينَ تَوْحِيدَهُ وَخُلُوصَ قُلُوبِهِمْ مِنْ أَيِّ شَائِبَةٍ شِرْكِيَّةٍ سِوَى تَوْحِيدِهِ سُبْحَانَهُ، إِنَّ يَوْمَكُم هَذَا يَوْمٌ فَاضِلٌ، وَعِيدٌ مُبَارَكٌ اخْتَارَهُ اللهُ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ، حَرَّمَ صَوْمَهُ، وَأَوْجَبَ فِطْرُهُ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمِنَنِ عَلَيْكُمْ هُوَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ، إِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ النِّعْمَةُ الْعُظْمَى الَّتِي تَسْتَوْجِبُ مِنْكُمْ شُكْراً.

لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُسْلِماً إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الْإِقْرَارُ للهِ سُبْحَانَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا يُعْبَدُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُرْجَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُصْرَفُ أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: 78-83] إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: 14].

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: لَا يُسَمَّى الْمُسْلِمُ مُسْلِماً إِلاَّ بِالْإِقْرَارِ بِالْأَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، رَسُولٌ اخْتَارَهُ اللهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ لِيُشَرِّفَهُ بِأَعْظَمِ رِسَالَةٍ وَأَعْلَى مَهَمَّةٍ، مَهَمَّةُ النُّصْحِ وَالتَّوجِيهِ، وإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ لِيَدْخُلُوا بِسَبَبِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ دِينَ الْمَرْءِ لَا يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِالْإِقْرَارِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ بِرِسَالَتِه إِلَّا بِتَمَامِ الْمُتَابَعَةِ لَهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ؛ بَلْ يَكْفِيكُمُ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّه لَنَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَطَاعَ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وسَلَّمَ لِأَمْرِهِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» بَلْ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَوَّرَ امْرُؤٌ أَنَّ لَهُ مُخَالَفَةَ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَاضِحَةٌ فِي كُلِّ الْعِبَادَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْجَبَهَا اللهُ عَلَيْكُمْ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِأَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَصِفَاتٍ مَحْدُودَةٍ، يَجْمَعُهَا قَوْلُ أَنْصَحِ الْأُمَّةِ: «صَلَّوا كَمَا رَأيتُمُونِي أُصَلِّي».

الزَّكَاةُ فَريضَةٌ افْتَرَضَهَا اللهُ عَلَيْكُم فِي أَمْوَالِكُمْ لَا يُتَجَاوَزُ فِيهَا هَدْيُ أَزْكَى الْخَلْقِ وَأَتْقَاهُمْ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ .

الصَّوْمُ قُرْبَةٌ مِنَ الْقُرُبَاتِ، وَعِبَادَةٌ أَوْضَحَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَحْكَامَهَا، وَسَنَّ سُنَنَهَا.

الْحَجُّ: تِلْكَ الشَّعِيرَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُبْرِزَةُ لِلتَّوحِيدِ وَالْمُعْلِنَةُ لَهُ وَصَفَهَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «خُذَوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».

كُلُّ مَعَامَلَاتِ النَّاسِ صَحِيحَةٌ مَا دَامَتْ عَلَى وَفْقِ هَدْيِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَسُنَّتِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

إِنَّنَا ـ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ـ مَضْبُوطُونَ بِاتِّبَاعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] وَحُقَّ لِهَذَا الدِّينِ أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَهُوَ دِينٌ كَاِملٌ شَامِلٌ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، لَمْ يَنْقُصْ فَيَحْتَاجَ إِلَى إِكْمَالٍ، وَلَمْ يَزِدْ فَيَحْتَاجَ إِلَى تَعْدِيلٍ أَوْ تَصْحِيحٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] دِينٌ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ: أَعْظَمُ الْحُقُوقِ حَقُّ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فِي الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ مِنَ الشَّوَائِبِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ نَزْعَةِ شِرْكٍ أَوْ بِدَعٍ.

حَقَّ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31] حَقُّ الْوَالِدِ، وَحَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ، حَقُّ الرَّحِمِ، حَقُّ الزَّوْجَيْنِ عَلَى بَعْضِهِمَا؛ بَلْ حَتَّى حُقُوقُ الْحَيَوَانِ وَالْبَهائِمِ جَاءَ الْإِسْلَامُ دَاعِياً إِلَيْهَا.

مَا تَرَكَ الْإِسْلَامُ حَقَّاً إِلَّا وَأَعْطَاهُ إِلَى صَاحِبِهِ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، حَتَّى الْمُشْرِكُ وَالُمَكَاتَبُ لَهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ الْقِيَامُ بِهِ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».

وَتَسْتَقِيمُ هَذِهِ الْحُقُوقُ وَيَسِيرُ أَمْرُهَا لَو تَابَعَ النَّاسُ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِم وَأَقْوَالِهِمْ، أَتْقَى الْخَلْقِ، وَأَزْكَاهُمْ، وَأَوْرَعُهُمْ وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، لَوْ سَارَ النَّاسُ عَلَى نَهْجِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَاسْتَقَامَتْ أَحْوَاُلهُمْ، وَصَلُحَتْ مَعِيشَتُهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ جَاءَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَمَّا ضَيَّعُوا مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَسَارُوا خَلْفَ أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِم، ضَاعَتْ حُقُوقُهُم، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ أَعَدَاؤُهُمْ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْأَمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَيْسَتْ فِي حَاجَةٍ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدٍ فَأُمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَكْثَرِ أُمَمِ الْأَرْضِ عَدَداً، وَاللهِ مَا فِي الْأَرْضِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا مِنْ خَيْرَاتِ الْأَرْضِ إِلاَّ وَفِي أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا النَّصِيبُ الْأَوفَى، إِنَّ مَا يَنْقُصُ الْأَمَّةَ هُوَ التَّمَسُّكُ بِدِينِهَا وَالْابْتِعَادُ عَنِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ، صَفاَءُ الْعَقِيدَةِ وَسَلَامَةُ الَمْنَهَجِ كَفِيلَانِ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ لِأَنْ يَسِيرَ النَّاسُ إِلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ صَلَاحَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ جَمْعَاءَ وَعَوْدَةَ قُوَّتِهَا لَنْ يَكُونَ إِلَّا إِذَا أَصْلَحَ كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَمَنْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، لَوْ صَلُحَتِ الرَّعِيَّةُ صَلُحَ الرَّاعِي.

وَلَكِنِ اعْلَمُوا: أَنَّ التَّهَاوُنَ بِالصَّغَائِرِ يُوشِكُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِالْكَبَائِرِ، فَإِذَا وَقَعَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ: فَقَدْ بَدَأُوا طَرِيقاً أَوَّلُهُ الْبِدَعُ وَآخِرُهُ الشِّرْكُ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْتَزِمُوا أَمْرَ دِينِكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، تَصِلُوا إِلَى مَرْضَاةِ خَالِقِكُمْ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَأَنَعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، نَحْمَدُهَ سَبْحَانَهُ وَنَشْكُرُهُ عَلَى أَنْ سَخَّرَهَا لَنَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهَ لَا شَرِيكَ لَهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهَ وَرَسُولُهُ خَيْرُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ، الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ، وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهَ بِإِحْسَانٍ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: 6].

إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَمَوْسِمٌ كَرِيمٌ، شَرَّفَهُ اللهُ وَعَظَّمَهُ، وَشَرَعَهُ عِيداً لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِهِمْ وَأَمْصَارِهِمْ مَنْ حَجَّ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ، فَالْحُجَّاجُ يُؤَدُّونَ فِيهِ غَالِبَ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَبَّلَ اللهُ مِنهُمْ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ فَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِأَدَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَيَذكُرُونَ اللهَ تَعَالَى فُرَادَى وَيُكَبِّرُونَهَ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْسُكُونَ نُسُكَهُمْ بِإِرَاقَةِ دِمَاءِ ضَحَايَاهُمْ تَقَرُّباً إِلَى اللهِ تَعَالَى وَشُكْراً لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَعَمَلاً بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ شَيِخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : الصَّلَاةُ فِي الْأَمْصَارِ بِمَنْزِلَةِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْأَضَاحِي بِمَنْزِلَةِ ذَبْحِ الْهَدْيِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَعْظَمَ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ هُوَ إِرَاقَةُ دَمِ الْأُضْحِيَةِ يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَةَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ دَمٍ، وإِنَّهَ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي فَرْثِهِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْساً».

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْأُضْحِيَةَ شَعِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ وَتَعْظِيمُهَا وَالاهْتِمَامُ بِهَا عَلَامَةٌ عَلَى تَقْوَى الْعَبْدِ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْأُضْحِيَةَ لَا بُدَّ أَنَ تَبْلُغَ السِّنَّ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعاً، وَهِيَ الْجَذَعُ فِي الضَّأْنِ وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِيُّ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَابُدَّ أَنْ تَخْلُوَ مِنَ الْعُيوبِ الْمَعْتَبَرَةِ شَرْعاً يَقُولُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: صَعَدَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَورَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهُا، وَالْمرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهَ الْخَمْسَةُ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاقْتَدُوا بِنَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَدْ ضَحَّى عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَبَحَ أُضْحِيَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَأْمُرُ بَنَاتِهِ أَنْ يَذْبَحْنَ أَضَاحِيَهُنَّ بِأَيْدِيهِنَّ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا: أَنْ نُصَلِّيَ، ثَمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هَوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ».

وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحَسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: فَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

وَلَقَدْ كَانَ مِنْ هَدْيهِ عِنْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَةِ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ» ثُمَّ يَذْبَحُ.

وَلَقَدْ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أُضْحِيَتِهِ، وَيُهْدِي، وَيَتَصَدَّقُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] وَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الْأَضَاحِي: «كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوَا» رَوَاه ُمُسْلِمٌ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

عِبَادَ اللِه: إِنَّ الذَّبْحَ قُرْبَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ، فَأَخْلِصُوا نِيَّاتِكُمْ للهِ وَحْدَهُ، فَعَلَى قَدْرِ نِيَّاتِكُمْ تُتَقَبَّلُ أَعْمَالُكُمْ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَشُكْرٍ للهِ عَلَى إِسْبَاغِ النِّعَمِ، وَتَسْخِيرِ النَّعَمِ، فَاجْعَلُوا شُكْرَكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ عَمَلاً يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، فَإِنَّ رِضَا اللهِ فِي شُكْرِهِ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7] «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ: يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».

وَلَقَدْ أُمِرْتُمْ بِذِكْرِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ: أَكْلٍ، وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.

فَأَكْثِرُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ مِنْ ذِكْرِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَتَكْبِيرِهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً».

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ.

اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِلْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، وَتَقَبَّلْ مِنْهُمْ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى أَوْطَانِهِمُ سَالِمِينَ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

 

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة