الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَوَّرَ الْقُلُوبَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَأَذْهَبَ عَنْهَا الْهَمَّ وَالْغَمَّ بِتَوْحِيدِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، جَعَلَ الدُّنْيَا مَجَالاً لِلتَّسَابُقِ فِي الْأَعْمَالِ وَمَيْدَاناً مِلِيئاً بِالْمَوَانِعِ وَالْعَقَبَاتِ، فَيَمُنُّ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ بِعِيشَةٍ هَنِيَّةٍ وَحَيَاةٍ سَنِيَّةٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَهُ، وَيَسَّرَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ، صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا مَلِيئَةٌ بِالْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ، وَالْبَلَايَا وَالشَّدَائِدِ لَا تَثْبُتُ عَلَى حَالٍ، فَهِيَ دَائِمَةُ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَوُّلِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23] ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] فَالْحَيَاةُ لَا تَدُومُ سَعِيدَةً نَاعِمَةً لِلشَّخْصِ مِنْ وِلَادَتِهِ إِلَى وَفَاتِهِ؛ بَلْ يَمُرُّ بِهِ مُنَغِّصَاتٌ وَمُكَدِّرَاتٌ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَدُومُ نَاغِصَةً وَمُكَدِّرَةً لِلشَّخْصِ؛ بَلْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ السَّعَادَةِ وَتَيْسِيرِ الْأُمُورِ مَا يُنْسِيهِ مَتَاعِبَهُ وَهُمُومَهُ.
وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ فَرْداً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ سَالِماً مِنَ الْمَشَاكِلِ أَوِ الْمَصَائِبِ أَوِ الْمِحَنِ ـ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ـ فَهَذَا مُصَابٌ بِالْعِلَلِ وَالْأَسْقَامِ الْبَدَنِيَّةِ، وَهَذَا مُصَابٌ بِعُقُوقِ الْأَبْنَاءِ، وَهَذَا مُصَابٌ بِسُوءِ خُلُقِ زَوْجَتِهِ، أَوِ امْرَأَةٌ بِسُوءِ خُلُقِ زَوْجِهَا وَذَاكَ مُصَابٌ بِجِيرَانِ سُوءٍ نَغَّصُوا عَلَيْهِ عَيْشَهُ، وَتَاجِرٌ مُصَابٌ بِكَسَادِ تِجَارَتِهِ أَوْ تَعَرُّضِهِ لِلْخَسَارَةِ، وَآخَرُ مَهْمُومٌ بِسَبَبِ فَقْرِهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، وَآخَرُ يَكِدُّ وَيَجْتَهِدُ وَلَا يَصِلُ إِلَى مُبْتَغَاهُ، فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الْآلَامِ وَالْمَشَاكِلِ الَّتِي لَا تُعَدُّ، الَّتِي قَدْ تَسْتَوْلِي عَلَى بَعْضِ النَّاسِ حَتَّى تَرَاهُ يَمْشِي وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ، لَا يَأْتِيهِ نَوْمٌ بِلَيْلٍ، وَلَا يَلِينُ لَهُ جَنْبٌ.
وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَاقِلَ الَّذِي يُعِيدُ النَّظَرَ فِي نَفْسِهِ فَيَتَّهِمَهَا عَلَى تَقْصِيرِهَا، وَيَنْظُرُ فِي حَالِهِ فَقَدْ تَكُونُ السَّبَبَ وَرَاءَ كُلِّ مَا يُصِيبُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ هَذِهِ الْهُمُومِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ:
أَوَّلُهَا: بُعْدُ النَّاسِ عَنْ رَبِّهِمْ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَضَعْفُ تَوْحِيدِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124].
إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا فَقَدَ مَا خُلِقَ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَالسُّرُورِ بِهِ وَالِابْتِهَاجِ بِحُبِّهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالرِّضَى بِهِ، وَالْحُبِّ فِيهِ، وَالْبُغْضِ فِيهِ وَالْمُوَالَاةِ فِيهِ، وَالْمُعَادَاةِ فِيهِ، وَدَوَامِ ذِكْرِهِ.
مَتَى فَقَدَ أَنْ تَكُونَ مَحَبَّةَ اللهِ وَرَسُولِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ وَأَرْجَى لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ بَلْ لَا نَعِيمَ لَهُ، وَلَا لَذَّةَ وَلَا سُرُورَ إِلَّا بِذَلِكَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ لِلْجَسَدِ، فَإِذَا فَقَدَ الْجَسَدُ غِذَاءَهُ وَصِحَّتَهُ، فَالْهُمُومُ وَالْأَحْزَانِ مُسَارِعَةٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ.
وَثَانِيهَا: الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي الَّتِي قَدْ تَجْتَمِعُ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى تَجْعَلَ عَلَى قَلْبِهِ مِثْلَ الرَّانِ فَيَكُونُ عُرْضَةً لِأَيِّ عَارِضٍ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
وَثَالِثُهَا: تَعَلُّقُ النَّاسِ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَنِسْيَانُ الْأَسْبَابَ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَالرِّزْقُ بِيَدِ اللهِ لَا بِيَدِ أَحَدٍ، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِبَذْلِ السَّبَبِ، وَالضُّرُّ وَالنَّفْعُ بِيَدِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ: «وَاعْلَمْ: أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» فَمَتَى مَا رَبَطَ الْإِنْسَانُ قَضَاءَ حَاجَتِهِ بَالْمَخْلُوقِ حَتَّى إَذَا لَمْ تَتَحَقَّقَ تَضَجَّرَ وَتَحَسَّرَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ اللهِ سُبْحَانَهُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلْقُ .
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ مَنْ يَتَأَمَّلُ فِي وَاقِعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَيَرَى مَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهِ مِنْ أُمُورٍ قَدْ تُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ حَيَاتَهُمْ وَمَا يُقَابِلُونَ ذَلِكَ مِنَ الَّلوْمِ وَالتَّحَسُّرِ كُلُّه مْنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ لِلْعِلَاجِ، الَّذِي جَعَلَهُ كَاشِفاً لِلْغَمِّ، وَمُزِيلًا لِلْهَمِّ، لَوْ تَمَسَّكَ بِهِ الْإِنْسَانُ فَلَنْ يَجِدَ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ إِلَيْهِ طَرِيقاً.
فَأَوَّلُ مَا يُعَالِجُ الْمُؤْمِنُ بِهِ هَمَّهُ وَمَا أَصَابَهُ هُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالْمُشْرِكُ ضَائِقُ الصَّدْرِ مَهْمُومُ الْحَالِ مُتَنَغِّصُ الْمِزَاجِ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 22] وَالْخَلْقُ وَالْمَخْلُوقَاتُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِإِلَهٍ وَاحِدٍ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] فَكُلَّمَا زَادَتْ عِلَاقَةُ الْمُسْلِمِ بِرَبِّهِ كُلَّمَا ابْتَعَدَتْ عَنْهُ هُمُومُهُ وَغُمُومُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ تَوَكُّلُهُ عَلَى اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَرَبْطُ الْأُمُورِ بِهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ.
فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مُزِيلَاتِ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللِه هَدَأَ قَلُبُهُ مِنْ كُلِّ ضَائِقَةٍ، وَلَمْ يَتَحَسَّرْ عَلَى شَيْءٍ فَاتَهُ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11] وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ يَهْدَأْ قَلْبُهُ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً».
عِبَادَ اللهِ: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ، وَالِاتِّصَالُ بِهِ سُبْحَانَهُ، مِنْ وَسَائِلِ دَفْعِ هَمِّ الْمَرْءِ وَحُزْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ ذَكَرَ اللهَ ذَكَرَهُ اللهُ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
فَيُونُسُ بْنُ مَتَّى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ نَبْيُّ اللهِ يَسْقُطُ في لُجَجِ الْبِحَارِ فَيَبْتَلِعَهُ الْحُوتُ فَهُوَ فِي ظُلْمَةِ جَوْفِ الْحُوتِ فِي ظُلْمَةِ جَوِفِ الْبَحْرِ فِي ظُلْمَةِ الَّليْلِ، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، فَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ، وَلَا أَحَدَ يَسْمَعُ نِدَاءَهُ إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَكَاشِفُ الْكُرُوبِ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88] وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144].
مَنْ أَرَادَ كَشْفَ كُرْبَتِهِ وَرَفْعَ ضَائِقَتِهِ فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللِه مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، فَدَوَامِ الِاسْتِغْفَارِ، مِمَّا يُبْعِدُ الْإِنْسَانَ مِنْ مُنَغِّصَاتِ الْحَيَاةِ.
فَقَدْ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12] وَإِنْ شَاءَ الْمُؤْمِنُ مُسَلِّياً لَهُ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ لَأْوَاءِ الدُّنْيَا فَلْيَنْظُرْ فِي قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُمْ خَالِيَةً مِنَ النَّكَبَاتِ وَالْمَصَائِبِ، فَقَدْ أَصَابَهُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْجَالِبَةِ لِلْهُمُومِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، لَكِنْ تَمَسَّكُوا بِرَبِّهِمْ وَاتَّصَلُوا بِهِ، وَاشْتَدَّ تَوَكُّلُهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ الْمَصَائِبُ شَيْئاً، فَمِنْهُمْ مَنْ عَقَّهُ ابْنُهُ كَنُوحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَتْهُ زَوْجَتُهُ كَلُوطٍ وَنُوحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ آذَاهُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ كَإِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْأَمْرَاضِ كَأَيُّوبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ طُرِدَ وَقُوتِلَ كَمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَكِنَّهُمْ صَبَرُوا وَاحْتَسَبُوا وَلَمْ يَتَضَجَّرُوا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: 110] فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ وَهُوَ شَخْصٌ عَادِيٌّ ضَعِيفُ الْإِيمَانِ بَعِيدٌ عَنْ رَبِّهِ، تَتَقَاذَفُهُ الشَّيَاطِينُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونُ: إَنَّ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ: الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ اسْتِشْعَارُ الْمُؤْمِنِ مَا يَنْتَظِرُهُ مِنْ جَزَاءِ صَبْرِهِ عَلَى الْمِحَنِ وَالشَّدَائِدِ، فَتَهُونُ عَلَيْهِ مِحَنُهُ وَشَدَائِدُهُ.
أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ: نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ مِنْ خَطَايَاهُ» وَمَنْ أَرَادَ زَوَالَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ هَمٍّ أَوْ حَزَنٍ فَلْيَعُدْ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْإِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97] وَكَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَقُولُ «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالٌ» وَاللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ فِي التَّيْسِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالسَّعْيُ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَرَفْعُ الْحَاجَةِ عَنْهُمْ، مَمَّا يُزِيلُ الْهَمَّ، وَيُفَرِّجُ الْكَرْبَ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخْيهِ» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ» إِذَا عَلِمْتُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَا سَبَقَ فَإِنَّ أَعْظَمَ الْعِلَاجِ لِزَوَالِ هَمِّ الْمُؤْمِنِ وَحُزْنِهِ هُوَ الُّلجُوءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَسُؤَالُهُ تَفْرِيجَ الْكُرُوبِ، وَكَشْفَ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، فَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ».
وَيَقُولُ أَنَسٌ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمُعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ: الْهَمِّ، وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالُبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: الَّلهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ».
فَالَّلهُمَّ يَا كَاشِفَ الْكُرُوبِ، وَيَا عَلَّامَ الْغُيُوبِ، نَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَدَعَ لَنَا هَمَّاً إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا كَرْباً إِلَّا نَفَّسْتَهُ، الَّلهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَاكْشِفْ كَرْبَنَا.
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْأَحْبَّةُ فِي اللهِ، إِنّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْرِفُ الْيَأْسَ، إِذْ هُوَ وَاثِقٌ بِرَبِّهِ مُؤْمِنٌ بِوَعْدِهِ، فَإِنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِحَنٌ عَلِمَ أَنَّهَا دَلِيلُ حَيَاةٍ وَحَرَكَةٍ، فَإِنْ زَادَتِ الْمِحْنَةُ شِدَّةً كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى انْفِرَاجِهَا بِإِذْنِ اللهِ.
الْمِحْنَةُ وَالْبَلَاءُ لَا تَزِيدُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا قُوَّةً وَصَلَابَةً؛ فَالْحَدِيدُ وَالذَّهَبُ يُبْتَلَى بِالنَّارِ لِيَذْهَبَ خَبَثُهُ وَيَبْقَى طَيِّبُهُ، قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ لاَ تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ بِهَا هَمَّهُ وَغَمَّهُ هُوَ الثِّقَةُ بِمَوْعُودِ اللهِ وَأَنَّهُ مُعِزُّ دِينَهُ وَمُعْلٍ كَلِمَتَهُ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110].
فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَوَاقِفَ لِنَبِيَّيْنِ كَرِيمَيْنِ حَبِيبَيْنِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، رَفَعَ شَأْنَهُمَا بِالْبَلَاءِ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُمَا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، بِالْبَلَاءِ الَّذِي لَا يَزِيدُ الْإِيمَانَ إِلَّا صَلَابَةً وَلَا يَزِيدُ الْيَقِينَ إِلَّا قُوَّةً، الْبَلَاءُ الَّذِي يَجْعَلُ الْمُسْلِمَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَثِقُ بِمَا عِنْدَهُ.
فَالْمُؤْمِنُ وَاثِقٌ بِمَوْعُودِ اللهِ فِي كَشْفِ مَا يُصِيبُهُ فِي ذَاتِهِ أَوْ مَا يُصِيبُهُ فِي وَطَنِهِ، أَوْ مَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ كَامِلَةً، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ مُوقِنٌ بِوَعْدِ اللهِ بِالنَّصْرِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ.
وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الشَّأْنِ كَثِيرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَتَدَبَّرُهَا، وَيَمْلَأُ قَلْبَهُ يَقِيناً بِهَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173].
وَاللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ أَوْلِيَاءَهُ، وَخَاذِلٌ أَعْدَاءَهُ، ثُمِّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْصُرُ مَنْ يَنْصُرُهُ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَخْذُلُهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْكُرُوبَ إِذَا تَنَاهَتْ فَقَدْ آذَنَتْ بِالِانْفِرَاجِ، وَإِنَّ الْعُسْرَ إِذَا اشْتَدَّ فَقَدْ قَرُبَ الْيُسْرُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
وَتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118].
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].