الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ الْحَقَّةَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ هِيَ الْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ، الَّتِي مَنْ أَخَذَ بِهَا غَنِمَ فِي الدُّنْيَا وَرَبِحَ فِي الْآخِرَةِ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ حَقَّ التَّقْوَى.
النَّاسُ فِي الْحَيَاةِ عَلَى مُخْتَلَفِ مَشَارِبِهِمْ يَسْعَوْنَ لِلْحُصُولِ عَلَى الْأَمْنِ لِأَنَّهُمْ بِدُونِ أَمْنٍ لَا يَعِيشُونَ، وَبِدُونِ أَمْنٍ لَا يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ، وَبِدُونِ أَمْنٍ لَا تَسْتَقِيمُ حَيَاتُهُمْ.
وَلِذَلِكَ كَانَ سَعْيُ الْمُخْلِصِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ هُوَ تَحْقِيقُ الْأَمْنِ، قَالَ نَبِيُّنَا إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126] فَطَلَبَ الْأَمْنَ لِيَتَحَقَّقَ لِلنَّاسِ رِزْقُهُمْ، وَدَعَا رَبَّهُ أَيْضاً فَقَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] فَطَلَبَ الْأَمْنَ لِيَتَحَقَّقَ لِلنَّاسِ تَحْقِيقُ دِينِهِمُ الصَّحِيحِ.
وَالْحَيَاةُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ بِدُونِ أَمْنٍ، حَتَّى فِي البُلْدَانِ غَيْرِ الْمُسْلِمَةِ يُفَاخِرُونَ بِالْأَمْنِ عِنْدَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنَّا فِي هِذِهِ الْبِلَادِ (المْمَلْكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ) لَمْ يَسْتَظْهِرُوا قِيمَةِ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ فَلَمْ يَتَجَرَّعُوا مَرَارَةَ فَقْدِهِ، وَلَوْ جَرَّبَ أَحَدُنَا غُرْبَتَهُ عَنْ وَطَنِهِ، أَوْ مَنْعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ لَيْلاً، أَوْ خَوْفَهُ مِنَ السَّفَرِ لِوَحْدِهِ لَعَلِمَ قِيمَةَ الْأَمْنِ، وَلِذَلِكَ النّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِمَا سَتَصِلُ إِلَيْهِ بِلَادُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَمْنِ بِمَا لَمْ يَخْطُرْ فِي بَالِهِمْ وَقْتَ كَلَامِهِ.
عَنْ عَدِيَّ بْنِ حَاتِمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟» قَالَ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: «إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَداً إِلَّا اللهَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ».
قَالَ عَدِيٌّ: قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيْءٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ وَأَكْمَلَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَدِيثَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: «وَلَئْنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى» قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: «كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهُ مِنْهُ».
قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ، أَخْرَجهُ الْبُخَارِيُّ.
إِذَا اتَّضَحَ مَا سَبَقَ فَإِنَّهُ مَا مِنْ نِعْمَةٍ يُنْعِمُ اللهُ بِهَا عَلَى قَوْمٍ إِلَّا وَلَهَا مُقَوِّمَاتٌ لَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا لِتَسْتَقِيمَ لَهُمْ هَذِهِ النِّعْمَةُ وَتَبْقَى.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مُقَوِّمَاتِ هَذَا الْأَمْنِ وَأَسْبَابَهِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِتَوَفُّرِهَا، وَيَزُولُ بِزَوَالِهَا، فَمِنْ أَسْبَابِ تَحْقِيقِ الْأَمْنِ:
أوَّلًا: إِصْلَاحُ الْعَقِيدَةِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ للهِ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَمُلَازَمَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55] فَعَلَّقَ سُبْحَانَهُ حُصُولَ هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ ـ الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَرْضِ وَالتِّمْكِينُ لِلدِّينِ، وَإِبْدَالُ الْخَوْفِ بِالْأَمْنِ ـ عَلَّقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَوَعَدَ بِهِ إِنْ تَحَقَّقَ أَمْرَانِ هُمَا: عِبَادَةُ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَتَرْكُ الْإِشْرَاكِ بِهِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55].
وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَعَثَ اللُه بِهِ رُسُلَهُ كُلَّهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] وَهُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئاً».
فَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ الْأَمْنِ وَاسْتِدَامَتَهُ فَلْيُحَقِّقِ التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ فَالْحَيَاةُ كُلُّهَا مَا قَامَتْ إِلَّا عَلَى التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ الْعِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَمِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَأَسْبَابِ تَحْقِيقِهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ: إِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41] فَرَبَطَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ حُصُولَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ الَّذِي يَتَوَفَّرُ بِهِ الْأَمْنُ لِلْمُسْلِمِينَ رَبَطَهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ ثَانِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالْأَمْنِ فِي الدُّنْيَا، فَهِيَ كَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْأَمْنِ فِي الدَّارِ الْآَخِرَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] أَيْ: لَمْ يَخْلِطُوا عِبَادَتَهُمْ بِشِرْكٍ؛ بَلْ أَخْلَصُوا الدِّينَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَالَ تَعَالَى فِيهُمْ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: 51-52] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] جَعَلَنَا اللهُ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَمِنْ أَسْبَابِ تَحَقُّقِ الْأَمْنِ اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ وَالْحَذَرُ مِنَ التَّفَرُّقِ وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32] وَلِهَذَا حَرَّمَ اللهُ مَعْصِيَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَحَرَّمَ الْخُرُوجَ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَتَفْرِيقَ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرَ بِرَدْعِ مَنْ سَعَى فِي ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ بَايَعَ إِمَاماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْه إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْرِفُوا كَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَمْنُكُمْ، فَارْعَوْهُ فَالْفَلَاحُ بَعْدَهُ لَكُمْ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَأَسْبَابِهِ: شُكْرَ النِّعْمَةِ، وَمِنْ أَسْبَابِ زَوَالِهِ كُفْرُهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
وَإِذَا كَانَ لِتَحْقِيقِ الْأَمْنِ أَسْبَابٌ، فَإِنَّ لِزَوَالِهِ أَسْبَاباً أَيْضاً، يَنْبَغِي الْحَذَرُ وَالْبُعْدُ عَنْهَا، فَمِنْ أَسْبَابِ زَوَالِ الْأَمْنِ وُجُودُ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ، وَمِنْهَا: التَّفْرِيطُ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَمِنْهَا فُشُوُّ الْمُنْكَرَاتِ، وَاخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَتَسَاهُلُ الْآبَاءِ وَالْأَزْوَاجِ فِي حِفْظِ مَنْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ.
وَمِنْهَا: مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].
وَمِنْهَا: الْخُرُوجُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَدَمُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، أَوِ الِاسْتِهَانَةُ بِالْحَاكِمِ.
وَمِنْهَا (وَهُوَ أَعْجَبُهَا): التَّشَرُّفُ لِلْفِتَنِ، فَقَدْ يَسْلَمُ الْإِنْسَانُ فِي بَلَدِهِ وَنَفْسِهِ حَتَّى يُلَبِّسَ نَفْسَهُ مِنَ الْفِتَنِ فِي الْبُلْدَانِ الْأُخْرى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَرَرُهُ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَلَلُ النَّاسِ مِنَ الرَّاحَةِ وَالْأَمْنِ وَسَعْيُهُمْ لِلْإِخْلَالِ بِأَمْنِهْمُ بَأَنْفُسِهِمْ.
فَلَا تَتَعجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ قِصَّةً عَجِيبَةً أَخْشَى أَنْ تَحْكِيَ وَاقِعًا رَأَيْتُمُوهُ مُشَاهَداً، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ سَبَأٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15].
وَكَان مِنْ شِدَّةِ النَّعِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ يُسَافِرُ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةً لَا يَأْخُذُ مَعَهُ شَيْئاً، فَهُوَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَخَيْرَاتٍ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ [سبأ: 18].
لَكِنَّهُمْ مَلُّوا مِنَ النَّعِيمِ، وَتَمَنَّوْا مِنْ رَبِّهِمْ أَنْ يَتْعَبُوا فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْبُلْدَانِ يَقُولُ اللهُ عَنْهُمْ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ: 19] فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ عَجِيبَةٌ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: 19].
فَكَمْ مِنْ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ كَانُوا فِي أَمْنٍ وَعَافِيَةٍ، وَسِعَةِ رِزْقٍ فَمَلُّوا مِنْ ذَلِكَ وَسَعَوْا إِلَى التَّغْيِيرِ، فَكَانَ الْتَغْيِيرُ إِلْى الَأْسْوَأِ، فَنَقُولُ كَمَا َقالَ اللهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: 19].
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].