الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللهِ يَجِدُ فِيهِ الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَقْولِهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى سُورَتَيْنِ بَدَأَهُمَا بِالْأَمْرِ بِالتَّعوُّذِ بِهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ اللَّيْلِ وَالسَّحْرَةِ وَالْحَسَدَةِ، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَالِاسْتِعَاذَةُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللِه وَالِالْتِصَاقِ بِجَنَابِهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُكْثِرُ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ.
فَصَرْفُ الْاسْتِعَاذَةِ لِغَيْرِ اللهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ شِرْكٌ أَكْبَرُـ كَأَنْ يَسْتَعِيذَ الرَّجُلُ عِنْدَ سَكَنِهِ بَيْتًا جَدِيداً ـ بِأَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وَيُلَطِّخَ عَتَبَةَ مَنْزِلِهِ بِدَمِهَا، أَوْ أَنْ يُلَطِّخَ أَسَاسَ بَيْتِهِ أَثْنَاءَ الْبِنَاءِ بِالدَّمِ، اسْتِرْضَاءً لِلْجِنِّ وَتَعَوُّذاً بِهِمْ مِنْ شُرُورِهِمْ.
وَلَا يُسْتَعَاذُ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّنْ اسْتَعَاذَ بْخَلْقِهِ أَنَّ اسْتِعَاذَتَهُ زَادَتْهُ طُغْيَاناً وَرَهَقاً، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6].
يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي تَفْسِيرِهَا: كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فَضْلاً عَلَى الْإِنْسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُوذُونَ بِنَا إِذَا نَزَلُوا وَادِياً، أَوْ مَكَاناً مُوحِشاً مِنَ الْبَرَارِي، كَمَا كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهَا يَعُوذُونَ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنَ الْجَانِّ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِشَيْءٍ يَسُوءُهُمْ.
فَلَمَّا رَأَتِ الْجِنُّ أَنَّ الْإِنْسَ يَعُوذُونَ بِهِمْ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ زَادُوهُمْ خَوْفاً وَإِرْهَاباً وَذُعْراً حَتَّى يَبْقَوْا أَشَدَّ مِنْهُمْ مَخَافَةً وَأَكْثَرَ تَعَوُّذاً، وَيَسْتَعِيذُ الْإِنْسَانُ مِنْ كُلِّ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنَ الشَّرِّ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الشَّرُّ الَّذِي يُصِيبُ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ قِسْمَيْنِ:
إِمَّا ذُنُوبٌ وَقَعَتْ مِنْهُ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ يَقَعُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ إِمَّا مُكَلَّفٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَالْمُكَلَّفُ إِمَّا نَظِيرُهُ وَهُوَ الْإِنْسَانُ، أَوْ لَيْسَ نَظِيرَهُ وَهُوُ الْجِنِّيُّ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِثْلُ الْهَوَامِّ وَذَوَاتَ الْحُمَّى وَنَحْوِهَا، وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُورِ، فَفَي سُورَةِ الْفَلَقِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَهَا شَرٌّ عُمُوماً، وَشَرِّ الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ، أَيْ اللَّيْلُ إِذَا دَخَلَ وَأَقْبَلَ، وَشَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَشَرِّ الْحَاسِدِ إِذَا حَسَدَ.
أَمَّا سُورَةُ النَّاسِ فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي هُوَ سَبَبُ ظُلْمِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ (أَيْ: الشَّرُّ الدَّاخِلِيُّ) وَهُوَ الْوَسْوَسَةُ النَّاجِمَةُ عَنْ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ شَرٌّ دَاخِلٌ تَحْتِ التَّكْلِيفِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ، وَهُوَ شَرُّ الْمَعَائِبِ، أَمَّا الَّذِي فِي سُورَةِ الْفَلَقِ فَهُوَ شَرُّ الْمَصَائِبِ.
وَلِذَلِكَ وَرَدَ الْأَمْرُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنْ يَقْرَأَ الْمُسْلِمُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1].
وَسُورَةَ الْفَلَقِ وَسُورَةَ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَرَّةً يَقْرَأُهَا مَرَّةً بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
إِلَّا أَنَّهُ يَقْرَأُهَا ثَلَاثًا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ أَوِ الْعَصْرِ لِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّكَ إِنْ قَرَأْتَ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ».
وَكَانَ نَبِيُّنَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقْرَأُ هَذِهِ السًّوَرَ الثَّلَاثَ قَبْلَ نَوْمِهِ وَيَنْفُثُ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ الطَّاهِرِ، وَيَفْعَلُ نَحْوَ ذَلِكَ إِذَا مَرِضَ فَيَمْسَحُ مَوْضِعَ مَرَضِهِ.
فَكَأَنَّ الْعَبْدَ بِذَلِكَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ مِنَ الشُّرُورِ كُلِّهَا فِي الْيَوْمِ وَالَّليْلَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَرَّةً.
الِاسْتِعَاذَةُ فِي الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ مِنَ الْجَهْلِ، وَمِنَ الْفُحْشِ، وَمِنَ الظُّلْمِ، وَمِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْكَافِرِينَ، وَمِنَ الرَّجِيمِ.
وَاسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ شَرِّ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَالْفَرْجِ، وَمِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ الَمْحْيَا، وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَرْأَةِ وَالِخَادِمِ، وَشَرِّ الرِّيَاحِ وَمَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَمِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ، وَمِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ الْإِنْسَانُ (مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي).
وَمِنْ سُخْطِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، وَمِنَ الْهَمِّ، وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَثِقَلِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، وَمِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ وَتَحَوُّلِ الْعَافِيَةِ، وَشَرِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وِمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَعَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ.
وَاسْتَعَاذَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَشَرَّ كُلِّ شَيْءٍ اللهُ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، وَشَرِّ مَا خَلَقَ اللهُ، وَاسْتَعَاذَ بِرِضَا اللهِ مِنْ سَخَطِهِ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَبِهِ مِنْهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَاسْتَعَاذَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَمِنْ شَرِّ نَفِسِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ يَقِتَرِفَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ سُوءاً، أَوْ يَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ، وَتَعَوَّذَ مِنَ التَّرِدِّي، وَالْهَدْمَ، وَالْغَرَقِ وَالْحَرِيقِ، وَأَنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنْ يَمُوتَ فِي سَبِيلِ اللهِ مُدْبِراً وَأَنْ يَمُوتَ لَدِيغاً، وَكَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ ، وَكَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَشَدَّ النَّاسِ تَطْبِيقاً لِلِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ عِنْدَ كُلِّ مُوجِبٍ لَهَا، اسْتَعَاذَ لَمَّا رَكِبَ دَابَّتَهُ فِي السَّفِرِ وَاسْتَعَاذَ لَمَّا خَافَ قَوْماً: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» وَكَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسِ، وَاشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَماً».
عَوَّذَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنِ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ».
وَاسْتِعَاذَتُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَثِيرَةٌ، صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ حَدِيثاً، غَيْرُ الضَّعِيفِ الْمُنْجَبِرِ.
فَمَنْ أَرَادَ حِفْظَ اللِه وَكَلَأَتَهُ فَلْيَحْرِصْ عَلَى اللٌّجُوءِ إِلَى اللهِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَلْيَقْتَدِ بِنَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَاسْتَعِيذُوا بِاللهِ، وَاجْعَلُوا اعْتِمَادَكُمْ عَلَيْهِ، وَأَوْكِلُوا أُمُورَكُمْ إِلَيْهِ، يُعِيذُكُمْ وَيَحْمِيكُمْ وَيُنْجِيكُمْ.
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وبعد:
الْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي كُلَّ الْمَوَاطِنِ مَطْلُوبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ إِلَّا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، أَمَّا صِفَتُهَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ فَقَدْ اخْتَارَ الْجُمْهُورُ أَنْ يَقُولَ الْقَارِىءُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
الِاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ عِبَادَةٌ سَهْلَةٌ مَيْسُورَةٌ مُطْلَقَةٌ، غَيُر مُقَيَّدَةٍ بِمَكانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ حَالٍ، فَهِيَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَحَالِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْمَرِضِ وَالصِّحَّةِ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فَهِيَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، وَهِيَ مَعَ الْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ لِيَعِيشَ دَائِماً فِي حَالِ الِالْتِجَاءِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ خَالِقِهِ.
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مُلَازَمَةُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الشَّرِيفَةِ مَحْفُوفَةً بِآدَابِهَا الَّتِي هِيَ آدَابُ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِه، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الِاسْتِعَاذَةُ وَالِاسْتِجَارَةُ وَالِاسْتِغَاثَةُ كُلُّهَا مِنْ نَوعٍ الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ.
الِاسْتِعَاذَةُ لَهَا آدَابٌ، فمِنْ آدَابِهَا أَنْ يَجْزِمَ الْمُسْتَعِيذُ بِمَا اسْتَعَاذَ بِهِ، فَلَيْسَتْ اسْتِعَاذَةً بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، يُعَرِّفُ حَاجَتَهُ إِلَى اللهِ الَّذِي اسْتَعَاذَ بِهِ، وَشَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ، رَوَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ أَنّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذَ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
قَالَ الْمِنَاوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللهِ بَجَمْعِ هِمَّةٍ، وَحُضُورِ قَلْبٍ، وَصَفَاءِ بَاطِنٍ، وَصِحَّةِ تَوَجُّهٍ، فَلَا يَكْفِي إِمْرَارَ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللِّسَانِ.
فَحَقُّ الْمُتَعَوِّذِ بِاللهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَنْ يَصْدُقَ اللهَ فِي الْتِجَائِهِ إِلَيْهِ، وَيَحْضُرَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، وَيَتَوَكَّلَ فِي ذَلِكَ عَلِيْهِ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ وَصَلَ إِلَى مُنْتَهَى طَلَبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذَنْبِهِ.
وَمِنْ آدَابِهَا: تَطْبِيقُهَا فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فَمَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْهُ فَلْيُعِذْهُ، رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» ورُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ.
الِاسْتِعَاذَةُ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ وَاعْتَصَمَ بِهِ أَعَاذَهُ اللهُ، الِاسْتِعَاذَةُ صِمَامُ أَمْنٍ فِي الْحَيَاةِ، وَجُنَّةٌ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ، فِيهَا إِظْهَارُ الضَّعْفِ وَالذِّلَّةِ وَالِانْكِسَارِ للهِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ.
الْاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَأَعْظَمُهَا شَأْناً لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْعَبْدِ فَاقَتَهُ لِرَبِّهِ وَتَضَرُّعَهُ إِلَيْهِ وَالْتِجَاءَهُ إِلَيْهِ، وَاسْتِنْصَارَهُ بِهِ دُونَ سِوَاهُ.
وَالْاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَلَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ، فَقَالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200].
فَبِاللُّجُوءِ إِلَى اللِه تَحْصُلُ لَهُ الْعِصْمَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعَوْنُ وَالْمَدَدُ الرُّوحِيُّ الَّذِي يُحَصِّنُهُ، وَيُنَوِّرُ بَصِيرَتَهُ، فَلَا يَضُرُّهُ عَدُوُّهُ فِي دِينِهِ، أَوْ بَدَنِهِ، أَوْ مَالِهِ، وَلَا يَصُدُّهُ عَنْ فِعْلِ ماَ يَلْزَمُهُ مِنْ حَقِّ رَبِّهِ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْتَثِلَ أَمْرَ اللهِ، وَيَقْتَدِي بِرَسُولِهِ فِي صِدْقِ الْتِجَائِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَاسْتِعَاذَتِهِ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الشُّرُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةُ لَاسِيَّمَا فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ وَالْعُضْوِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ، وَتَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا وَأَشْكَالُهَا.
فقد خَرَجَتْ عَلَيْنَا أَمْرَاضٌ جَدِيدَةٌ مَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي السَّابِقِ وَاجْتَهَدَ النَّاسُ فِي عِلَاجِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْهَا، فَبَذَلُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْقَاِتَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَشْفَيَاتُ قَدْ امْتَلَأَتْ، وَالْأَمْرَاضُ قَدْ انْتَشَرَتْ وَكَثُرَتْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَقَدْ حَصَلَ كُلًّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضُهُ بِسَبَبِ غَفْلَةِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ عَنْ أَسْبَابِ التَّحَصُّنِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ، وَجَهِلُوا مِنْ جَانِبٍ آَخَرَ الطُّرُق الصَّحِيحَةَ لِلْعِلَاجِ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا.
وَكَثُرَتْ أَيْضاً الْفِتَنُ وَالْأَهْوَاءُ وَالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ الله فَتَرَدَّدَ النَّاسُ فِيهَا مَا بَيْنَ حَائِرٍ وَغَائِرٍ وَغَافِلٍ وَلَاهٍ وَمَهْمُوم ٍوَمَغْمُومٍ لَمْ يَلْتَجِئُوا إِلَى اللهِ وَيَسْتَعِيذُوا بِهِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَوَثِّقُوا صِلَتَكُمْ بِاللهِ تَنْجُوا فِي حَالِكُمْ وَمَآلِكُمْ، وَفِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.