مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 17:56:14

الإصلاح بين الناس

الإصلاح بين الناس

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْإِجْحَافِ، دَعَا الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعاً أْنْ يَنْسَوْا مَا بَيْنَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَوَعَدَ عَلَى الْإِصْلَاحِ عَظِيمَ الْأَجْرِ وَالْفَلَاحِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْأحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِهِمْ مَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، سَارَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالصُّلْحِ وَالْإِصْلَاحِ، لَجَأَ إِلَيْهِ الْمُتَخَاصِمُونَ وَلَاذَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَكَانَتِهِ الْمُتَقَاطِعُونَ كِيمَا يُزِيلَ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ لَأْوَاءٍ وَشِقَاقٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا تَعَاقَبَ الْمَسَاءُ وَالصَّبَاحُ وَسَلَّمِ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ مُسَلَّمَاتِ الْأُمُورِ: أَنَّ تَعَلُّقَ النَّاسِ بِغَيْرِ رَبِّهِمْ ضَيَاعٌ لَهُمْ وَزِيَادَةٌ فِي تَفَرُّقِهِمْ فَاتَّقَوْا اللهَ ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ وَرَاقِبُوهُ، وَاسْتَمْسِكُوا بِحَبْلِهِ الْقَوِيمِ وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ يُحَقِّقْ لَكُمْ مَوْعُودَهُ، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الاِخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْخُصُومَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَمْرٌ وَاقِعٌ قَدَّرَهُ اللهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، بِسَبَبِ اخْتِلَافِ طَبَائِعِهِمْ وَتَعَدُّدِ مَشَارِبِهِمْ، وَتَفَاوُتِ عُقُولِهِمْ   وَهُوَ وَاقِعٌ بَيْنَ الْبَشَرِ عَلَى شَتَّى طَبَقَاتِهِمْ وَفِئَاتِهِمْ.

اخْتَلَفَتِ الدُّوَلُ وَالْحُكُومَاتُ وَاخْتَلَفَتِ الْقَبَائِلُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأُسَرُ، وَاخْتَلَفَ أهْلُ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ، وَاخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، بَلْ حَتَّى الْأَطْفَالُ الصِّغَّارُ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنَّ الْمَمْنُوعَ هُنَا هُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الاِخْتِلَافُ وَالتَّنَازُعُ سَبَباً لِلْقَطِيعَةِ وَالضَّغِينَةِ، وَالْبُعْدُ وَالْعَدَاوَةُ وَنَشْرِ الْقَبَائِحِ، وَنِسْيَانِ الْعَهْدِ الْأَوَّلِ.

يُؤَجِّجُ نَارَ الْخِلَافِ وَالتَّنَازُعِ أَسَبَابٌ كَثِيرَةٌ يَقِفُ فِي مُقَدِّمَتِهَا الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ نَزَغَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ، عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمَصَلُّونَ فِي جَزِيرَةَ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»  يَقُولُ أهْلُ الْعِلْمِ: أَيْ فِي إغْرَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَحَمَلِهُمْ عَلَى الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ وَالشَّحْنَاءِ.

وَمِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ تِلْكَ الْمُوبِقَاتُ الَّتِي يَرْتَكِبُهَا النَّاسُ نَتَائِجُهَا مُنْصَبَّةٌ فِي نَشْرِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَالْفُرْقَةِ وَالتَّشَاحُنِ.

فَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْكَذِبُ، وَسُوءُ الظَّنِّ، وَالنَّفْسُ الْأمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وَالشُّحِّ وَإِعْجَابِ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَعَدَمِ إِفْسَاحِ الْمَجَالِ لِسَمَاعِ قَوْلٍ آَخَرَ أَوْ حُجَّةٍ مُقْنِعَةٍ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَتَصْدِيرِ مَنْ لَيْسَ بِأهْلٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنْ أَسْبَابٍ تَحْصُلُ مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، إِلَّا أَنَّ وَاحِداً مِنْهَا كَافٍ لِإِشْعَالِ نَارِ الاِخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْخِلَافِ وَالتَّنَازُعِ.

إِذَا نَشَأَ الْخِلَافُ فِي الْمُجْتَمَعِ دَبَّ فِيهِمْ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَقَطِيعَةٌ مُخِيفَةٌ، فَبَدَأَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَحَبِيبِهِ، وَالْقَرِيبِ وَقَرِيبِهُ، وَالصَّاحِبِ وَصَاحِبُهُ، وَالنَّظِيرِ وَنَظِيرِهُ؛ حَتَّى يَهْجُرَ الْوَلَدُ أَبَاهُ، وَالزَّوْجُ زَوْجَهُ، وَالْأَخُ أَخَاهُ، وَالْجَارُ جَارَهُ وَالشَّرِيكُ شَرِيكَهُ، وَالْجَمَاعَةُ مُجْتَمَعَهُمْ.

وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا دَبَّ الْخِلَافُ، وَاشْتَدَّتِ الْخُصُومَةُ، فَسَدَتِ النِّيَّاتُ، وَتَغَيَّرَتِ الْقُلُوبُ، وَتَدَابَرَتِ الْأَجْسَادُ، وَأَظْلَمَتِ الْوُجُوهُ؛ فَتَقَعُ الْحَالِقَةُ الَّتِي لَا تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ.

حَيْثُ يَسُوءُ ظَنُّ الْمُسْلِمِ بِأَخِيهِ، وَهُوَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: «الظَّنُّ أَكَذَبُ الْحَدِيثُ» وَتَتَفَوَّهُ الْأفْوَاهُ بِفَاحِشِ الْقَوْلِ وَأَلْوَانِ الْبُهْتِ، وَقَدْ تَمْتَدُّ الْجَوَارِحُ إِلَى الضَّرْبِ أَوِ الْقَتْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

وَحَتَّى يَحْتَقِرَ الْمَرْءُ أَخَاهُ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ».

وَيَقَطَعَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ مِنْ حَقِّ الرَّحِمِ وَكُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَيَقَعُ الْمَرْءُ تَحْتَ طَائِلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25].

وَحَتَّى يَتَهَاجَرُ الْمُسْلِمَانِ، وَقَدْ قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».

وَأَخْبَرَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فًهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ، وَحَتَّى يَقَعَ الْحَسَدُ وَالتَّحْرِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» أَوْ قَالَ: «الْعُشْبَ».

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: هَذَا هُوَ الْخِلَافُ وَهَذِهِ أَسْبَابُهُ وَتِلْكَ هِيَ نَتَائِجُهُ، فَلَا غَرْوَ إِذَنْ أَنْ نَجِدَ تَأْكِيدَ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى السَّعْيِ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ بِشَتَّى الطُّرُقِ وَالْوَسَائِلِ.

يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1].

وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

بَلْ حَثَّ عَلى الصُّلْحِ حَتَّى فِي الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 9-10].

وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾        [النساء: 35] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128].

فَالسَّعْيُ فيِ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ جَاءَتِ النُّصُوصُ مُتُضَافِرَةً فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ، بَلْ سَعَى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي تَطْبِيقِهِ وَإِحْلَالِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ.

فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ» أَيْ: تُصْلِحُ بَيْنَهُمَا، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ».

وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ـ رَضِيَ اللُه عَنْهُ ـ : «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى تِجَارَةٍ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «تَسْعَى فِي إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا».

كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَقَد عَلِمَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ بَيْنَ بِنْتِهِ فَاطِمَةَ وَزَوْجِهَا عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ خُصُومَةً أَدَّتْ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ فَسَعَى فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُمَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيّاً فِي الْبَيْتِ؛ فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» قَالَتْ  كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ» فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ».

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَقَدْ يَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَى الْخُرُوجِ مَنْ بَيِتِهِ، وَلَا يُعَابُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ كَرَمُ خُلُقِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ عَلِيٍّ لِيَتَرَضَّاهُ، وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْهُ.

سَعَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَدَايِنِينَ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا؛ حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: «يَا كَعْبُ» فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه،ِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ، فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «قُمْ فَاقْضِهِ».

سَعَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فيِ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْعَوَائِلِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَرَكِبَ حِمَاراً، فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَطْيَبُ رِيحاً مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ  ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِذَلِكَ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ».

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أُنَاساً مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَاءَ بِلالٌ، فَأَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حُبِسَ، وَقَدْ حَضَرَتْ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَقَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأوَّلِ، فَمِنْ حِرْصِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى الْإِصْلَاحِ تَأَخَّرَ عَنْ الصَّلَاةِ .

سَعَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى بِطَرِيقِ الْمَوْعِظَةِ وَذِكْرِ قِصَصِ الْمَاضِينَ فَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ         ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّه ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُول:ُ وَاللَّه لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟» فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا لِي غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ أَنْكِحُوا الْغُلامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا».

حَتَّى إِذَا جَاءَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ اقْتِدَاءً بِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْحِرْصِ عَلَى الْإِصْلَاحِ وَفَضِّ النِّزَاعَاتِ، وَأَطِيلُوا النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَيْفَ يَكُونُ السَّعْيُ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ ، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ   ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لأمِّهَا: أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَداً، فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتْ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لا وَاللَّهِ، لا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَداً، وَلا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ؛ فَإِنَّهَا لا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَا السَّلامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَم ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنْ الْهِجْرَةِ؛ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنْ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِي وَتَقُول:ُ إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا».

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ الِله ـ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الْحَمْدُ للهِ جَعَلَ الْمُسْلِمِينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إَذَا اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِلُ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» الَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ ثَمَرَاتِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ عَظِيمَةٌ، وَعَاقِبَةُ تَرْكِهِ وَخِيمَةٌ، وَلِذَا كَانَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُبَادِرُ إِلَى حَسْمِ النِّزَاعَاتِ بِالْإِصْلَاحِ الْعَادِلِ.

فَأَصْلَحَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَسَوَّى بَيْنَ الْفَرْدَيْنِ حَتَّى اسْتَوْضَعَ لِلدَّائِنِ مِنَ الْمَدِينِ صُلْحاً، وَأَصْلَحَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ، وَسَارَ عَلَى ذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ وَصَحَابَتُهُ وَالتَّابِعُونَ وَكَتَبَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ لِلصُّلْحِ فِي كُتُبِهِمْ.

وَاعْتَنَى بِهِ الْقُضَاةُ وَالدَّارِسُونَ لِشُئُونِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْمُجَاهِدُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَإِنَّ الْقَاضِي النِّاجِحَ لَاُ يْصِدُرُ حُكْمَهُ الْقَضَائِيَّ إِلَّا إِذَا أَعْيَاهُ الصُّلْحُ الْعَادِلُ، وَلِعَظِيمِ فَوَائِدِ الصُّلْحِ رَخَّصَ الشَّارِعُ فِيهِ الْكَذِبَ مِنْ أَجْلِهِ.

عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَهَ ابْنَةَ أَبِي مُعَيْطٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالّتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْراً وَيَقُولُ خَيْراً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً السَّعْيُ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَا أُنَادِي مِنْ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ كُلَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ جَاهاً دُنْيَوِيّاً، أَوْ مَكَانَةً اجْتِمَاعِيَّةً، أَوْ مَنْزِلَةً شَرْعِيَّةً، أَوْ سُلْطَةً تَنْفِيذِيَّةً، أَنْ يَكُونَ أَسْعَى النَّاسِ لِلْإِصْلَاحِ وَأَنْ يُبَادِرَ إِلَى بَابٍ مَفْتُوحٍ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

فَيَا مَنْ يُرِيدُ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ مِنَ اللهِ مَالَكَ لَا تُصْلِحُ بَيْنَ جِيرَانِكَ؟ وَيَا مَنْ يَطْلُبُ الرَّحْمَةَ مِنْ اللهِ مَالَكَ لِمَاذا لَا تُوَفِّقُ بَيْنَ إِخْوَانِكَ؟ وَيَا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَثَوَابِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَهْوَالِهِ، مَا لَكَ لَا تَعْمَلُ عَلَى إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْن الْمُسْلِمِينَ؟

أَيَسْكُتُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْوَجَاهَةِ عَنِ التَّنَازُعَاتِ بَيْنَ الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ حَتَّى تَشْتَدَّ الْخُصُومَةُ؟ أَتُتْرَكُ الْخِلَافَاتِ الْعَائِلِيَّةُ حَتَّى تَكُونَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْقَضَائِيَّةِ؟

إِنَّ مَسْؤُولِيَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوَجَاهَةِ فِي جَلْبِ الْأُلْفَةِ وَدَفْعِ الْفُرْقَةِ مَسْئُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَمَّلُوهَا، وَإِلَّا فَلْيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ ضَيَّعُوا جُزْءاً كَبِيراً مِنَ الْأَمَانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا.

فَكَمْ مِنْ زَوْجَةٍ نَفَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَعُشِّهَا لِأَتْفَهِ الْأَسْبَابِ؟ وَكَمْ مِنْ أَخٍ قَطَعَ رَحِمَهُ مِنْ إِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ؟ وَكَمْ مِنْ جَمَاعَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ شَغَلَتِ الْقُضَاةَ وَالْمَحَاكِمَ وَالدَّوْلَةَ بِأُمُورٍ عَادِيَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ غِيَابُ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ وَالنَّبَاهَةِ عَنْ مَكَانَتِهِمْ، وَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ لِمَسْئُولِيَّاتِهِمْ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ـ وَكُونُوا دُعَاةَ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ، وَمِشْعَلَ هُدًى وَبَصِيرَةٍ، مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، كَانَ اللهُ فِي عَوْنِ طَالِبِ الْخَيْرِ وَمُبْتَغِيهِ وَالسَّاعِي إِلَى الْإِصْلَاحِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.

الَّلهُمَّ أَلْهِمْنَا رُشْدَنَا، وَقِنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا، الَّلهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسَاتِهِ، الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة