مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 17:56:49

الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ.

فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ الْعَظِيمَةِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ الْمَتِينَةِ: الِإِيمَانَ بِكُتُبِ اللهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِ اللهِ الْكِرَامِ، وَأَنَّهَا جَاءَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَفَلاحِ الْعِبَادِ، وَسَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، فَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَرُكْنٌ مَتِينٌ، وَهُوَ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي لَا قِيَامَ لِلدِّينِ إِلَّا عَلَيْهَا.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ .

لِذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَهَا وَيُؤْمِنَ بِهَا: الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ، جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَمَا سَأَلَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَالْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُباً عَلَى رُسُلِهِ     ـ عَليهمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حُجَّةً لَهُمْ، وَهِدَايَةً لِأُمَمِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُم وَنَجَاتُهُم وَفَلَاحُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَالْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ السَّابِقَةِ إِيمَانٌ مُجْمَلٌ؛ يَكُونُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، أَمَّا الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ إِيمَانٌ مُفَصَّلٌ؛ يَكُونُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ بِالْقَلْبِ وَالِّلسَانِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ فِيهِ، وَتَحْكِيمِهِ فِي كُلِّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.

أُنْزِلَتِ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ كُلُّهَا لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَدَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِتَكُونَ مَنْهَجَ حَيَاةٍ لِلْبَشَرِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ تَقُودُهُمْ بِمَا فِيهَا مِنْ هِدَايَةٍ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَلِتَكُونَ رُوحاً وَنُوراً تُحْيِي نُفُوسَهُمْ وَتَكْشِفُ ظُلُمَاتِهَا وَتُنِيرُ لَهُمْ دُرُوبَ الْحَيَاةِ كُلِّهَا.

الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ نُزُولَهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ حَقّاً.

الثَّانِي: الْإِيمَانُ بِمَا سَمَّى اللهُ مِنْ كُتُبِهِ؛ كَالْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَالتَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلِ عَلَى عِيسَى، وَالصُّحُفِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَالزَّبُورِ عَلَى دَاوُدَ ـ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعِينَ ـ.

وَأَمَّا مَا لَمْ يُسَمَّ مِنْهَا فَيَكُونُ الْإِيمَانُ بِهَا إِجْمَالاً، فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ مَعَ كُلِّ رَسُولٍ كِتَاباً، لَكِنْ لَمْ يُسَمَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ غَيْرُ هَؤُلِاءِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِةِ آَنِفاً.

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213] قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : قَوْلُهُ ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ دَلِيلٌ عَلَى نُزُولِ الْكِتَابِ عَلَى جَمِيعِهِمْ.

الثَّالِثُ: مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ: تَصْدِيقُ مَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِهَا؛ كَأَخْبَارِ الْقُرْآنِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ أَنْ تَكُونَ الْكُتبُ السَّابِقَةُ لِآجَالٍ مَعَيَّنَةٍ وَلِأَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَوُكِلَ حِفْظُهَا إِلَى الّذِينَ اسْتُحْفِظُوا عَلَيْهَا مِنَ الْبَشَرِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44].

أَمَّا الْقُرْآَنُ الْكَرِيمُ فَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ لِكُلِّ الْأَجْيَالِ مِنَ الْأُمَمِ فِي كُلِّ الْأَوْطَانِ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ، وَتَوَلَّى حِفْظَهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ وَظِيفَةَ هَذَا الْكِتَابِ لَا تَنتَهِي إِلَّا بِنِهَايَةِ حَيَاةِ الْبَشَرِ عَلَى الْأَرْضِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَدْ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ، فَلَمْ تَعُدْ فِي صُورَتِهَا الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى فَحَرَّفَ الْيَهُودُ التَّوْرَاةَ وَبَدَّلُوهَا وَغَيَّرُوهَا، وَتَلَاعَبُوا بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، قَالَ تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46].

كَمَا حَرَّفَ النَّصَارَى الْإِنْجِيلَ، وَبَدَّلُوا أَحْكَامَهُ، قَالَ تَعَالَى عَنِ النَّصَارَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78] فَلَيْسَتِ التَّوْرَاةُ الْمَوْجُودَةُ الْآَنَ هِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ وَلَا الْإِنْجِيلُ الْمَوْجُودُ الْآَنَ هُوَ الْإِنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ، إِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ الَّتِي فِي أَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ تَشْتَمِلُ عَلَى عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ وَأَخْبَارٍ بَاطِلَةٍ، وَحِكَايَاتٍ كَاذِبَةٍ، فَلَا نُصَدِّقُ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ إِلَّا مَا صَدَّقَهُ الْقُرْآَنُ الْكَرِيمُ أَوِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَنُكَذِّبُ مَا كَذَّبَهُ الْقُرْآَنُ وَالسُّنَّةُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْرَأَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَعَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ كِتَاباً حَسَناً مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: فَغَضِبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».

إِلَّا مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ مِمَّا مَا لَمْ يَرِدْ تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ     ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ فَضَّلَ هَذِهِ الأمَّةَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ كَمَا فَضَّلَ نَبِيَّهَا وَفَضَّلَ كِتَابَهَا عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ، وَإِنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ أَنْ وَالَى عَلَى الْأُمَمِ إِرْسَالَ الرُّسُلِ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ، وَكُلُّ كِتَابٍ يَنْزِلُ عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ فَصَلَاحُ تِلْكَ الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِيمَانِهِمْ بِذَلِكَ الْكِتَابِ لِتَعلُّقِ الْخِطَابِ بِهِمْ، إِلَى أَنْ خُتِمَتْ الْكُتُبُ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، خَاتَمِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَمَا أَنَّ مُحَمَّداً ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَلَا كِتَابَ بَعْدَ كِتَابِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلِهَذَا يُعَدُّ الْقُرْآنُ نَاسِخاً لِجَمِيعِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، فَبَعْدَ نُزُولِهِ لَا إِيمَانَ وَلَا عَمَلَ وَلَا حُكْمَ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

وَلِهَذَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ لَمَّا ذَكَرَ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ بَعْض الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَمْرُهُ بِالْحُكْمِ بِهَا ـ أَيْ: مَنْ كَانَ مُخَاطَباً بِتِلْكَ الْكُتُبِ ـ أَعْقَبَ ذَلِكَ ـ جَلَّ فِي عُلَاهُ ـ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48].

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أَيْ: مُشْتَمِلاً عَلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ السَّابِقَةِ وَزِيَادَةً فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقِ النَّفْسِيَّةِ فَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يَتَّبِعُ كُلَّ حَقٍّ جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ، فَأَمْرَ بِهِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهِ.

وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ نَبَأُ السَّابِقِينَ وَالَّلاحِقِينَ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ الْحُكْمُ وَالْحِكْمَةُ، وَالْأَحْكَامُ الَّذِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ السَّابِقَةُ، فَمَا شَهِدَ لَهُ بِالصِّدْقِ فَهُوَ الْمَقْبُولُ، وَمَا شَهِدَ لَهُ بِالرَّدِّ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَدْ دَخَلَهُ التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَمْ يُخَالِفْهُ.

فَالْقُرْآنْ الْكَرِيمُ هُوَ رِسَالَةُ اللهِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَقَدْ تَكَفَّلَ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِهِ  ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ أَحَدٍ دِيناً إِلَّا مَا جَاءَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْتَصِمُوا بِكِتَابِهِ وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيَّه تَفُوزُوا وَتُفْلِحُوا أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ وَبَعْدُ:

فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ زَيْنٌ لِلْعَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، فَتَزَيَّنُوا بِالتَّقْوَى يَرْزُقْكُمْ اللهُ بِهَا جَمَالاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ آثَاراً مُتَعَدِّدَةً؛ مِنْهَا:

الْعِلْمُ بِعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ، وَكَمَالِ رَحْمَتِهِ، حَيْثُ أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِيهَا الْبَيِّنَاتُ وَالْهُدَى إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْبَشَرِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

ومِنْ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ بِهَذِهِ الْكُتُبِ، وَتَعْظِيمُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْهَا وَالْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

ومْنْ ذَلِكَ: مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي شَرْعِهِ، حَيْثُ شَرَعَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ وَيُلَائِمُ أَشْخَاصَهُمْ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48].

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ: شُكْرُ نِعْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ إِنْزَالَ هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَى الْعِبَادِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّهُ كَمَا ضَلَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تِجَاهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَقَدْ ظَهَرَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ طَوَائِفُ ـ لَا تَزَالُ إِلَى الْيَوْمِ ـ ضَلُّوا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ:

فَالرَّافِضَةُ ادَّعَوْا أّنَّ الْقُرْآنَ نَاقِصٌ وَمُحَرَّفٌ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْكَامِلَ مَعَ الْغَائِبِ الَّذِي سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ سِرْدَابِ سَامِرَّاءَ. . !

وَالْبَابِيَّةُ وَالْبَهَائِيَّةُ وَالْقَادْيَانِيَّةُ ادَّعَوْا نَسْخَ الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ وَالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَنَّ اللهَ بَعَثَ نَبِيًّا يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ مِيرْزَا الْقَادْيَانِيُّ وَأَنْزَلَ مَعَهُ كِتَاباً يُتْلَى.

وَإِنْ تَعْجَبُوا فَإِنْ بَعْضاً مِنَ الشَّبَابِ قَدِ اغْتَرُّوا بِهَذَا الْفِكْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ لِمُنَاصَحَتِهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ قُلُوبُ الْعِبَادِ.

وَالتِّيجَانِيَّةُ وَالصًّوفِيَّةُ ادَّعَوْا تَفْضِيلَ أَوْرَادِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ كَصَلَاةِ الْفَاتِحِ عَلَى الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ حَيْثُ قاَلُوا: إِنَّ قِرَاءَةَ صَلَاةِ الْفَاتِحِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سِتَّةَ آَلَافِ مَرَّةٍ، وَغَيْرُهُمْ طَوَائِفُ أُخْرَى لَا زَالَتْ تَظْهَرُ بَيْنَ فَتْرَةٍ وَأُخْرَى نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ مِنَ الزَّيْغِ وَالِانْحِرَافِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَقِّقُوا الْإِيمَانَ بِهِ، بِالْإِيمَانِ بِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].

ثُمَّ الْتَزِمُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَهُوَ أَقْوَمُ هَدْيٍ وَأَسْلَمُ نَهْجٍ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة