الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
يَعِيشُ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تُرَاوِدُهُ مُنًى، وَتَتَخَطَّفُهُ رَغَبَاتٌ، وَالْمُؤْمِنُ الْمُوَفَّقُ مَنْ كَانَتْ رَغْبَتُهُ دَائِماً مَرْضَاةَ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ، لَكِنَّ اللهَ قَضَى بِأَنَّ الْمَرْءَ مَجْبُولٌ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مِنْ مُتَعِ الدُّنْيَا مَا تَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، فَمِنْ مُتَمَنٍّ كَثْرَةَ مَالٍ، وَآخَرَ يَرْجُو كَثْرَةَ الْوَلَدِ، وَثَالِثٍ يَبْحَثُ عَنْ الِاسْتِقْرَارِ: إِمَّا فِي بَيْتٍ يُؤْوِيهُ أَوْ زَوْجَةٍ يَأْوِي إِلَيْهَا، أَوْ وَظِيفَةٍ يَسْتَقِرُّ فِيهَا.
وَلَيْسَ عَيْباً ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَرْءُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ جَلَسَ فِي دَارٍ مِنْ دُورِ الْمَدِينَةِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: تَمَنَّوْا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَباً وَفِضَّةً أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَالَ آخَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُؤَةٌ لُؤْلُؤاً وَزَبَرْجَد وَجَوَاهِرَ فَأُنْفِقُهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَتَصَدَّقُ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي مَا نُقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَأَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الله! هَكَذَا كَانَ عُمَرُ يَتَمَنَّى؛ لِأَنَّ أُمْنِيَتَهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَصَالِحُ كَثِيرَة.
فَلْيَتَمَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي نَفْسِهِ شَيْئاً ثُمَّ لْيَنْظُرْ، هَلْ مَا تَمَنَّاهُ كَافٍ فِي تَحْقِيقِ مُرَادِهِ، أَمْ أَنَّهُ إِذَا حَصَّلَ مُنْيَتَهُ سَيَتَمَنَّى غَيْرَهَا.
الْمُنَى ـ عِبَادَ اللهِ ـ كَثِيرَةٌ، وَالنَّاسُ فِيهَا أَوْزَاعٌ شَتَّى، لَكِنْ أَتَدْرُونَ مَا الْمُنْيَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّاهَا الْمُؤْمِنُ، إِذْ هِيَ الْجَدِيرَةُ بِأَنْ تَنْفَعَهُ فِي كُلِّ مُنَاهُ الْأُخْرَى، إِنَّهَا الْبَرَكَةُ، الْبَرَكَةُ الَّتِي مَتَى مَا تَحَقَّقَتْ لِلْعَبْدِ رُزِقَ خَيْرًا كَثِيراً.
فَالْمَالُ لَا يَجِدُ مِنْهُ نَفْعاً إِذَا حُرِمَ بَرَكَتَهُ، وَالْعُمْرُ لَا خَيْرَ فِيهِ إِنْ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَالزَّوْجُ وَالْوَلَدُ وَالْوَظِيفَةُ كُلُّهُمْ عِبْءٌ عَلَى صَاحِبِهِمْ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ اللهُ لِمَنْ رُزِقَهَا بَرَكَةً فِيمَا أَعْطَاهُ.
إِنَّ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَحْدُودَةٌ وَمَعْدُودَةٌ؛ وَمَهْمَا بَلَغَ مْنْ حِرْصٍ وَجَهْدٍ لِكَسْبِ الْحَسَنَاتِ وَالتَّسَابُقِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَالْعَمَلِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَزَالُ عُمْرُهُ قَصِيراً، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» وَإْذَا كَانَ عُمْرُ الْإِنْسَانِ بِهَذَا الْحَدِّ وَبِهَذَا الْحَالِ فَلَا بُدَّ منْ بَذْلِ الْجَهْدِ الَّذِي يُمَكِّنُنَا مِنْ حُصُولِ الْبَرَكَةِ فِي أَعْمَالِنَا وَأَوْقَاتِنَا، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الْمَنُوطَةُ بِالْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ؛ وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِيمَا يَبْتَغِيهُ الْعَبْدُ مِنْ مُتَعِ الدُّنْيَا الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ لَهْ.
عَرَّفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَرَكَةَ بِأَنَّهَا الزِّيَادَةُ فِي الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ وَكُلِّ مَا يَحْتَاجُهُ الْعَبْدُ فِي دِينِه وَدُنْيَاهُ بِسَبَبِ ذَاتٍ مبَارَكَةٍ أَوْ زَمَانٍ مُبَارَكٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ أَنْ تَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيْرُكَ في الزَّمَنِ الْكَثِيرِ، لَكْنْ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنْ تَجِدَ اللَّذَّةَ وَالثَّمْرَةْ فِيمَا تَقُومُ بِهِ مِنْ عَمَلٍ.
الْبَرَكَةُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، يَقُولُ اللهُ عَنْ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: 48] وَيَقُولُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ وَأَهْلِهِ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ [هود: 73] وَيَقُولُ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [مريم: 31].
لَكِنَّ الْبَرَكَةَ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا الْعَبْدُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي بَشَرٍ أًوْ حَجَرٍ، الْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآَيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفاً، وَكُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي سَفَرٍ فقَلَّ الْمَاءُ.
فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاٍء فَجَاؤُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
وَمَا ذَكَرَ اللهُ مِنَ الْبَرَكَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الذَّوَاتِ، أَوْ الْأَمَاكِنِ وَغَيْرِهَا فَهِيَ مِنْ فَضْلِ اللهِ اخْتَصَّهَا اللهُ بِبَعْضِ مَنْ شَاءَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا فَالْقُرْآَنُ مُبَارَكٌ، وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ مُبَارَكَتَانِ، وَزَمْزَمُ مَاءٌ مُبَارَكٌ وَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ مُبَارَكَةٌ.
وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَصَفَهَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَنَّهَا مُبَارَكَةٌ، لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبَباً فِي إِعْتَاقِ قَوْمِهَا بِسَبَبِ زَوَاجِهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَبَى الصَّحَابَةُ أَنْ يَكُونَ أَخْوَالُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَرِقَّاءَ.
وَجَعَلَ اللهُ الْبَرَكَةَ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ كَـ: رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا الْيَوْمِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، وَالثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ؛ بَلْ جَعَلَ اللهُ الْبَرَكَةَ فِي بَعْضِ الْأَطْعِمَةِ، كَـ: الزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ، وَالْعَسَلِ، وَعَجْوَةِ الْمَدِينَةِ؛ بَلْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ الْبَرَكَةَ، فَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، وَالْبَرَكَةُ فِي الْغَنَمِ، وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْ النَّخْلَةِ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا خَصَّهُ اللهُ بِالْبَرَكَةِ.
فَلِذَلِكَ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُتَبَرَّكُ بِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا إِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ وَلَيْسَ هُوَ الْبَرَكَةُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَوْلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ الْعَبْدِ الْحِرْصُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْبَرَكَةَ فِي مَظَانَّهَا الَّتِي رَبَطَهَا اللهُ بِهَا، أَوَّلُهَا وَأَوْلَاهَا هِيَ تَقْوَى اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96].
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى تَجِدُوا بَرَكَةً فِي أَعْمَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَفِي كُلِّ شُؤُونِكُمْ، فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ مِنْ بَرَكَاتِ التَّقْوَى فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4] قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَيْ يُسَهِّلَ علَيْهِ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ.
وَمِنْ مُوجِبَاتِ الْبَرَكَةِ الْإِكْثَارُ مِنِ الِاسْتِغْفَارِ، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3] ثُمَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِلْبَرَكَةِ، فَالصَّلَاةُ قَالَ اللهُ سُبْحَانه عَنْهَا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] قَالَ وَهْبُ: كَانَتْ الْكُرَبُ الْعِظَامُ تُكْشَفَ عَنْ الْأَوَّلِين بالصَّلَاةِ.
وَصِلَةُ الرَّحِمُ مِنْ أَعْظَمْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي تُكْسَبُهُمْ بَرَكَةً فْي أَعْمَالِهِمْ وَأَعْمَارِهِمْ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَى النَّسَأِ فِي الْأَثَرَ: الْبَرَكَةُ فِي عُمْرِهِ، وَالتَّوْفِيقُ لِلطَّاعَاتِ وَعِمَارَةُ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآَخِرَةِ، وَصِيَانَتَهَا عَنْ الضَّيَاعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: مَنْ اتَّقَى رَبَّهُ، وَوَصَلَ رَحِمَهُ أنْسِئَ لَهُ فِي عُمْرِهِ ـ يَعْنِي: يُزَادُ لَهُ فِي عُمْرِهِ ـ وَيَنْمُو مَالُهُ ـ يَعْنِي: يَكْثُرُ وَيُحِبُّهُ أَهْلُهُ، وَعَنْ صَخْرِ بْنِ وَادِعَةَ الْغَامِدِيُّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لْأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».
وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةَ أَوْ جَيْشاً بَعَثَهُمْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِراً، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ، وَكَانَ مْنْ دُعَائِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْقُنُوتِ: وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَكَانَ يَدْعُو بِالْبَرَكَةِ عِنْدَ الطَّعَامِ، وَيَطْلُبُهَا فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا جِيءَ بِمَوْلُودٍ حَنَّكَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ.
تِلْكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بَعْضٌ مِنْ أَخْبَارِ ذَلِكُمُ الْمًطْلَبِ الْعَزِيزِ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَنْفَسِ مَا يُطْلَبُ: الْبَرَكَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى يُبَارِكْ لَكُمْ عُمْراً وَعَمَلاً.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرُ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنِ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ـ وَهُوَ الْقَتْلُ ـ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ».
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ».
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْمَالَ يَكْثُرُ وَيَفِيضُ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِدُونَ بَرَكَتَهُ، قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: يُحْمَل ذَلِكَ عَلَى قِلَّةِ بَرَكَةِ الزَّمَانِ، وَذَهَابِ فَائِدَتِهِ فِي كُلَّ مَكَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ وَشَغْلِ قَلْبِهِمْ بِالْفِتَنِ الْعِظَامِ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ تَنْقَضِي أَيَّامُهُمْ وَلَيَالِيهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَالَّذِي تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِنَّا نَجِدُ مِنْ سُرْعَةِ مَرِّ الْأَيَّامِ مَا لَمْ نَكُنْ نَجِدُهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي قَبْلَ عَصْرِنَا هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَيْشٌ مُسْتَلَذٌّ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ نَزْعُ الْبَرَكَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى مِنَ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَقَارِبِ الزَّمَانِ: لَهُ مُدَّةٌ مُنْذُ ظَهَرَ، يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ الدِّينِيِّ، وَمَنْ لَهُ فِطْنَةٌ مِنْ أَهْلِ السَّبَبِ الدُّنْيَوِيِّ فَإِنَّهُمْ يَجْدُونَ أَنْفُسَهُمْ، لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الْعَمَلِ قَدْرَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَشْكُونَ ذَلِكَ وَلَا يَدْرُونَ الْعِلَّةَ فِيهِ.
وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، لِظُهُورِ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ. انْتَهَى.
هَذَا وَمِثْلُهُ مِمَّا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي شَرْحِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا، يُبَيِّنُ ذَهَابَ بَرَكَةِ الْوَقْتِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لِلسَّلَفِ مِنَ الْبَرَكَةِ فِي الْوَقْتِ، مَا لَا يَحْصُلُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالْآَثَامِ، أَلَمْ يَقُلْ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَثَلًا عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يتَفَرَّقَا؛ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَ، وَإِنْ كَذبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا فَقَدَ الْبَرَكَةَ فِي وَقْتِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ وَفِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نَفْسِهِ.
فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] وقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53].
يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ وَمَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أَنَّ جَمِيعَ الْفَسَادِ فِي جَوِّهِ، وَنَبَاتِهِ، وَحَيَوَانِه،ِ وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ: حَادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ، وَلَمْ تَزَلْ أَعْمَالُ بَنِي آَدَمَ وَمُخَالَفَتُهُمْ للرُّسُلِ تُحْدِثُ لَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، مَا يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآَلَامِ وَالْأَمْرَاضِ، والْأَسْقَامِ وَالطَّوَاعِينَ وَالْقُحُوطِ وَالْجُدُوبِ، وَسَلْبِ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَنَبَاتِهَا، وَسَلْبِ منَافِعِهَا أَوْ نُقْصَانِهَا أُمُوراً مُتَتَابِعَةً يَتْلُو بَعْضَهَا بَعْضاً.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَإِنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُبَارَكَةِ الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَدْ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللُه عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً» اللَّهُمًّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ.