مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 18:21:52

التطاول في البنيان

التطاول في البنيان

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الزَّيْنُ فِي الدُّنْيَا وَالرِّفْعَةُ فِي الْآخِرَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ لِيَتَدَبَّرَ النَّاسُ مَا فِيهِ مِنْ آيَاتٍ وَعِظَاتٍ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29] آيَةٌ كَرِيمَةٌ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، اسْتَوْقَفَتْنِي كَثِيراً، فِيهَا عِبْرَةٌ، وَنَقْدٌ، وَتَوْجِيهٌ:

إِنَّهَا افْتِتَاحُ الِانْتِقَادَاتِ الَّتِي وَجَّهَهَا هُودٌ ـ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ إِلَى قَوْمِهِ: عَادٍ، بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 128-130].

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قِوْلِهِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ يَعْنِي: قُصُوراً مُشَيَّدَةً وَحُصُوناً وَبُيُوتاً مُخَلَّدَةً، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالِى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ أَيْ: مَآخِذَ لِلْمَاءِ.

قَالَ: وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ: تَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ كَأَنَّكُمْ تُخَلَّدُونَ، وَقَالَ البَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْنُونَ الْمَوَاضِعَ الْمُرْتَفِعَةَ لِيُشْرِفُوا عَلَى الْمَارَّةِ وَالسَّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنْهُمْ وَيَعْبَثُوا بِهِمْ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ هُوداً ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ يَنْتَقِدُ عَلَى قَوْمِهِ عَبَثَهُمْ بِالْبُنْيَانِ، وَالْعَبَثُ بِالْبُنْيَانِ: تَشْيِيدُهُ لِمُجَرَّدِ التَّبَاهِي بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قُدْرَةً جِسْمِيَّةً فِي بِنَائِهِ، وَعَقْلِيَّةً فِي تَصْمِيمِهِ وَهَنْدَسَتِهِ، وَمَالِيَّةً فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِنَاءٌ لِغَيْرِ نَفْعٍ، وَفِي ذَلِكَ تَوْجِيهٌ إِلَى أَنَّ الْجُهْدَ وَالْبَرَاعَةَ وَإِنْفَاقَ الْمَالِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْبِنَاءِ الضَّرُورِيِّ الْمُثْمِرِ خَيْرَ الدِّينِ، وَسَدَادَ الدُّنْيَا.

إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَمَّا خَتَمَ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءَ قَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111] وَذَكَرَ فِي آخِرِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].

وَلِذَلِكَ فَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَهُوَ مُوَجَّهٌ إِلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ أَشْبَهَ فِعَالاً بِعَادٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمِّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: 128] فَقَدْ وَاللهِ فَعَلُوا.

كَمَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ـ أَيْضاً ـ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ   أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لَمَّا رَأَى مَا أَحْدَثَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَوْطَةِ مِنَ الْبُنْيَانَ، وَنَصْبِ الشَّجَرِ، قَامَ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ، أَلَا تَسْتَحْيُونَ، تَجْمَعُونَ مَالَا تَأْكُلُونَ، وَتَبْنُونَ مَالَا تَسْكُنُونَ، وَتُؤَمِّلُونَ مَالَا تُدْرِكُونَ، قَدْ كَانَتْ قَبْلَكُمْ قُرُونٌ يَجْمَعُونَ فَيُوعُونَ، وَيَبْنُونَ فَيُوَثِّقُونَ، وَيَأْمَلُونَ فَيُطِيلُونَ، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُوراً، وَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُوراً، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُوراً، أَلَا إِنَّ عَاداً مَلَكَتْ مَا بَيْنَ عَدَنٍ وَعُمَانَ خيْلاً وَرِكَاباً، مَنْ يَشْتَرِي مِنَّي مِيرَاثَ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟

وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ بَعْدَ قِصَّةِ عَادٍ: أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلزَّمَانِ وَإِتْعَابٌ لِلْأَبْدَانِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُجْدِي فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ غِنًى عَنْ التَّوَسُّعِ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَا نُعَايِشُهُ هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الْبِنَاءِ لِلتَّبَاهِي لَا لِلسَّكَنِ، ابْتِدَاءً مْنْ شِرَاءِ الْأَرْضِ فَأُجْرَةِ الْمُهَنْدِسِ، فَالنَّارِ الْمُحْرِقَةِ لِلْمَالِ «الْبِنَاءِ» فَالْأَثاثِ الْمُكَمِّلِ «لِلدِّيكُورِ».

إِنَّنَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ  حِينَمَا نَتَكَلَّمُ عَنْ ذَلِكَ لَا نُنْكِرُ أَنْ يَبْنِيَ الْعَبْدُ بَيْتاً يَسْكُنُ فِيهِ، أَوْ نُطَالِبُ النَّاسَ أَنْ يَعِيشُوا فِي الْعَرَاءِ، إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ نَمْنَعَ مَا مَنَعَهُ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي قَضِيَّةِ الْبِنَاءِ.

أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ امْرِئٍ تَحْصِيلُ مَسْكَنٍ لَهُ، وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَمَنْ حَصَّلَ مَسْكَناً لَهُ وَلِأَهْلِهِ بِبِنَاءِ بَيْتٍ، أَوْ اكْتِرَائِهِ، فَقَدْ سَلِمَ مِنَ الْإِثْمِ.

كَمَا رَغَّبَ الْإِسْلَامُ فِي سِعَةِ الْبُيُوتِ بِكِبَرِ مِسَاحَتِهَا، حَيْثُ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ       ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ مْنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْمَسْكَنَ الْواسِعَ، وَأَنَّ الْمَسْكَنَ الضَّيِّقَ مِنَ الشَّقَاءِ.

وَلِلْإِسْلَامِ مَوْقِفٌ وَاضِحٌ مِنَ الْمَسَاكِنِ الَّتِي شُيِّدَتْ عَلَى أَسَاسِ التَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ بَنَى بَيْتاً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، أَوْ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ أَجْرٌ، لِمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ: «إِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا، إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي التُّرَابِ».

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعاً إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ قَوْلِهِ، وَمَعْنَى «فِي التُّرَابِ» أَيْ: الْبُنْيَانُ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِهِ وَجْهَ اللهِ، وَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبِنَاءَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ، وَزَوَالِ الدُّنْيَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ           ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى» فَذَكَرَ أُمُوراً كَثِيرَةً ثُمَّ قَالَ: «وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ».

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضاً فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَبْنِيَ النَّاسُ بُيُوتاً يُوَشُّونَهَا وَشْيَ الْمَرَاحِيلِ» وَمَعْنَى «يُوَشُّونَهَا» يَنْقُشُونَهَا وَيَصْبُغُونَهَا بِأَنْوَاعِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا تُنْقَشُ الثِّيَابُ وَالْفُرُشُ، وَمَعْنَى: «الْمَرَاحِيلِ» الثِّيَابُ الْمَنْقُوشَةُ بِنُقُوشٍ تُشْبِهُ رِحَالَ الْإِبِلِ.

وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ عَنْ حَالِ الَّذِينَ يَبْنُونَ لِلْمُبَاهَاةِ بِمَا يَرْدَعُ غُرُورَهُمْ وَتَعَاظُمَهُمْ، فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَخْبَرَ عَنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ فَقَالَ: «وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ».

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ" وَالْمُرَادُ: أَنَّ أَسَافِلَ النَّاسِ يَصِيرُونَ رُؤَسَاءَهُمْ، وَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ، حَتَّى يَتَبَاهَوْنَ بِطُولِ الْبُنْيَانِ وَزَخْرَفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ.

وَقَالَ أَيْضاً: وَفِي قَوْلِهِ: «يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ التَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرِ خُصُوصاً بِالتَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ، وَلَمْ يَكُنْ إِطَالَةُ الْبِنَاءِ مَعْرُوفاً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَصْحَابِهِ؛ بَلْ كَانَ بُنْيَانُهُمْ قَصِيراً بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَمَعْنَى التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ أَنَّ كُلًّا مِمَّنْ كَانَ يَبْنِي بَيْتاً يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُهُ أَعْلَى مِنْ ارْتِفَاعِ الْآَخَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُبَاهَاةُ بِهِ فِي الزِّينَةِ وَالزَّخْرَفَةِ أَوْ أَعَمًّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وُجِدَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي ازْدِيَادٍ.

الحمد لله وحده أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى هِيَ عُمْرَانُ الْقَلْبِ وَبِهَا صَلَاحُهُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَابْنُوا لَكُمْ بُيُوتاً فِي الْآخِرَةِ تَعْلُونَ بِهَا عَلَى غَيْرِكُمْ بِقُرْبَةٍ تَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللهِ، مَبْنِيَّةٍ عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ وَتَقْوًى.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ النَّاسَ مَتَى مَا فَعَلُوا أُمُوراً لَا يَحْسَبُونَ لَهَا حِسَاباً فَإِنَّهُمْ يَزْرَعُونَ شَوْكاً يَجْنِيهُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمَّا تَزَاوَدَ أَصْحَابُ الْعَقَارِ فِيمَا يَمْلِكُونَ صَارَ أَكْثَرُ شَبَابِكُم لَا مَالَ عِنْدَهُمْ يَكْفِي لِيَبْنُوا بَيْتًا يُؤْوِيهُمْ.

وَلَمَّا بَنَيْنَا بُيُوتاً كَبِيرَةً تَفُوقُ حَاجَتَنَا، صِرْنَا نَزْرَعُ فَي نُفُوسِ أَبْنَائِنَا تَقْلِيدَنَا حَتَّى صَارَ بَعْضُهُمْ يَسْتَحِي أَنْ يَرِدَ النَّاسُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ شُقَّتِهَ، مَخَافَةَ أَنْ يُعَابَ عَلَيْهِ صِغَرُهُ، مَعَ أَنَّهُ بَيْتٌ قَدْ آَوَاهُ وَأَغْنَاهُ اللهُ بِهِ عَنِ النَّاسِ.

إِنَّ مِنَ الْهَيِّنِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَكِلَ الْخَلَلَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ إِلَى َغْيرِهِ مِنْ أَنْظِمَةٍ أَوْ مَسْؤُولِينَ، وَأَصْعَبُ مَا يَكُونُ أَنْ يَعُودَ عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّوْمِ، أَلَيْسَ غَالِبَ مَنْ بَنَوْا بُيُوتاً كَبِيرَةً مَصَّتْ دَمَ قُلُوبِهِمْ، عَادَتْ خَالِيَةً لَيْسَ فِيهَا إِلَّا شَيْخٌ وَشَيْخَةٌ؟

إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَاسْمَعُوا هَذِهِ الصِّفَاتِ الْعَجِيبَةَ: قَالَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ: رَأَيْتُ حُجُرَاتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ـ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ مُغَشَّاةً مِنْ خَارِجٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ،   وَأَظُنُّ عَرْضَ الْبَيْتِ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ نَحْواً مِنْ سِتِّ أَوْ سَبْعِ أَذْرُعٍ وَأَحْزَرُ الْبَيْتَ مِنَ الدَّاخِلِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَأَظُنُّ سُمْكَهُ بيْنَ الثَّمَانِ وَالسَّبْعِ نَحْوَ ذَلِكَ،  رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ"، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النِّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَأَتَنَاوَلُ سَقْفَهَا بِيَدِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ"، هَكَذَا كَانَ بَيْتُهُ.

أَمَّا أَثَاثُهُ وَفِرَاشُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَبَيْتُهُ لَمْ يَكُنْ مَلِيئاً بِالْفِرَاشِ وَالْأَثَاثِ، وَلَمْ تكُنْ لَهُ غُرَفُ نَوْمٍ وَمَجَالِسَ كَمَا هِيَ حَالُ بُيُوتِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ.

فَهُوَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمْ يَكُنْ يَجِدُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، قَالَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهَا ـ تَصِفُ فِرَاشَهُ وَأَثَاثَ بَيْتِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ: «إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً حَشْوُهُ لِيفٌ» وَدَخَلَ عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمّ ـ وَوَجَدَهُ عَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرُطاً مَضْبُوراً، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، وَرَأَى أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللِه؟ فَقَالَ: «أَمَا ترْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟».

تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: كَانَ لَنَا حَصَيرٌ نَبْسُطُهَا بِالنَّهَارِ، وَنَحْتَجِرُهَا عَلَيْنَا بِاللَّيْلِ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللهِ            ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا آذَنْتَنَا فَنَبْسُطَ تَحْتَكَ ألْيَنَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «مَالِي وَللِدُّنْيَا؟ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا».

هَكَذَا كَانَ فِي الدُّنْيَا، وَهَكَذَا تَرَكَنَا، وَمَا ضَرَّهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً، بَلْ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرَهُ أَوْ سَمِعَ اسْمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة