الْحَمْدُ للهِ رَبِ الْعَالَمِينَ مَا جَعَلَ عَلَى النَّاسِ مِنْ حَرَجٍ فِي دِينِهِمْ ، لَا يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، أَسْبَلَ عَلَيْنَا النِّعَمَ وَأَعْطَانَا مِنَ الْخَيْرِ مَا نَتَمَتَّعُ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ نَبَذَ التَّكَلُّفَ وَرَاءَهُ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86] صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَسَلَكَ طَرِيقَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ، أَنْزَلَهَا اللهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً فِي مَشَارِقِ أَرْضِ اللهِ وَمَغَارِبِهَا، لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ.
وَمِنْ أَجْلِ هَذَا جَاءَتْ بِفَضْلِ اللهِ وَلُطْفِهِ وَحِكْمَتِهِ مَيْسُوراً فَهْمُهَا، سَهْلاً الْعَمَلُ بِهَا، تَسَعُ النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَيُطِيقُهَا كُلُّ الْمُكَلَّفِينِ، دِينُ الْإِسْلَامِ رُخْصَةٌ بَعْدَ عَزِيمَةٍ، وَلِينٌ مِنْ غَيْرِ شِدَّةٍ، وَيُسْرٌ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ، وَرَفْعٍ لِلْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ.
فَالْيُسْرُ وَالسُّهُولَةُ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ هَذَا الدِّينِ، وَصِفَةٌ عَامَّةٌ لِلشّرِيعَةِ، فِي أَحْكَامِهَا وَعَقَائِدِهَا، وَأَخْلَاقِهَا وَمُعَامَلَاتِهَا، وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، فَرَبُّنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ بْالْمَشَاقِّ، وَلَمْ يُرِدْ إِعْنَاتَ النَّاسِ، أَنْزَلَ دِينَهُ عَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ.
شَرِيعَةُ اللهِ حَنِيفِيَّةٌ فِي التَّوْحِيدِ، سَمْحَةٌ فِي الْعَمَلِ، فَلِلَّهِ الْحِمْدُ والْمِنَّةُ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28] ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78].
أَحْكَامُ الشَّرْعِ تَطْبَعُ فِي نَفْسِ الْمُسْلِمِ السَّمَاحَةَ وَالْبُعْدَ عَنْ التَّكَلُّفِ وَالْمَشَقَّةِ وَالتَّعَلُّقَ الْوَثِيقَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَعَفْوِهِ وَصَفْحِهِ وَغُفْرَانِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].
وَالْيُسْرَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ كُلُّ عَمَلٍ لَا يُجْهِدُ النَّفْسَ، وَلَا يُثْقِلُ الْجِسْمَ، وَالْعُسْرُ كُلُّ مَا أَجْهَدَ النَّفْسَ وَأَضَرَّ بِالْجِسْمِ، فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ».
وَعَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» قَالَهَا ثَلَاثاً، وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أَرِيدَ بِكُمْ الْيُسْرَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَلِذَلِكَ جَاءَ هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ بِالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَمْرَ وَيُنَاقِضُهُ أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَوْضَحِ صُوَرِ مُخَالَفَةِ هَذَا الْهَدْيِ الْوَسَطِيِّ الْمُيَسَّرِ هُوُ التَّكَلُّفُ فِي الْحَيَاةِ، فاللهُ قَدْ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْعِبَادِ، فَكُلٌّ مُعْطًى مِنْ الْمَالِ وَالثَّرَاءِ وَالثَّرْوَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، وَمَهْمَا حَاوَلَ الْمَرْءُ فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى مَا لَمْ يُكْتَبْ لًهُ، غَيْرَ أَنَّ ثَمَّةَ مَرَضاً قَدِيماً حَذَّرَ مِنْهُ هَذَا الدِّينُ وَعَالَجَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْآنَ يَظْهَرُ ظُهُوراً وَاضِحاً فِي الْمُجْتَمَعِ.
وَإِنَّا مُقْبِلُونَ عَلَى أَيَّامِ فَرَاغِ النَّاسِ وَإِجَازَاتِهِمْ، وَلَعَلَّهَا تَكُونُ مِنْ أَكْثَرِ أَيَّامِ النَّاسِ اتِّصَافاً بِهَذَا الْمَرَضِ.
حُبُّ الظُّهُورِ وَعِشْقُ الْمًظَاهِرِ، مَرَضٌ اجْتِمَاعِيٌّ لَا يُبْتَلَى بِهِ أَصْحَابُ الْمَالِ وَأَرْبَابُ الثَّرَاءِ فَحَسْبُ؛ بلْ نَجْدُهُ رُبَّمَا أَكْثَرَ اسْتِفْحَالاً لَدَى الْكَثِيرِ مِنْ مُتَوَسِّطِي الْحَالِ وَمَحْدُودِي الدَّخْلِ.
فَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مَا لَا يَمْلِكُونَ، وَيَتَكَلَّفُونَ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ، وَيُغْرِقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي دُيُونٍ بَاهِظَةٍ، ويَضَعُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي النِّهَايَةِ أَمَامَ مُشْكِلَاتٍ لَا حَصْرَ لَهَا.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يعْشِقُونَ التَّظَاهُرُ بِمَا لَا يَمْلِكُونَ، وَيُكَلِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ نَيْلِ إِعْجَابِ النَّاسِ وَإِرْضَائِهِمْ أمْوَالاً كَثِيرَةً لَوْ بَذَلُوهَا فِي الْخَيْرِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ لَأَصْبَحُوا فِي مُقَدِّمَةِ الْمُحْسِنِينَ.
كُنَّا نَتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ هَذَا الْأَمْرُ بَيْنَ مَنْ قَدْ تَنْقُصُهُمُ التَّجْرِبَةُ فِي الْحَيَاةِ مِمَّا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْوُقُوعِ فِي هَذَا الْمَرَضِ، غَيْرَ أَنَّ انْتِشَارَهُ بَيْنَ فِئَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ النَّاسِ يُوحِي بِخُطُورَتِهِ.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِخِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ أَوْصَانِي بِأَنْ لَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَأَوْصَانِي بِحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
إِنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ طَبَقَاتٌ وَدَرَجَاتٌ، وَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِهِ سَقَطَ، وَمَنْ طَلَبَ مَا لَيْسَ لَهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَفَاتَهُ مَا لَهُ، مَا تَرَاكَمَتِ الدُّيونُ عَلَى النَّاسِ إِلَّا حِينَ نَظَرُوا إِلَى مَنْ فَوْقَهُمْ وَطَلَبُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ قَالَ «فَإِنَّ ذَلِكَ أَجَدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ».
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُثْبِتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ الدُّنُوَّ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِالْعَطْفِ وَالْإِحْسَانِ وَالشَّفَقَةِ، فَإِنَّ مَنْ عَرِفَ مَا فِيهِ حَالُ مَنْ دُونَهُ أَوْشَكَ أْنْ يُوصِلَهُ اللهُ إِلَى مَا يُرِيدُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
إِنَّ رَكْضَ النَّاسِ خَلْفَ الْمَظَاهِرِ وَتَسَابُقَ الْفَقِيرِ إِلَى الظُّهُورِ بِصُورَةِ الْغَنِيِّ يُخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّجَزُّعِ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ، فاللهُ هُوَ الْمُعْطِي وَهُوَ الْمَانِعُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ، ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، غَامِضاً فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ» ثُمَّ نَفَضَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِإِصْبَعِهِ وَقَالَ: «عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ، وَقَلَّ تُرَاثُهُ» رَوَاهُ أَحَمْدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
إِنَّ حَبَّ النَّاسِ لِلْمَظَاهِرِ، وَالتَّكَلُّفِ وَالْمُفَاخِرَةِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ دَليلٌ عَلَى سُهُولَةِ الْكَذِبِ لَدَيْهِمْ، وَأَنَّ الْمَرْءَ مِنْهُمْ يَتَشَبَّعُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ: الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ هُوَ الْمتَزَيِّنُ بِأَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَهُ وَكَانَ يُقَالُ: لَزَمْزَمُ شَبَّاعَةٌ لِأَنَّ مَاءَهَا يُشْبِعُ.
حُبُّ الْمَظَاهِرِ، وَالظُّهُورَ أَمَامَ النَّاسِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهِ جَحْدٌ لِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَحَرِيٌّ بِهِ أْنْ يُحَرَمَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، فِي صَحِيحَ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً» وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «مَنْ لَبْسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ تَعَالَى ثَوْبَ مَذَلَّةٍ».
التَّكَلُّفُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: اسْمٌ لِمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِمَشَقَّةٍ أَوْ بِتَصَنُّعٍ أَوْ بِتَشَبُّعٍ، وَلِذَلِكَ صَارَ التَّكَلُّفُ ضَرْبَيْنِ:
الأول: مَحْمُودٌ: وَهُوَ مَا يَتَحَرَّاهُ الْإِنْسَانُ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْفِعْلُ الَّذِي يَتَعَاطَاهُ سَهْلاً عَلَيْهِ، وَيَصِيرَ كَلِفاً بِهِ، وَمُحِبّاً لَهُ.
الثَّانِي: مَا يَتَحَرَّاهُ مُبَاهَاةً وَرِيَاءً وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْهُ يَقُولُ اللهُ عَنْ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ».
وَصُوَرُ التَّكَلُّفِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّ يَتَكَلَّفَ الْمَرْءُ فِي مَعِيشَتِهِ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ أَصْلاً، فَسَيَّارَةٌ فَارِهَةٌ، وَمَنْزِلٌ كَبِيرٌ فَوْقَ حَاجَتِهِ، وَمُسْتَلْزَمَاتُ حَيَاةٍ مِنْ أَمْيَزِ مَا يُبَاعُ، وَإِذَا فَتَّشْتَ وَجَدْتَهُ يَعِيشُ عَلَى الدَّيْنِ، رَهَنٌ لِشَرِكَاتِ التَّقْسِيطِ وَالْبُنُوكِ، فَسَعَادَةٌ أَمَامَ النَّاسِ، وَقَلْبٌ مَحَرُّقٌ بِالْهُمُومِ وَالدُّيُونِ.
ومِنْ ذَلِكَ أَنْ يُسَايِرَ الْمَرْءُ النَّاسَ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ فَيَعِيشُ عِيشَةَ الْأَغْنِيَاءِ مَعَ فَقْرٍ وَمَسْغَبَةٍ.
ومِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَكَلَّفَ الزَّوْجُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: «خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ» فَنَهَاهَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ تَأْخُذَ فَوْقَ حَاجَتِهَا.
ومِنْ صُوَرِ التَّكَلُّفِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّبْذِيرِ وَتَكْلِيفِ النَّاسِ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ: التَّكَلُّفُ فِي الضِّيَافَةِ، فَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ أَنْ يُكْرِمَ ضَيْفَهُ؛ بَلْ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمُ ضَيْفَهَ.
قَالَ جُنْدُبُ بْنُ رَوَاحَةَ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ فِي الْيَوْمِ وَالَّليْلَةِ مِنَ الطَّعَامِ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُهُ هُوَ وَعِيَالُهُ، وَفِي تَمَامِ الثَّالِثِ يُطْعِمُهُمْ مِنْ طَعَامِهِ.
عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي عَلَى سَلْمَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَقَرَّبَ إِلَيْنَا خُبْزاً وَمِلْحاً، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَهَانَا عَنْ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ.
فَقَالَ صَاحِبِي: لَوْ كَانَ فِي مِلْحِنَا سَعْتَرٌ، فَبَعَثَ بِمَطْهَرَتِهِ إِلَى الْبَقَّالِ فَرَهَنَهَا فَجَاءَ بِسَعْتَرٍ فَأَلْقَاهُ فِيهِ، فَلَمَّا أَكَلْنَا قَالَ صَاحِبِي: الْحُمْدُ للهِ الَّذِي قَنَّعَنَا بِمَا رَزَقَنَا فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ قَنِعْتَ بِمَا رُزِقْتَ لَمْ تَكُنْ مَطْهَرَتِي مَرْهُونَةً عِنْدَ الْبَقَّالِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ يَزِيدَ بْنِ فُضَالَةَ اللَّخْمِيِّ قَالَ: أَضَافَ رَجُلَانِ بِابْنِ ثَوْبَانَ فَسَأَلَا عَنْهُ وَهُو فِي جُنَيْنَةٍ لَهُ، قَالَ: فَأَتَوْهُ فِي الْجُنَيْنَةِ فَلَمَّا رَاحَ لِلْمَغْرِبِ قَالَ لَهُمَا: أَيَّ مَشْيٍ تُحِبَّانِ أَنْ أَمْشِي؟ فَمَشَى مَعَهُمَا بِمَشْيِهِمَا، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ قَالَ لَهُمَا: أَيَّمَا أَحَبُّ إِلَيْكُمَا تَنْصَرِفَانِ فَتَتَعَشَّيَانِ أَمْ تَثْبُتَانِ إِلَى الْعَتْمَةِ؟ قَالَا: نَثْبُتُ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى الْعَتْمَةَ صَارَ مَعَهُمَا إلَى الْمَنْزِلِ فَجَاءَهُمْ بِثَرْدَةٍ عَلَيْهَا دَجَاجَةٌ قَالَ: كُلُوا فَإْنَّا لَمْ نَتَكَلَّفْ لَكُمَا، إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنَّمَا الْمُتَكَلِّفُ أَنْ يُطْعِمَهُ بِدَيْنٍ أَوْ خِيَانَةٍ.
كَثِيرٌ مِنْ وَلَائِمِ النَّاسِ الْيَوْمَ إِمَّا مَبْنِيَّةٌ عَلَى دَيْنٍ مُرْهِقٍ أَوْ تَكْثُّرٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: مِنْهُمْ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ: لَا يَحِلُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يَسْتَضِيفَ مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ ضِيَافَتِه، وَلَوْ عَلِمَ الضَّيْفُ أَنَّهُمْ لَا يُضَيِّفُونَهُ إِلَّا بِقُوتِهِمْ وَقُوتِ صِبْيَانِهِمْ، وَأَنَّ الصِّبْيَةَ يَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِضَافَتُهُمْ حِينَئِذٍ عَمَلاً بِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» وَأَيْضاً فَالضِّيَافَةُ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ وَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ.
ومِنَ التَّكّلُّفِ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِنْسَانُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَيَدَّعِي صُحْبَةَ الْمُلُوكِ وَالْأَثْرِيَاءِ وَذَوِي الْجَاهِ وَالْمَنْصِبِ وَهُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْهُمْ، يَذْكُرُ ذَلِكَ مُبَاهَاةً وَمُفَاخَرَةً، فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً».
وَقَدْ لَا يَكُونُ الْمَرْءُ مُتَكَلِّفاً بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ يَكُونُ سَبَباً فِي التَّكَلُّفِ، فَإِطْلَاقُ الْعَنَانِ لِلنِّسَاءِ فِي التَّظَاهُرِ بِمَا لَيْسَ مِنْ مَظْهَرِهِنَّ هُوَ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَالسَّمَاحُ لِلْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الْأَغْنِيَاءِ هُوَ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَمَا يَطْلُبُهُ الْأُسْتَاذُ مِنْ طُلَّابِهِ قَدْ يَكُونُ سَبَباً لِتَكَلُّفِ بَعْضِهِمْ مَا لَا يَمْلِكُونَ، بَعْضُ عَادَاتِ النَّاسِ فِي مُنَاسَبَاتِهِمْ تُرْهِقُ مَنْ عِيشَتُهُ كَفَافٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَتِهِ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ كَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَمَحْدُودِي النَّفَقَةِ يَجُرُّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ مَفَاسِدَ كَثِيرَةً، فَالسَّرِقَةُ وَالْعُزْلَةُ عَنْ الْمُجْتَمَعِ وَالِاكْتِئَابُ وَكَرَاهِيَةُ النَّاسِ ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ تَكَلُّفِ النَّاسِ خَلْفَ الْمَظَاهِرِ وَالسَّعْيِ خَلْفَ الْبَهْرَجَةِ، بَلْ إِنَّ حبَّ الْمَظَاهِرِ يَكُونُ غَالِباً عَلَى حسَابِ حُبِّ الْخَيْرِ.
وَكُلَّمَا زَادَتِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمَظَاهِرِ، تَرَاجَعَ فِي النَّفْسِ حُبُّ الْخَيْرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللُه، وَاخْتَفَتْ الصَّدَقَةُ الْحَقَّةُ الْخَفِيَّةُ، وَأَصْبَحَ بَعْضُهُمْ يُنْفِقُ حُبّاً فِي اسْتِحْسَانِ النَّاسِ لَا فِي مَثُوبَةِ اللِه.
هَؤُلَاءِ هُمْ عُشَّاقُ الْمَظَاهِرِ الَّذِينَ لَا يَخْلُو مِنْهُمْ مُجْتَمَعٌ، أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ، يُمَارِسُونَ الْكَرَمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَيَبْذُلُونَ الْمَالَ فِي غَيْرِ أهْلِهِ، هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ زَهْوَ الْأُوْلَى عَلَى أَجْرِ الْآخِرَةِ، وَيُفَضِّلُونَ نَيْلَ إِعْجَابِ الْعِبَادِ عَلَى رِضَا رَبِّ الْعِبَادِ.
فَاتَّقُوْا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوهُ، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا الدِّينِ الْوَسَطَ السَّهْلَ الَّذِي لَا آصَارَ فِيهِ وَلَا أَغْلَاَلٌ.
أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ.
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أْنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاتَّقُوْا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلِنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَفْعَلُ أَمُوراً لَا يَشْعُرُ بِهَا قَدْ تَكُونُ سَبَباً لِوُقُوعِهِ فِي الْإِثْمِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
التَّكَلُّفُ وَحُبُّ الظُّهُورِ يَقْوَدُ إِلَيْهِ أُمُورٌ وَأَسْبَابٌ فَضَعْفُ الدِّيَانَةِ، وَالْجَهْلُ وَضَعْفُ الْعَقْلِ، وَالنَّظَرُ إِلَى عَاجِلِ الدُّنْيَا دُونَ تَأَمُّلٍ إِلَى الْآخِرَةِ وَمَا فِيهَا يَقُودُ إِلَى التَّكَلُّفِ.
وَبَعْدُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فَإِنَّ التَّكَلُّفَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِيمَا قَدْ سَمِعْتُم، لَكِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي جَانِبٍ آخَرَ وَمُرَغِّبٌ فِيهِ: بَذَلُ الْجَهْدْ فِي فِعْلِ الْعِبَادَةْ وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الاِسْتِمْرَارِ عَلَى فِعْلِهَا مِمَّا يُؤَجَرُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].
الصَّلَاةُ تَحْتَاجُ إِلَى بَذْلِ جَهْدٍ عَلَى فِعْلِهَا: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَمَا أَظُنُّ صَلَاةً تَشْكُو مِنْ قِلَّةِ رُوَّادِهَا فِي وَقْتِهَا كَصَلَاةِ الْفَجْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤَدِّيهَا فِي وَقْتِهَا بَلْهَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي جَمَاعَةٍ.
الْعِبَادَاتُ وَمَا هِيَ فِي حَاجَةٍ إِلَى بَذْلِ جَهْدٍ عَلَى فِعْلِهَا كُلِّهَا مِمَّا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، فَالْحُجُّ مَشَقَّةٌ، وَالزَّكَاةُ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ، وَامْتِنَاعُ الْعَبْدِ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ يَحْتَاجُ إِلَى جَهْدٍ وَصَبْرٍ عَلَى الْفِعْلِ فَكَيْفَ بْالْعَبْدِ الَّذِي يَنْبَغِي عَلَيْهِ الْحِرْصُ عَلَى نَوَافِلِ الطَّاعَاتِ.
أَلَمْ تَرَوْا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفَ حَالَهُ مَعَ رَحِمِهِ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّفُ صِلَتَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَهُ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَال: «لَئِنْ كُنْتَ كُمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي أَمِرْكُمْ هَذَا، وَفِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.