الْحَمْدُ لله يَغْفِرُ الزَّلَّاتِ، وَيُقِيلُ الْعَثَرَاتِ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ إِذْ فَتَحَ لِعِبَادِهِ بَابَ التَّوْبَةِ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا، وَوَعَدَهُمْ أْنْ يَتَقَبَّلَهَا مِنْهُمْ، وَيَمْحُوَ بِهَا سَيِّئَاتِهِمْ، وَأَشْهَدُ أْنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَا رَبَّ لَنَا سِوَاهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: ابْنُ آدَمَ مَخْلُوقٌ ضَعِيفٌ، قَدْ حَفَّ بِهِ أَعْدَاءٌ كَثِيرُونَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، يُحَسِّنُونَ لَهُ الْقَبِيحَ، وَيُقَبِّحُونَ لَهُ الْحَسَنَ، يَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وَالشَّيْطَانُ، وَالْهَوَى، يَدْعُونَهُ إِلَى الشَّهَوَاتِ، وَيَقُودُونَهُ إِلَى مَهَاوِي الرَّدَى.
يَنْحَدِرُ فِي مُوبِقَاتِ الذُّنُوبِ صَغَائِرِهَا وَكَبَائِرِهَا، يَنْسَاقُ فِي مُغْرِيَاتِ الْحَيَاةِ وَدَاعِيَاتِ الْهَوَى، يُصَاحِبُ ذَلِكَ ضِيقٌ وَحَرَجٌ وَشُعُورٌ بِالذَّنْبِ وَالْخَطِيئَةِ فَيُوشِكُ أَنْ تَنْغَلِقَ أَمَامَهُ أَبْوَابُ الْأَمَلِ، وَيَدْخُلَ فِي دَائِرَةِ الْيَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.
وَلَكِنَّ اللهَ الْعَلِيمَ الْحَكِيمَ، الرَّؤُوفَ الرَّحِيمَ، الَّذِي يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؛ فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمِ الصَّالِحَةِ كَفَّارَاتٍ، وَفِي ابْتِلَاءَاتِهِمْ مُكَفِّرَاتٍ.
بَلْ إِنَّهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27-28].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي اللهِ: لَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِي التَّوْبَةِ مَلَاذاً مَكِيناً، وَمَلْجَأً حَصِيناً يَلِجُهُ الْمُذْنِبُ مُعْتَرِفاً بِذَنْبِهِ، مُؤَمِّلاً فِي رَبِّهِ، نَادِماً عَلَى فِعْلِهِ، غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى خَطِيئَتِهِ، يَحْتَمِي بِحِمَى الِاسْتِغْفَارِ، يُتْبِعُ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ؛ فَيُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيَرْفَعُ مِنْ دَرَجَاتِهِ.
إِنَّ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ تَمْحُو الْخَطِيئَاتِ مَهْمَا عَظُمَتْ حَتَّى الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] أَشَدُّ النَّاسِ جُرْماً أُولَئِكَ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ مِمَّنْ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَقَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ ـ تَعَالَى اللُه عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، دَعَاهُمُ اللهُ تَعَالَى جَمِيعاً إِلَى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 74].
أَهْلُ النِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يُخْبِرُ اللهُ عَنْهُمْ فَيَقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64].
إِنَّ اللهَ فَتَحَ أَبْوَابَهُ لِكُلِّ التَّائِبِينَ، لَيْلاً وَنَهَاراً: «يَبْسُطُ يَدَهُ بِالَّليْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ الَّليْلِ» يَتَلَطَّفُ بِهِمْ: «يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ».
بَلْ إِنَّ اللهَ مَا ذَكَرَ عُقُوبَةً فِي كِتَابِهِ إِلَّا ذَكَرَ بَعْدَهَا نَجَاةَ التَّائِبِينَ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 59-60] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].
بَلْ إِنَّ أَرْجَى آَيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ هِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
إِنَّ الذَّنْبَ مَهْمَا عَظُمَ فَإِنَّ عَفْوَ اللهِ أَعْظَمُ، وَإِنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَنْباً لَا يَتَّسِعُ لِعَفْوِ اللهِ فَقَدْ ظَنَّ بِرَبِّهِ ظَنَّ السُّوءِ: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
اللهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَخَصَّ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ مَنْ هُمْ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: 8] بَلْ لَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وَهُمْ كَثِيرُو الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ.
فَيَا مَنْ تَدَنَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ قَذَرِ الْمَعَاصِي فَلْيُبَادِرْ بِغَسْلِهِ بِمَاءِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.
أَيُّهَا النَّاسُ: لَقَدْ جَعَلَ اللهُ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَفِعْلَ الْقُرُبَاتِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ فَمَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ كَانَتْ خُطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً.
وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةٌ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ أَخْرَجَ كُلَّ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ.
يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْبَلَايَا فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَصَائِبِ الْحَيَاةِ وَنَوَائِبِ الدَّهْرِ، فَهِيَ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ، مَاحِيَاتٌ لِلْخَطَايَا، رَافِعَاتٌ لِلدَّرَجَاتِ.
جاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللهُ لَهُ بِهَا حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً».
وَفِي الْمُوَطَّأِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النِّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ: «مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُضَارُّ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ ـ أَيْ: أَقْرِبَائِهِ وَخَاصَّتِهِ ـ حَتّى يَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
أَيُّهَا النَّاسُ: رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَكُمْ لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُهَا لَهُمْ».
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ سَمَّى اللهُ نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ، فَهُو غَفُورٌ وَغَفَّارٌ وَغَافِرُ الذَّنْبِ وَذُو مَغْفِرَةٍ وَاسِعَةٍ، وَأَثْنَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ، وَوَعَدَهُمْ بَجَزِيلِ الثَّوَابِ، لِيَدُلَّنَا عَلَى فَضْلِ الِاسْتِغْفَارِ وَالْعَوْدَةِ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ الْخَلْقَ مُفْتَقِرُونَ إِلَى اللِه فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
وَأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئاً مَا لَمْ يَتَفَضَّلِ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِهِ؛ بَلْ لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَنْ أَنْبِيَائِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ الْمَغْفِرَةَ:
آدَمُ قَالَ: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] وَنُوحٌ قَالَ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47].
وَمُوسَى قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: 16] وَدَاوُدُ قَالَ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] وَسُلَيْمَانُ قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35].
وَمُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَمَرَهُ اللهُ بِالِاسْتِغْفَارِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 3].
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبُعْدُ:
لِلِاسْتِغْفَارُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَمَحْوِ الذُّنُوبِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].
الِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ لِتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ وِالْهُمُومِ وَجَلْبِ الرِّزْقِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَضَائِقِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنَ مَاجَةَ وَالْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».
مَا تَقَعُ الْعُقُوبَاتُ بِأَنْوَاعِهَا عَلَى النَّاسِ وَالْبُلْدَانِ إِلَّا حِينَمَا يَغْفَلُونَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].
بَلْ لَمَّا جَاءَ حُذَيْفَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَشْتَكِي مِنْ ذَرْبِ لِسَانِهِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ يَعْنِي: أَنَّهُ شَدِيدُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ يَا حُذَيْفَةُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: مَا أَكْثَرَ مَا نَعْصِي اللهَ تَعَالَى فَمَا أَحْوَجَنُا إِلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَلَقَدْ كَانَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُلَازِماً لِلِاسْتِغْفَارِ فِي كُلِّ وَقْتِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ».
وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» وَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدَّ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيُّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ وَهُوَ يَقُولُ: وَا ذُنُوبَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «قُلْ الَّلهُمَّ مَغْفِرَتُكَ أَوْسَعُ لِي مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلِي» وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاؤُوا اسْتَغْفَرُوا».
جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللُه عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِذَا أَذْنَبَ عَبْدٌ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي عَمِلْتُ ذَنْباً فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ اللهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آَخَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ حَتَّى قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» يَعْنِي: مَادَامَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ كُلَّمَا أَذْنَبَ ذَنْباً اسْتَغْفَرَ مِنْهُ غَيْرَ مُصِرٍّ.
وَأَخْرَجَ أَيْضاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدُنَا يُذْنِبُ، قَالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» قَالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ قَالَ «يُغْفَرُ لَهُ وَيُتَابُ عَلَيْهِ» قَالَ: فَيَعُودُ فَيُذْنِبُ. قَالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» قَالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَيَتُوبُ قَالَ: «يُغْفَرُ لَهُ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا».
وَسُئِلَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنْ الْعَبْدِ يُذْنِبُ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتُوبُ قِيلَ فَإِنْ عَادَ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتُوبُ قِيلَ: فَإِنْ عَادَ؟ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتُوبُ قِيلَ حَتَّى مَتَى؟ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ.
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: أَلَا يَسْتَحْيِ أَحَدُناً مِنْ رَبِّهِ يَسْتَغْفِرُ مِنْ ذُنُوبِهِ ثُمَّ يَعُودُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يَعُودُ؟ فَقَالَ: وَدَّ الشَّيْطَانُ لَوْ ظَفِرَ مِنْكُمْ بِهَذَا، فَلَا تَمَلُّوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَكْثِرُوا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.