مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 19:26:26

الستر على صاحب المعصية

الستر على صاحب المعصية

الْحَمْدُ لله ذِي الْفَضْلِ وَالاِمْتِنَانِ، كَرِيمٌ سِتِّيرٌ يَسْتُرُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يَسْتُرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، أَحْمَدُهُ حَمْداً يُوَافِي نِعَمَهُ وَيَبْلُغُ فَضْلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، بَعْثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، دَلَّ عَلَى الْخَيْرِ، وَهَدَى إِلَيْهِ، سَتَرَ عَلَى الْعَصَاَةِ إِذْ بَلَغَهُ أَمْرُهُمْ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحِبِهِ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الْوِقَايَةَ وَالسَّتْرَ مِنَ النَّارِ تَكُونُ بِتَقْوَى اللهِ سُبْحَانَهُ، فَاتَّقُوا اللهَ جَمِيعاً ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ يَسْتُرْكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَسْتُرْكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَنِ النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ النِّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» مَا مِنْ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ إِلَّا وَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَطَأِ.

رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ قَبِيصَةَ بنْ ِعُقْبَةَ قَالَ: بَلَغَ دَاوُدَ الطَّائِيَّ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا نَتَبَلَّغُ بِسَتْرِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ بَعْضَ مَا نَحْنُ فِيهِ مَا زَلَّ لَنَا لِسَانٌ أَنْ نُذْكَرَ بِخَيْرٍ أَبَداً.

وَعَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20] قَالَ: أَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالْإِسْلَاُم وَالْقُرْآنُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَمَا يَسْتُرُ مِنَ الْعُيُوبِ.

وَإِنَّهُ مَا مِنْ شَخْصٍ يَسْلَمُ مِنَ الْخَطَأِ وَالتَّقْصِيرِ، وَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَيِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَفْرَحَ بِأَنْ يَجْدَ صَاحِبَ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ قاَئِمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لِيُسَارِعَ بِفَضْحِهِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى حَيْثُ يَنَالُ الْعِقَابَ وَيُشَهِّرَ بِهِ.

وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْرَحَ بِأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِ ذَلِكَ الْعَاصِي عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَسِيرَ بِهِ إِلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ اللهَ ابْتَعَثَنَا دُعَاةً وَهُدَاةً وَلَمْ يَبْعَثْنَا جُبَاةً عُتَاةً جَبَّارِينَ.

السَّتْرُ عَلَى صَاحِبِ الْمَعْصِيَةِ هُوَ هَدْيُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة».

وَلَمَّا رَفَعَ رَجُلٌ اسْمُهُ هَزَّالٌ مَاعِزاً إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ زَنَى قَالَ لَهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكِ يَا هَزَّالُ لَكَانَ خَيْرا لَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ.

وَفِي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبَ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ» فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ لَا يُشَهِّرْ بِهَا بِمَعْصِيَتِهَا رَغْمَ أَنَّهَا أَمَتُهُ  وَقَدْ لَا يَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ أَحَدٌ.

إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا رَأَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَقْصِدِهِ السَّتْرَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفَضِحَ بَيْنَ النَّاسِ، رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ لَمْ أَجِدْ لِلسَّارِقِ وَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ إِلَّا ثَوْبِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتُرَهُ عَلَيْهِ، وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ فِي "مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ" عَنْ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَخَذْتُ سَارِقاً لَأَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللهُ، وَلَوْ أَخَذْتُ شَارِباً لَأَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرُهُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ.

إِنَّ سَعْيَ الشَّخْصِ لِنَشْرِ السُّوءِ عَنْ الْمُسْلِمِ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمُؤْذِنٌ لِلْفَاعِلِ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: صَعَدَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ».

وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ! وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيِتِهِ.

وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَشْرَفَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى دَارِهِ بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا هِيَ قَدْ غَصَّتْ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ جَاءَ يَسْتَفْتِينَا فَلْيَجْلِسْ نُفْتِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَمَنْ جَاءَ يُخَاصِمُ فَلْيَقْعُدْ حَتَّى نَقْضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَمَنْ جَاءَ يُرِيدُ أْنْ يَطْلِعَنَا عَلَى عَوْرَةٍ قَدْ سَتَرَهَا اللهُ عَلَيْهِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، وَلْيَقْبَلْ عَافِيَةَ اللهِ  وَلْيُسْرِرْ تَوْبَتَهُ إِلَى الَّذِي يَمْلِكُ مَغْفِرَتَهَا؛ فإِنَا لَا نَمْلِكُ مَغْفِرَتَهَا، وَلَكِنَّا نُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّهَا، وَنِمْسَكُ عَلَيْهِ بِعَارِهَا.

وَرَوَى أَبُو يُعْلَى عَنْ جَرِيرِ بْنٍ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: أَيُّهَا الْقَوْمُ مَنْ رَأَى مِنْ أَخِيهِ سِتْراً فَلَا يَكْشِفَنَّهُ، وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَنْ وَجَدَ دُونَ أَخِيهِ سِتْراً فَلَا يَكْشِفْهُ، وَلَا تَجَسَّسْ أَخَاكَ وَقَدْ نُهِيتَ أَنْ تَجَسَّسَهُ، وَلَا تُحَقِّرْ مِنْهُ، وَلَا تُنَقِّرْ عَنْهُ.

إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ مَغَبَّةِ السَّعْيِ لِكَشْفِ مَا سَتَرَهُ اللهُ عَلَى النَّاسِ أْنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِمِثْلِ مَا وَقَعَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَيُشَارِكَهُ فِيهَا، َعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: فَالَّذِي يَعْمَلُ الْفَاحِشَةَ وَالَّذِي يُشِيعُهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَعَنْ عَوْفٍ الْأَحْمَسِّي قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ سَمِعَ بِفَاحِشَةٍ فَأَفْشَاهَا كَانَ فِيهَا كَالَّذِي بَدَأَهَا، وعَنْ شُبَيلِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ مَنْ سَمِعَ بِفَاحِشَةٍ فَأَفْشَاهَا فَهُوَ فِيهَا كَالَّذِي أَبْدَاهَا، ويَقُولُ الْفُضَيْلُ: مَنْ سَمِعَ بِفَاحِشَةٍ فَأَفْشَاهَا كَانَ كَمَنْ أَتَاهَا، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقَائِلُ الْفَاحِشَةَ وَالَّذِي يَسْمَعُ بِهَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ.

إِنَّهُ يُخْشَى عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي يَحْرِصُ عَلَى تَفْتِيشِ عُيُوبِ النَّاسِ وَسَوْآتِهِمْ مِنَ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ اللهِ سُبْحَانَهُ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ ذَكَرَ امْرَأً بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِيَعِيبَهُ حَبَسَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْتِي بِنَفَاذِ مَا قَالَ فِيهِ» إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

وعَنْ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى امْرِىٍء مُسْلِمٍ كَلِمَةً وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ لِيَشِينَهُ بِهَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللِه أَنْ يُعَذِّبَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى يَأْتِي بِنَفَاذِ مَا قَالَ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا».

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَرَى مُؤْمِنٌ مِنْ أَخِيهِ عَوْرَةً فَيَسْتُرَهَا عَلَيْهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ».

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَخَذَ سَارِقاً ثُمِّ قَالَ: أَسْتُرُهُ لَعَلَّ اللهَ يَسْتُرُنِي، وَعَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ: لَا يُعَذِّبُ اللهُ قَوْماً يَسْتُرُونَ الذُّنُوبَ.

إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ خِزَانَةً لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، يَسُرُّهُ صَلَاحُهُ وَيَسُوؤُهُ أَنْ يُفْضَحَ بَيْنَ الْخَلْقِ، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إِنَّ الْفَاحِشَةَ لَتَشِيعُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ إِلَى الصَّالِحِينَ كَانُوا خُزَّانَهَا.

وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: 19] قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَقَعُ فِي أَخِيهِ وَعِنْدَهُ مَنْ يَشْتَهِي ذَلِكَ فَلَا يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ، قَالَ كَأَنَّهُ يَغْتَابُهُ.

عِبَادَ اللهِ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ قَوْماً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَذَكَرُوا عُيُوبَ النَّاسِ، فَذَكَرَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوباً، وَأَدْرَكْتُ قَوْماً كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَكَفُّوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَنُسِيَتْ عُيُوبُهُمْ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحْفَظُوا لِإِخْوَانِكُمْ حُقُوقَهُمْ، وَاسْتُرُوا عَلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ يُكَافِئْكُمُ اللهُ بِالْمِثْلِ.

الحمد لله وحده وبعد:

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ السَّتْرِ عَلَى النَّاسِ لَيْسَ أَمْراً مُطْلَقاً، وَلَيْسَ كُلُّ شَخْصٍ يُسْتَرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ذَنْبٍ يُسْتَرُ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ مَسْتُوراً لَا يُعْرَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ هَفْوَةٌ أَوْ زَلَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ هَتْكُهَا وَلَا كَشْفُهَا، وَلَا التَّحَدُّثُ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ النُّصُوصُ.

وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19] وَالْمُرَادُ إِشَاعَةُ الْفَاحِشَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، وَاتُّهِمَ بِهِ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ كَمَا فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ.

وَالثَّانِي: مَنْ كَانَ مُشْتَهِراً بِالْمَعَاصِي مُعْلِناً بِهَا وَلَا يُبَالِي بَمَا ارْتَكَبَ مِنْهَا، وَلَا بِمَا قِيلَ لُهُ، هَذَا هُوَ الْفَاجِرُ الْمُعْلِنُ، وَلَيْسَ لَهُ غِيبَةٌ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْ أَمْرِهِ لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.

ثُمَّ إِنَّ أَمْرَنَا بِالسَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَعْنِي عَدَمَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي مَعْصِيَتِهِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً أَيْ: رَآَهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَمْ يُظْهِرْهُ أَيْ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَرْكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّتْرَ مَحَلُّهُ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ انْقَضَتْ، وَالْإِنْكَارُ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ حَصَلَ التَّلَبُّسُ بِهَا، فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلَيْسَ مِنَ الْغِيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِيمَا يُكْتَبُ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ أَوْ فِي شَبَكَةِ الْمَعْلُومَاتِ يُوشِكُ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى بَعْضِهِمْ قَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

إِنَّنَا جَمِيعاً مُعَرَّضُونَ لِلْخَطَأِ، وَنُحِبُّ أَنْ يَسْتُرَهُ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ، أَلَا فَلْنُعَامِلِ النَّاسَ بِمِثْلِ مَا نُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُونَا بِهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي أَمِرْكُمْ هَذَا، وَفِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة