مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 19:27:30

خطورة الرشوة

خطورة الرشوة

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْخَيْرُ كُلُّهُ وَالصَّلَاحُ وَالْفَلَاحُ فِي تَقْوَى اللهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100].

عَبَادَ الله: أَعَادَ الْقُرْآَنُ وَكَرَّرَ الْأَمْرَ بِمُخَالَفَةِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْلُكَ مَا سَلَكُوا فَنَهْلِكَ كَمَا هَلَكُوا.

وقال ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ».

وَلَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهَا سَتَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ مَنْ قَبْلَهُم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَنْ حُذِّرْنَا أَنْ نَقَعَ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ فِيمَا قَصَّهُ اللهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ مِنْ أَخْبَارِ المْاَضِيَن ِفي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهمْ وَالإِنْكِارِ عَلَيْهِمْ مَا يَحْمِلُ أَرْبَابَ الْعُقُولِ عَلَى اجْتِنَابِ طَرِيقِهِمْ وَالْبُعْدِ عَنْ مَسَالِكِهِم.

وَإِنَّ مِمَّا أَخْبَرَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ صِفَاتِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكَّالِينَ للسُّحْتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].

يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 62-63].

يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ: السُّحْتُ هُوَ: الرِّشَا، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: رِشْوَةُ الْحَاكِمِ مِنَ السُّحْتِ.

وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا السُّحْتُ؟ قَالَ: «الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ».

وَقَالَ الْحَسَنُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كَانَ الْحَاكِمُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إَذَا أَتَاهُ أَحَدُهُمْ بِرِشْوَةٍ جَعَلَهَا فِي كُمِّهِ فَأَرَاهَا إِيَّاهُ وَتَكَلَّمَ بِحَاجَتِهِ، فَيَسْمَعَ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى خَصْمِهِ، فَيَأْكُلَ الرِّشْوَةَ، وَيَسْمَعَ الْكَذِبَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42].

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمَالَ فِتْنَةٌ أَيُّ فِتْنَةٍ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى فَتَحَ لِنَفْسِهِ بَابَ شَرٍّ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَنْ يُغْلَقَ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ طُرُقِ أَكْلِ الْمَالِ الْحَرَامِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].

فَنَهَى الله ُالْمُسْلِمَ أَنْ يَأْكُلَ مَالَ غَيْرِهِ بِالْبَاطِلِ، وَصَوَّرَهَا فِي صُورَةِ الرِّشْوَةِ الَّتِي يُصَانِعُ بِهَا صَاحِبُ الْحَاجَةِ الْحَاكِمَ لِيَنَالَ حَقَّ غَيْرِه.

وَلَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: 34] بِأَنَّهُ أَكْلُ الرِّشْوَةِ.

الرِّشْوَةُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَرَضٌ فَتَّاكٌ يُفْسِدُ الْأَخْلَاقَ، وَيَسْرِي فِي الْأُمَّةِ حَتَّى يُورِدَهَا مَوَارِدَ التَّلَفِ.

مَا خَالَطَتِ الرِّشْوَةُ عَمَلاً إِلَّا أَفْسَدَتْهُ، وَلَا نِظَاماً إِلَّا قَلَبَتْهُ وَلَا قَلْباً إِلَّا أَظْلَمَتْهُ، مَا فَشَتِ الرِّشْوَةُ فِي أُمَّةٍ إَلَّا وَحَلَّ فِيهَا الْغِشُّ مَحَلَّ النُّصْحِ، وَالْخِيَانَةُ مَحَلَّ الْأَمَانَةِ، وَالْخَوْفُ جَاءَ بَدَلَ الْأَمْنِ، وَالظُّلْمُ بَدَلَ الْعَدْلِ.

الرِّشْوَةُ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ ُمْهِدَرةٌ لِلْحُقُوق،ِ مُعَطِّلَةٌ لِلْمَصَالِحِ، مُجَرِّئَةٌ للظَّلَمَةِ وَالْمُفْسِدِينَ، مَا فَشَتْ فِي مُجْتَمَع ٍإِلَّا َوَآَذَنَتْ بِهِلَاكِهِ، تُسَاعِدُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، تُقَدِّمُ السَّفِيهَ الْخَامِلَ، وَتُبْعِدُ الْمُجِدَّ الْعَامِلَ، تَجْعَلُ الْحَقَّ بَاطِلاً وَالْبَاطِلَ حَقًّا.

كَمْ ضَيَّعَتِ الرِّشْوَةُ مِنْ حُقُوقٍ، وَكَمْ أَهْدَرَتْ مِنْ كَرَامَةٍ، وَكَمْ رَفَعَتْ مِنْ لَئِيمٍ، وَأَهَانَتْ مِنْ كَرِيمٍ.

الرِّشْوَةُ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ نَقْصٌ فِي الدِّيَانَةِ، وَضَيَاعٌ لِلْأَمَانَةِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى الْخِيَانَةِ، اِنْتَشَرَتِ الرِّشْوَةُ بَيْنَ الْيَهُودِ فَكَانَتْ أُمَّتُهُمْ تَعِيشُ بِالْمُحَابَاةِ وَالرِّشَا فِي الْأَحْكَامِ، فَفَسَدَتْ بَيْنَهَا أَمُورُ الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَلِكَ اسْتَبْدَلَتِ الطَّمَعَ بِالْعِفَّةِ.

كَانَ الْيَهُودُ وَرُؤَسَاؤُهُمْ أَكَّالِينَ لِلسُّحْتِ مِنْ رِشْوَةٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الدَّنَاءَاتِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأُمَمِ فِي عُهُودِ فَسَادِهَا وَأَزْمَانِ اِنْحِطَاطِهَا، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَسْلَافُهُمْ فِي الْمَاضِي فَهُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.

مَا تَسْقُطُ شَرِكَةٌ مِنْ شَرِكَات يَهُودٍ إِلَّا وَفَضَائِحُ الرِّشْوَةِ تُلَاحِقُهَا، بَلْ مَا يَزُولُ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِهِمْ إِلَّا وَأَوَّلُ تُهْمَةِ تَوَجَّهُ إِلَيْهِ هِي أَخْذُهُ لِلرِّشْوَةِ وَمُحَابَاتُهُ لِغَيْرِهِ.

عِباَد َالله: الرِّشْوَةُ مَلْعُونٌ صَاحِبُهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَاِبْنُ حِبَّانٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ والْمُرْتَشِي» وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحَمْدَ «وَالرَّائِشَ» وَهُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا.

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ كُفْرٌ، وَهِيَ بَيْنَ النَّاسِ سُحْتٌ، وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ معَاذاً إِلَى الْيَمَنِ أَرْسَلَ فِي أَثِرِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: «أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئاً بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِهَذَا دَعَوْتُكَ فَامْضِ لِعَمَلِكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

عِبَادَ الله: الْهَدِيَّةُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا؛ بَلْ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» لَكِنْ مَتَى َما كَانَتِ الْهَدِيَّةُ سَبِيلاً إِلَى حَرَامٍ فَإِنَّهَا حَرَامٌ.

يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: هَدَايَا الْعُمَّالِ رِشْوَةٌ لَيْسَتْ بِهَدِيَّةٍ، إِذْ لَوْلَا الْعَمَلُ لَمْ يُهْدَ لَهُ، وَهَدِيَّةُ الْقَاضِي سُحْتٌ، وَإِذَا قَبِلَهَا وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ الله ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ! فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ هَدِيَّةٌ، وَهِيَ الْآنَ رِشْوَةٌ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ       ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَجُلاً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللَّتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَامَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ علَى الْمِنْبَرِ فَحَمَدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثمُ َّقَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ؟! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَومَ الْقِيَامَةِ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبِطَيْهِ ـ يَعْنِي بَيَاضَهُمَا ـ وَقَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» ثَلَاثاً.

وَعَنْ بُرَيْدَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا ـ أَيْ: مَنَحْنَاهُ مُرَتَّباً ـ فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ وُجُودَ الرِّشْوَةِ وَاِنْتِشَارَهَا فِي قَوْمٍ مُؤْذِنٌ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ، فَقَدْ رَوَى الْإمَامُ أَحَمْدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَاِبْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، عَنْ عُلَيْمٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَابِسٍ الْغَافِرِيِّ عَلَى سَطْحٍ، فَرَأَى قَوْمًا يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الطَّاعُونِ، أَيْ: يَتَوَجَّعُونَ، فَقَالَ: مَا لِهَؤُلَاءِ يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الطَّاعُونِ؟ يَا طَاعُونُ خُذْنِي إِلَيْكَ، يَا طَاعُونُ خُذْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ لَهُ أحَدُ الصَّحَابَةِ: لِمَ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَقَدْ سَمِعَتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ».

فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  يقُولُ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ خِصَالاً سِتّاً: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، وَاسْتِخْفَافاً بِالدَّمِ، وَنَشْوًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآَنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لَيْسَ بِأَفْقَهِهِمْ وَلَا أَعْلَمِهِمْ، مَا يُقَدِّمُونَهُ إِلَّا لِيُغَنِّيهِمْ» وَالْمَقْصُودُ بِبَيْعِ الْحُكْمِ كَمَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ: هُوَ تَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ عَنْ طَرِيقِ الرِّشْوَةِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُحَادَّةِ للهِ وَالْمُعْتَدِيَةِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ نِقَمَةُ اللهِ، وَكَيْفَ تَوَعَّدَ اللهُ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وَاِجْتَرَأَ عَلَى مَعَاصِي اللهِ.

نَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِهَدْي كِتَابِهِ، أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا فِي الْحَلَالِ غُنْيَةً عَنِ الْحَرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَدَ مَنِ اتَّقَاهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، فَلَهُ الْحَمْدُ يَهْدِي إِلَى الرَّشَدِ، وَيَعِدْ بِالرِّزْقِ، وَيُفِيضُ النِّعَمَ، وَيَدْفَعُ النِّقَمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَأْمُورُ بِأَكْلِ الطِّيبَاتِ، وَالْعَمَلِ بِالصَّالِحَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَجْعَلَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ فِي كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «إَنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ».

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ تَفَنُّنَ النَّاسِ فِي تَسْمِيَةِ الرِّشْوَةِ بِغَيْرِ اسْمِهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ حُكْمِهَا، سَمَّوْهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَلَقَّبُوهَا بِأَلْقَابٍ تَخْدَعُ السُّذَّجَ مِنَ النَّاسِ وَتَسُرُّ الْغَشَشَةَ، حَتَّى انْتَشَرَتِ الرِّشْوَةُ بَيْنَهُمُ انْتِشَارَ النَّارِ فِي يَابِسِ الْحَطَبِ، حَتَّى أَفْسَدَتْ كَثِيراً مِنَ الذِّمَمِ، الطَّالِبُ يُعْطِي أُسْتَاذَهُ، الْمُوَظَّفُ يُهْدِي إِلَى مُدِيرِهِ صَاحِبُ الْحَاجَةِ يُقِيمُ مَأْدُبَةً لِمَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.

فِي صُوَرٍ أَفْسَدَتِ الْعُمَّالَ عَلَى أَصْحَابِ الْعَمَلِ، يَجْعَلُونَ الْخِدْمَةَ لِمَنْ يَدْفَعُ أَكْثَرَ، وَمِنْ لَا يَدْفَعُ فَلَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ، لَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ أَمَامَهُ إِلَّا نُفُوساً مَنْهُومَةً وَقُلُوباً مُنَكَّسَةً، وَلَوْ كَانُوا صَادِقَيْنِ فِي إبَاحَةِ مَا أَخَذُوا مَا بَالُهُمْ لَا يُعْلِنُونَهُ أَمَامَ الْمَلأِ؟!

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنْ قُصُورِ النَّظَرِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ الرِّشْوَةَ لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مَالاً يَتَبَرَّعُ بِهِ شَخْصٌ لِآخَرَ، إِنَّ كُلَّ مَنْفَعَةٍ كَائِنَةٍ مَا كَانَتْ بُذِلَتْ لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أُخْرَى بِغَيْرِ حَقٍّ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الرِّشْوَةِ.

أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْيَهُودِ يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْهُمْ: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الْمَيْتَةِ جَمَلُوهَا وَأَذَابُوهَا، ثُمَّ بَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا».

وَيَقُولُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا.

وَيَقُولُ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ السُّحْتُ بِالْهَدِيَّةِ.

وَإِنَّ هَذِهِ الدَّولَةَ المُبَارَكَةَ: المَمْلَكَةَ العَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ تُحارِبُ هَذا المَرَضَ، فأنشأَتْ هَيئَةً تَخَصَصَتْ في مُكَافَحَتِهِ، فَلا تَسْكُتُوا عَنْ أَيِّ رَاشٍ أَو مُرْتَشٍ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُم مُشَارَكَةٌ لَهُمْ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوهُ فِي سِرِّكُمْ وَعَلَانِيَتِكُمْ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة