مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 19:29:09

تعامل النبي ﷺ مع الأطفال

تعامل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الأطفال

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وًعُدَّةُ الزَّمَانِ بَعْدَ اللهِ هُمْ شَبَابُ الْإِسْلَامِ وَالنَّاشِئُونَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ، لَا تَكَادُ تُعْرَفُ لَهُمْ نَزْوَةٌ أَوْ يُعْهَدُ مِنْهُمْ صَبْوَةٌ يَتَسَابَقُونَ فِي مَيَادِينِ الصَّالِحَاتِ.

أُولَئِكَ لَهُمُ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ فِي الْآَخِرَةِ، يُظِلُّهُمُ اللهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ سُبْحَانَهُ، فِي الْحَدِيثِ النَبَوِيِّ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «شَابّاً نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللهِ».

عِبَادَ اللهِ: لَئِنْ تَطَلَّعَتِ الْأُمَّةُ لِإِصْلَاحِ نَاشِئَتِهَا وَرَغِبَتْ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهَا بِصَلَاحِهِمْ فَعَلَيْهَا أَنْ تَهْتَمَّ بِتَرْبِيَتِهِمْ، وَتَسْلِيحِهِمْ بِسِلَاحِ الْإِيمَانِ، وَتَحْصِينِهِمْ بِدُرُوعِ التَّقْوْى، وَأَخْذِهِمْ بِجِدِّ وَقُوَّةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

إِنَّ الْعِنَايَةَ بِالنَّشْءِ مَسْلَكُ الْأَخْيَارِ وَطَرِيقُ الْأَبْرَارِ، وَلَا تَفْسَدُ الْأُمَمُ إِلَّا حِينَ يَفْسَدُ أَجْيَالُهَا النَّاشِئَةُ، وَلَا يَنَالُ مِنْهَا الْأَعْدَاءُ إِلَّا حِينَ يَنَالُونَ مِنْ شَبَابِهَا وَصِغَارِهَا.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الشَّابَّ فِي فَتَرَاتِ تَكْوينِهِ يُمِرُّ بِمَرَاحِلَ، كُلُّ مَرْحَلَةٍ أَهَمُّ مِنَ الْأُخْرَى، أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ تِلْكَ الْمَرَاحِلِ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ، فَهِيَ السِّنُّ الَّذِي يَتَعَرَّفُ فِيهِ الطِّفْلُ عَلَى مَجْرَيَاتِ الْحَيَاةِ، فَيَعْرِفُ الصَّحِيحَ، وَيَعْرِفُ الْخَطَأَ، وَيَعْلَمُ الصَّوَابَ، وَيَتَعَوَّدُ عَلَى الْغَلَطِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».

لِهَذَا كَانَتْ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ مِنْ أَخَطَرِ الْمَرَاحِلِ، وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُعْنَوْنَ بِأَبْنَائِهِمْ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ، يُعَلِّمُونَهُمْ وَيُنَشِّئُونَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَيُبْعِدُونَهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَيَخْتَارُونَ لَهُمِ الْمُعَلِّمِينَ الصَّالِحِينَ وَالْمُرَبِّينَ وَالْحُكَمَاءَ وَالْأَتْقِيَاءَ.

عِبَادَ اللهِ: مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَيِّدُ وَلَدِ آَدَمِ وَأَعْظَمُ النَّاسِ مَكَانَةً هُوَ الْقُدْوَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَقَدْ رَاعَى الْأَطْفَالَ وَاهْتَمَّ بِأَمْرِهِمْ.

أَلَا فَلْيَقْتَدِ بِذَلِكَ النَّاصِحُونَ، لَمْ يَكُنْ يَتَضَجَّرُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا يَغْضَبُ مِنْهُمْ، إِنْ أَخْطَؤُوا دَلَّهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ، وَإِنْ أَصَابُوا دَعَا لَهُمْ.

وَإِلَيْكُمْ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ نَمَاذِجُ مِنْ مُعَامَلَتِهِ لِأَطْفَالِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ:

رَوَى الْإمَامُ أَحَمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَنَّا نَصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا مِنْ خَلْفِهِ أَخْذاً رَفِيقاً وَوَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى السُّجُودِ عَادا إِلَى ظَهْرِهِ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ أَقَعَدَ أَحَدَهُمَا عَلَى فَخْذَيْهِ.

يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرُدُّهُمَا؟ فَبَرِقَتْ بَرْقَةٌ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهُمَا: «الْحَقَا بِأُمِّكُمَا» فَمَكَثَ ضَوْؤُهَا حَتَّى دَخَلَا.

وَعَنْ أَمِّ خَالِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَعَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرَةٌ، وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «سَنَهْ سَنَهْ» أي: حَسَنٌ حسَنٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي» فَعُمِّرَتْ أَمُّ خَالِدٍ بَعْدَ ذَلِكَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَلَمَّا جَاءَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَحَمَلَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضْحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

وَتَقُولُ أُمُّ الْفَضْلِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: بَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي ثَوْبَكَ وَالْبَسْ ثَوْباً غَيْرَهُ حَتَّى أَغَسِلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ.

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُلَاعِبُ الْأَطْفَالَ، وَيَمْشِي خَلْفَهُمْ أَمَامَ النَّاسِ، وَكَانَ يُقَبِّلُهُمْ وَيُضَاحِكُهُمْ.

رَوَى الْإِمَامُ أَحَمْدُ وَابْنُ مَاجَةَ وَالْبُخَارِيُّ فِي "الْأدَبِ الْمُفْرَدِ" عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَدْ دُعِينَا إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَمَامَ الْقَوْمِ ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَطَفِقَ الْغُلَامُ يَفِرُّ هَا هُنَا وَيَفِرُّ هَا هُنَا، وَرَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَلْحَقُهُ يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقَنِهِ وَالْأُخْرَى فِي رَأْسِهِ ثُمَّ اعْتَنَقَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ».

وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ هَاتَانِ وَبَصَرَتْ عَيْنَايَ هَاتَانِ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً بِكَفَّيِ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ، وَقَدَمَاهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَرَسُولُ اللهِ يَقُولُ «ارْقَهْ ارْقَهْ» قَالَ: فَرَقَى الْغُلَامُ حَتَّى وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِ رَسُولِ الله ِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «افْتَحْ فَاكَ» ثُمَّ قَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَحِبَّهُ فَإِنِّي أُحِبُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأدَبِ الْمُفْرَدِ" وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ".

وَجَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَرَآَهُ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «نَعَمْ» فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِداً مِنْهُمْ قَطُّ، فَقَالٌ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ عِنَايَةِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَطْفَالِهِ أَن أَلْقَى لَهُمْ بَالَهُ حَتَّى أَثْنَاءِ تَأْدِيَتِهِ لِلْعِبَادَةِ، يَقُولُ أَبُو قَتَادَةَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَكَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ تَجَوَّزَ فِيهَا مَخَافَةَ الشَّفَقَةِ مِنْ أُمِّه،. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَخْطُبُ ذَاتَ يَوْمٍ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15] نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ فَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» ثُمَّ أَكْمَلَ خُطْبَتَهُ، رَوَاهُ أهْلُ السُّنَنِ.

عِبَادَ اللهِ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهَذِهِ مُعَامَلَتُهُ لِأَطْفَالِهِ، أَتَرَوْنَهُ يُهْمِلُ تَعْلِيمَهُمْ؟! رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَاماً فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ   وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» وَلَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ أَنْ يَأْكُلَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «كَخْ كَخْ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ؟».

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَيَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ».

إِنَّ عِنَايَةَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَسْتَمِرُّ مَعَهُمْ حَتَّى بَعْدَ بُلُوغِهِمْ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، يَقُولُ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كَانَتْ فَاطِمَةُ بَنَتُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عِنْدِي، وَكَانَتْ أَحَبَّ أهْلِهِ إِلَيْهِ، فَجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا، وَقّمَّتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا، وَأَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ، فَسَمِعَنَا أَنَّ رَقيقًا أُتِيَ بِهُمِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادِماً يَكْفِيكِ، فَأَتَتْهُ فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ نَاساً فَاسْتَحْيَتْ فَرَجَعَتْ، يَقُولُ عَلِيٌّ: فَغَدَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ اللَّيْلِ وَنَحْنُ فِي لِفَاعِنَا ـ أَيْ: لِحَافَنَا ـ قَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ، فَقَالَ: «مَكَانَكُمَا» ثُمَّ جَلَسَ بَيْنَنَا، وَأَدْخَلَ قَدَمُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ فَاطِمَةَ، وَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَأَدْخَلَتْ فَاطِمَةُ رَأْسَهَا فِي اللِّفَاعِ حَيَاءً مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ: «مَا كَانَ حَاجَتُكِ أَمْسِ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ؟» فَسَكَتَتْ.

فَقُلْتُ: أَنَا وَاللهِ أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ جَرَّتْ عِنْدِي بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا، وَكَسَحَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا، وَخَبَزَتْ حَتَّى تَغَيَّرَ وَجْهُهَا وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَاكَ رَقيقٌ فَقُلْتُ: سَلِيهِ خَادِماً.

فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَوَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مَنْ خَادِمٍ؟! إِذَا أَوَيُتْمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا: فَسَبِّحَا اللهَ ثلاثاً وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ.

أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَرَاقِبُوهُ فِيمَا تَحْتَ أَيْدِيكُمْ وَمَا اسْتَرْعَاكُمُ اللهُ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآَنِ وَالسُّنَةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً، طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوْا اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِهَؤُلَاءِ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ فِتْنَةً لَكُمْ، فَإِمَّا قُرَّةُ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِمَّا حَسْرَةٌ وَنَدَمٌ وَنَكَدٌ، وَإِنَّ مِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ فِيهِمْ: أَنْ تَقُومُوا بِمَا أَوَجَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ رِعَايَتِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ بِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، وَتَنْشِئَتِهِمْ تَنْشِئَةً صَالِحَةً.

عِبَادَ اللهِ: الْأَطْفَالُ هُمْ حَيَاةُ الْبُيُوتِ، بَيْتٌ لَا أَطْفَالَ فِيهِ بَيْتٌ فِيهِ نَقْصٌ، إِنَّهُمْ   ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ يَمْلَؤُونَ الْبَيْتَ إِزْعَاجاً، وَلَكِنَّهُمْ يَمْلَؤُونَهُ فَرَحاً وَسُرُوراً، يَمْلَؤُونَهُ فَوْضًى، وَلَكِنَّهُمْ يَمْلَؤُونَهُ ضَحِكاً وَابْتِهَاجاً، سُئِلَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: مَنْ أَحَبُّ وَلَدِكَ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: صَغِيرُهُمْ حَتَّى يَكْبُرَ، وَمَرِيضُهُمْ حَتَّى يَبْرَأَ، وَغَائِبَهُمْ حَتَّى يَحْضُرَ.

عِبَادَ اللهِ: شُعُورٌ يُحِسُّ بِهِ الْوَالِدُ حِينَ يَرَى صَغَارَهُ أَمَامَهُ، وَيَتَذَكَّرُ قَوْلَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» وَيَرَى مَا هُوَ فِيهِ وَمَا مَرَّ بِهِ مَنْ فِتَنٍ لَا يَثْبُتُ فِيهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، وَمَاذَا بَعْدَهُ؟ أَوْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى وِقَايَتِهِ مِمَّا أَمَامَهُ؟

أَلَا فَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ ثَمَّةَ أُمُوراً جَعَلَهَا اللهُ مِنْ فِعْلِ الْأَبِ وَتَنْفَعُ الِابْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْأُمُورِ صَلَاحُ الْوَالِدِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِحِفْظِ اللهِ      ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لِأَبْنَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82] يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ: حَفِظَهُمَا اللهُ بِصَلَاحِ وَالِدِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ لِلْوَلَدَيْنِ صَلَاَحاً.

وَإِنَّ اللهَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إِذَا أَدْخَلَ الْمُؤْمِنَيْنِ الْجَنَّةَ يُلْحِقُ بِالْآبَاءِ أَبْنَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُمْ فِي الْعَمَلِ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21].

يَقُولُ اِبْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ كَيْ تَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ: «إِنَّ اللهَ لَيَحْفَظُ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَفِي دَارِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ حَوْلَهُ».

عِبَادَ اللهِ: لَا يَغَلِبَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى بَابٍ آخَرَ مَفْتُوحٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ دُعَاءُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، فَقَدْ صَحْ عَنْهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ           ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ» وَذَكَرَ مِنْهُنَّ «دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» وَلَقَدْ كَانَ دَأْبُ الْأَنْبِيَاءِ ـ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ـ الدَّعْوَةَ لِأَبْنَائِهِمْ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40] وَقَالَ هُوَ وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128] وَقَالَ زَكَرِيَّا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38].

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْمَلُوا صَالِحاً، وَسِيرُوا عَلَى النَّهْجِ، وَأَصْلِحُوا النَّشْءَ تَسْعَدُوا فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ وَفَاتِكُمْ.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آَلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة