الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
عِبَادَ الله: أَوْجَبُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْعَبْدِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَمَعْرِفَةُ مَا يُضَادُّهُ مِنَ الشِّرْكِ، ذَاكَ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الْقَاعِدَةُ وَالْأَصْلُ وَالْأَسَاسُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلاً إِلَّا بِهِ، وَيَغْفِرُ لِمَنْ أَتَى بِهِ إِنْ شَاءَ، وَلَا يَغْفِرُ لِمَنْ نَاقَضَ التَّوْحِيدَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
وَلِهَذَا لِمَّا اشْتَمَلَتْ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ عَلَى إِقْرَارِ التَّوْحِيدِ وَنَفْيِ الشِّرْكِ كَانَتْ أَفْضَلَ الْكَلَامِ وَأَعْظَمَهُ، وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآَنِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] وَيَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاُودَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
لَا يَسْتَقِيمُ تَوْحِيدُ عَبْدٍ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الشِّرْكِ ثُمَّ الْحَذَرِ مِنْهُ، وَهَذَا الْقُرْآَنُ كُلُّهُ آمِرٌ بِالتَّوْحِيدِ وَمُحَذِّرٌ مِنَ الشِّرْكِ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالتَّمَسُّكُ بِهِ، وَمَعْرِفَةُ الشِّرْكِ وَالْحَذَرُ مِنْهُ، مَصْلَحَتُهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ لَا إِلَى غَيْرِهِ، هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِالتَّوْحِيدِ كَمَا أَنَّهُ الْمُتَضَرِّرُ بِالشِّرْكِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8] ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].
لَا نَجَاةَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَلَا فَوْزَ إِلَّا بِالتَّمَسُّكِ بِسَبِيلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
عِبَادَ اللهِ: لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَأَمَرَ قَوْمَهُ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ للهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] وَقَال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] .
وَلَقَدْ كَتَبَ اللهُ عَلَى مَنْ خَالَفَ هَذَا النَّهْجَ وَأَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ أَنْ كَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَفْظَعَ عُقُوبَةٍ وَأَعْظَمَهَا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72].
عِبَادَ اللهِ: إِمَامُ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ الَّذِي قَالَ اللهُ عَنْهُ: ﴿إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].
خَافَ الشِّرْكَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
أَعْظَمُ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ هُمْ أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ؛ وَلِهَذَا اخْتَارَهُمْ لِحَمْلِ أَفْضَلِ أَمْرٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ، غَيْرَ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَا تَنْفَعُهُمْ شَيْئاً إَذَا أَخَلُّوا بِجَنَابِ التَّوْحِيدِ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65].
أَيُّهَا النَّاسُ: أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ كَيْفَ عَظَمَتُهَا، كَيْفَ قَامَتْ بِدُونِ عَمَدٍ أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْأَرْضَ كَيْفَ اسْتَوَتْ بِهَذِهِ الْأَوْتَادِ.
أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْجِبَالَ وَعُلُوَّهَا وَعَظَمَتَهَا، مَا مَالَتْ وَلَا سَقَطَتْ مُنْذُ أَنْ خَلَقَهَا اللهُ كُل ُّهَذِهِ الثَّلَاثَةِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ يَخْتَلُّ نِظَامُهَا وَتَهْتَزُّ أَرْكَانُهَا وَيَفْسَدُ أَمْرُهَا إِذَا وَقَعَ فِي الْأَرْضِ أَمْرٌ يُخَالِفُ فِطْرَةَ اللهِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22].
وَاقْرَؤُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَأَمَّلُوهُ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90].
أُمُورٌ فَظِيعَةٌ تَقَعُ، مَا سَبَبُهَا؟ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 91-92].
حِينَ وُصِفَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِالْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ وَالنَّقْصِ، فَوُصِفَ بِالْوَلَدِ، وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَلَدِ إِلَّا الضَّعِيفُ؟! لَمَّا قِيلَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ مَجْرَى الْكَوْنِ.
لِهَذَا اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو أَبَداً مِنْ مُوَحِّدٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ».
فَإِذَا خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ مُوَحِّدِينَ آنَ لِلْوَضْعِ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَلِلسَّاعَةِ أَنْ تَقُومَ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: الله الله».
عِبَادَ اللهِ: لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ جَاءَ الْإِسْلَامُ مَانِعاً مِنْ كُلِّ مَا يَكُونُ سَبَباً لِلْإِشْرَاكِ بِاللهِ، لَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَى اللهِ، لَا نَذْبَحُ إِلَّا لَهُ، لَا نَنْذُرُ إِلَّا لَهُ، لَا نَدْعُو إِلَّا إِيَّاُه، لَا نَطْلُبُ الْعَوْنَ إِلَّا مِنْهُ.
مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَلِذَا لَمَّا سَمِعَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَجُلاً يَحْلِفُ بِأَبِيهِ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآَبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».
عِبَادَ اللهِ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلْمَرَضِ وَالسِّقَمِ، فَأُمِرْنَا ِبالتَّدَاوِي وَلَكْنْ نُهِينَا عَنْ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُحَرَّمَةِ، لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ علَى يَدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ قَالَ لَهُ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ ـ نَوْعٌ مِنَ الْمَرَضِ ـ قَالَ: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْناً، إِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَداً» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
بَلْ لَقَدْ تَعَدَّى الْأَمْرُ ذَلِكَ، فَلَمْ يُبَايِعِ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ شخْصاً ارْتَكَبَ مِثْلَ هَذَا الذَّنْبِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنِّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا! قَالَ: «إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةٌ» فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثُمَّ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ».
وَإِلَّا فَأَيُّ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ مِنْ خُيُوطٍ تُرْبَطُ أَوْ خَرَزٍ يُجْمَعُ أَوْ حَلْقَةٍ تُوضَعُ فِي الْيَدِ أَوِ الرِّجْلِ أَوْ حُجُبٍ أَوْ حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ؟! كُلُّ ذَلِكَ شِرْكٌ وَضَلَالٌ وَفَسَادٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْعُقُولِ.
عِبَادَ اللهِ: جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى أَصْحَابِ الْعِلَاجِ وَالْأَطِبَّاءِ غَيْرَ أَنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْماً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد َوَالتَّرْمِذِيُّ.
نُهِينَا عَنِ التَّشَاؤُمِ بِالْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ أَوِ التَّشَاؤُمِ مَنَ الْمَرْضَى أَوِ الطُّيُورِ فِي الصَّحَيحَيْنِ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ».
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ» وَفِيهِ أَيْضاً لَمَّا ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِماً، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ هِيَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ صَغِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا عِنْدَ اللهِ كَبِيرَةٌ.
عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: يُوشِكُ أَنْ يُنْقَضَ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إَذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ.
وَيَقُولُ حُذَيْفَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ أَقَعَ فِيهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ فِي كُلِّ مَا تَأْتُونَ وَمَا تَذَرُونَ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآَن ِالْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُوَحِّدِينَ بِالْجَنَّةِ، وَتَوَعَّدَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّارِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَمَى جَنَابَ التَّوْحِيدِ عَنْ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِهِ وَيَشِينُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، شَرُّ الْبَلِيَّةِ ضَلَالٌ بَعْدَ الْهُدَى، وَعَمًى بَعْدَ الْبَصِيرَةِ، وَغَيٌّ بَعْدَ رَشَادٍ، وَلَقَدْ خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ يَمِيلُونَ بِفِطَرِهِمْ إِلَى التَّوْحِيدِ دِينِ الْفِطْرَةِ، فَانْحَازَتِ الشَّيَاطِينُ بِفَرِيقٍ مِنْهُمْ وَحَوَّلُوهُمْ عَنِ الْهُدَى، وَانْحَرَفُوا بِهِمْ عَنْ مَسْلَكِ الرَّشَادِ يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي زَيَّنَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَأَوْقَعُوا فِيهِ ذَوِي الْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ مَنَ الْإِنْسِ الْغُلُوَّ فِي الصَّالِحِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ فِي قَالِبِ مَحَبَّتِهِمْ وَالسَّيْرِ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ أَوِ التَّبَرُّكِ بِآَثَارِهِمْ، إِنَّ الشِّرْكَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ لَا يَقَعُ فِي الْأَرْضِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَقَعُ شَيْئاً صَغِيراً ثُمَّ يَكْبُرُ، وَانْظُرُوا إِلَى قَوْمِ نُوحٍ، يَقُولُ اللهُ عَنْهُمْ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [نوح: 23] فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ هُمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، لَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصُبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَاباً وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِيَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ.
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قبْلَ مَوْتِهِ مِنْ أُمُورٍ خَشْيَةَ أَنْ تَقَعَ فِي أُمَّتِهِ، رَوَى ابْنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا َعْبٌد فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَرَضُ جَعَلَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» بَلْ لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ الْغُلُوِّ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ فَقَالَ «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ».
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وَرَاءَكُمْ جَنَّةً وَنَاراً، وَأَنَّ أَفْضَلَ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَوْحِيدُ اللهِ، وَأَنَّ أَشْنَعَ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ الْإِشْرَاكُ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَ اللهَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى نَبِيِّ الْهُدَى وَإِمَامَ الْوَرَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.