الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتُّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى؛ فَإِنَّهَا خَيْرُ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا رَجُلٌ أَخَاهُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3] .
عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45] إِنَّ أَعْظَمَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ هِيَ الصَّلاَةُ، وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ، هِيَ شِعَارُ الْمُوَحِّدِينَ، هِيَ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ اْلِإسْلَامِ وَالْكُفْرِ.
عِبَادَ اللهِ: مَا بَلَغَتِ الصَّلَاةُ هَذِهِ الْمَكَانَةُ إِلَّا لِمَا امْتَازَتْ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ فَلَقَدْ خَصَّ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ الصَّلَاةَ ـ بِأُمُورٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ:
فَمِنْ ذَلِكَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَمِنَ اللهِ مُبَاشَرَةً بِدُونِ وَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، أَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ جِبْرِيلُ فِيهَا وَاسِطَةُ بَيْنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
الصَّلَاةُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ يُؤْمَرُ بِهَا كُلُّ مُسْلِمٍ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا تَسْقُطُ عَنِ الْبَالِغِ سَفَراً وَلَا مَرَضاً، وَلَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، أَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَلَا تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَالصَّوْمُ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْقَادِرِ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ وَبَلَغَ نِصَاباً، وَالْحَجُّ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُسْتَطِيعِ.
عِبَادَ اللهِ: مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا هِيَ آخِرُ مَا يُرْفَعُ مِنَ الدِّينِ كَمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
الصَّلَاةُ هِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.
اخْتُصَّتِ الصَّلَاةُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِأَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَوْ كَانَ تَرْكاً مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ، أَمَّا الْعِبَادَاتُ غَيْرُهَا فُلَا يُكَفَّرُ تَارِكُهَا إِلَّا بِالْجُحُودِ، يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاة مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ».
وَيَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ: مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ.
مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّهَا عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، يَقُولُ اللهُ عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39] وَيَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 54-55].
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي قِصَّةِ كَذَبَاِت إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ قَالَ رَسُول ُاللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «وَبَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ هَذِه ِأخُتْيِ، فَأَتَى سَارَةَ وَقَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي عَنْكِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي.
فَأَرْسِلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ الْجَبَّارُ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعاَ بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونيِ بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا؟ قَالَتْ: رَدَّ اللهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا هِيَ قُرَّةُ عَيْنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَمْراً هَذَا صِفَتُهُ وَعِبَادَةً هَذِهِ فَضَائِلُهَا جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ حَلاًّ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاكِلِ وَمَفْزَعاً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُلِمَّاتِ، وَلَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقُولُ لِبِلَالٍ: «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ» مَا مِنْ مُشْكِلَةٍ إِلَّا وَالصَّلَاةُ حَلٌّ لَهَا:
إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ وَقَحَطَ الْمَطَرُ وَنَشِفَ الضَّرْعُ أُمِرْنَا أَنْ نَفْزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ.
إِذَا تَغَيَّرَ مَجْرَى الْكَوْنِ وَاخْتَلَّ نِظَامُهُ فَذَهَبَ نُورُ الشَّمْسِ، وَأَظْلَمَ الْقَمَرُ أُمِرْنَا أَنْ نَفْزَعَ إِلَى الصَّلَاةِ، فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «إِنّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آَيَتَانِ مِنْ آَيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا».
إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ وَغَادَرَ هَذِهِ الْحَيَاةَ وَابْتَدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً أُمِرْنَا أَنْ نُوَدِّعَهُ بِالصَّلَاةِ، إِذَا اضْطَرَبَتْ أُمُورُ الْمُؤْمِنِ وَضَاقَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ فَلَا يَدْرِي أَيَذْهَبُ أَمْ يَعُودُ أَيَفْعَلُ أَمْ يَتْرُكُ، أُمِرْنَا أَنْ نَلْجَأَ إِلَى الصَّلَاةِ.
فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعَلِّمُنَا الْاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ...» الدُّعَاءُ الْمَعْرُوفُ.
إِذَا نَامَ الْإِنْسَانُ فَفَزِعَ فِي نَوْمِهِ وَأَقْلَقَتْهُ أَحْلَامُ الشَّيْطَانِ أًمِرَ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى الصَّلَاةِ، فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مَرْفُوعاً: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهُا فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ».
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُبَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مَرْفوُعاً: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ».
إَذَا َقَدِمَ الْإِنْسَانُ مِنْ سَفَرٍ وَأَلْقَى رِحَالَهُ أُمِرَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لمَّا اشْتَرَى جَمَلَ جَابِرٍ وَهُمَا فِي سَفَرٍ أَمَرَهُ إِذَا وَصَلَ الْمَدِينَةَ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ.
إِذَا عَصَى الْمُؤْمِنُ رَبَّهُ وَأَخْطَأَ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ فَأَذْنَبَ ذَنْباً ثُمَّ نَدِمَ عَلَى فِعْلِهِ أُمِرْنَا أَنْ نَلْجَأَ إِلَى الصَّلاَةِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَةَ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135].
إِذَا تَعَرّضَ الْمُؤْمنُ لِلْقَتْلِ مِنَ الْكُفَّارِ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ صَدَّهُ عَنْ دِينِهِ سُنَّ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَمَّا اشْتَرَوْا خُبِيباً بْنَ عَدِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مِمَّنْ أَسَرُوهُ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى الْحِلِّ.
قَالَ لَهُمْ خُبِيبٌ: ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتَهُمَا، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً، ثُمَّ قَالَ:
فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، يَقُولُ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ خُبِيبٌ هُوَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً.
عِبَادَ اللهِ: أَيَسْتَبِيحُ مُسْلِمٌ لِنَفْسُهُ بَعْدَ أَنْ عَرِفَ أهَمِّيَّةَ الصَّلَاةِ وَفَضْلَهَا أَنْ يَتْرُكَهَا أَوْ يَتَهَاوَنَ بِهَا؟!
أَلَا فَلْيُبَشَّرْ فَاعِلُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتُبْ بِالْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِيمَا نُقُولُ وَنَسْمَعُ، وَجَعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ..
الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيراً كَمَا أَمَرَ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فِيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقَوْا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُقِيماً لِلصَّلَاةِ بِتَأْدِيَتِهِ لَهَا وَكَأَنَّهُ يُلْقِي حِمْلاً ثَقِيلاً عَنْ ظَهْرِهِ.
إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ الَّتِي أُمِرَ النَّاسُ بِهَا هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَأَدَاؤُهَا تَامَّةً كَامِلَةً بِأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ زَاجِرَةً لِلْمَرْءِ عَنِ الْمَعَاصِي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ : مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَعْظَمِ الْمَعَاصِي وَمِنْ أَفْحَشِ الذُّنُوبِ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، أَوِ النَّوْمَ عَنْهَا وَتَجَاهَلَ أَمْرِهَا، أَيَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ يَضِيعَ دِينُهُ بِإِضَاعَتِهِ لِلصَّلَاةِ؟!
إِنَّ الْمُؤْمِنَ اللَّبِيبَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةِ مَبْدَأً لِتَنْظِيمِ حَيَاتِهِ، لَا أَنْ يَجْعَلَ أَوْقَاتَهُ طَاغِيَةً عَلَى وَقْتِ الصَّلَاَةِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آَخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ عَلَى رَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى، قَالَ قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللهِ، مَا هَذَانِ؟ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا».
ثُمَّ ذَكَرَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنْوَاعاً مِنْ أَقْوَامٍ يُعَذَّبُونَ، ثُمَّ لَمَّا انْتَهَيَا قَالَ لَهُمَا الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَقَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةَ عَجَباً، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟» قال: «فَقَالَا لِي: أَمَّا الرُّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أّتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآَنَ وَيَرْفُضُهُ، وَالرَّجُلُ يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ».
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ لَتَشْتَكِي مِنْ هِجْرَانِ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ لَهَا.
أَلَا فَلْيَتَّقِ اللهَ امْرُؤٌ خَافَ عَذَابَ اللهِ، أَلَا فَلْيَتَّقِ اللهَ امْرُؤٌ يَخَافُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ النَّارِ، أَلَا فَلْيَتَّقِ اللهَ امْرُؤٌ عَاقِلٌ عَرَفَ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ أَيَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ تُدْرِكَهُ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فَلَا يُؤَدِّيهَا إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا أَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَالنَّاسُ فِي تَسَابُقٍ إِلَيْهَا؟!
عِبَادَ اللهِ: الصَّلَاةُ شِعَارُ الْأَعْمَالِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يُحَافِظُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَمَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا مِنَ الْأَعْمَالِ أَشَدُّ تَضْيِيعاً.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].