مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:03:43

ملك يُودَّع وملك يُبَايَع

ملك يُودَّع وملك يُبَايَع

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ.

أَعْظَمُ الْوَصَايَا ِهَي الْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ، فَلَا فَلَاحَ وَلَا صَلَاحَ لِلنَّاسِ إِلَّا بِتَقْوَى اللهِ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

أَيُّهَا النَّاسُ: الْحَيَاةُ الدُّنْيَا سَائِرَةٌ وَمَاضِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، لَا يَضُرُّهَا أَحْدَاثٌ أَوْ مُتَغَيِّرَاتٌ، فَهَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى عِظَمِهَا وَكِبَرِهَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مُتَغَيِّرَاتِ الْحَيَاةِ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ».

لَكِنْ مَتَى مَا أَخَلَّ النَّاسُ بِأَمْرٍ هُوَ عِمَادُ حَيَاتِهِمِ الدُّنْيَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْهُمْ كُلُّ مَا كَانُوا يَجِدُونَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ نَعِيمٍ.

التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ وَالْعَقِيدَةُ الصَّافِيَةُ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، فَمَا قَامَتِ السُّمُوَّاتُ وَالْأرْضُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ مَا خُلِقُوا إِلَّا لِأَجْلِهِ، إِنَّهُ تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ للهِ وَحَدَهُ، وَالْبَرَاءةُ مِنَ الشِّرْكِ كُلِّهُ أُصولِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ.

حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ قِيَامَ السَّاعَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ فَعَسَى اللهُ أَنَّ يَتَجَاوَزَ عَنْ صَاحِبِهِ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا مَعَ اللهِ غَيْرَهُ.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116] ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

عِبَادَ اللهِ: مَا بُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى أُمُورِ الدُّنْيَا أَوِ الرَّكْضِ وَرَاءَ حُطَامِهَا، إِنَّمَا بُعِثَ لِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109].

عَلَى هَذَا سَارَ جَمِيعُ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ إِلَى أَنْ خَتْمَهُمُ اللهُ بِمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الَّذِي كَانَ دِينُهُ خَاتِمَ الْأَدْيَانِ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ كِتَاباً مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ للهِ وَحَدَهُ، وَيَنْهَى عَنِ الشِّرْكِ بِكُلِّ صُوَرِهِ وَأَشْكَالِهِ.

وَإِنَّ النَّاظِرَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي سِيرَةِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَرَاهُ مِنْ مُبْتَدَأِ حَيَاتِهِ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ وَهُوَ يُحَامِي عَنْ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ، وَيُطَهِّرُهَا مِنْ كُلِّ مَا يُدَنِّسُهَا أَوْ يُلَوِّثُهَا، تَنَازَلَ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ مُرَاعَاةً لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَنَازَلْ أَوْ يَتَهَاوَنْ فِي أَمْرِ التَّوْحِيدِ.

﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64].

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَفِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهْناً، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» وَسَمِعَ رَجُلاً يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: «لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتَ» أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" .

وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

وَلَمَّا كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي طَرِيقِهِ قَافِلاً مِنْ حُنَيْنٍ، مَرَّ بِشَجَرَةِ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتْهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولِ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «اللهُ أَكْبَرُ هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»  رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.

وَهَكَذَا مَا تَرَكَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَاباً يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ إِلَّا أَغَلَقَهُ وَزَجَرَ عَنْهُ، لَكِنْ كُلَّمَا قَلَّ فِي النَّاسِ الْعِلْمُ، وَقَلَّ تَمَسُّكُهُمْ بِهَدْيِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كُلَّمَا كَانَ الْخَلَلُ وَالزَّيْغُ، وَإِنَّ مِنْ أكْبَرِ مَا يَجرِفُ النَّاسَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ وَيُقَرِّبُهُمْ مِنَ الْخَطَلِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ عَوَارِضِ الدُّنْيَا، لِذَلِكَ أُثِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ يُخِلُّونَ بِالتَّوْحِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَيَّامِ فَرَحِهِمْ وَأَيَّامِ حُزْنِهِمْ.

وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الْعَاقِلَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْمُصِيبَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَجْنُونُ فِي شَهْرٍ.

نَعَمْ، إِنَّ النَّاسَ حَالَ فَرَحِهِمْ أَوْ حَالَ حُزْنِهِمْ تَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْعَوَاطِفِ وَالْمَشَاعِرِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا بَنُو الْبَشَرِ مَا يُغْلِقُ عَلَى أَفْهَامِهِمْ أَوْ يُنْسِيهِمْ صَوَابَهُمْ فَيَغْضُّوا الطَّرَفَ عَنْ أُمُورٍ قَدْ تُخِلُّ بِعَقِيدَتِهِمْ، أَوْ يَرْتَكِبُوا أَمُوراً قَدْ تَكُونُ بِدَايَةً لطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الشَّرَكِ.

وَأَوْضَحُ مِثَالٍ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قِصَّتَانِ مِنْ سِيرَةِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَنْسٍ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: مَرَّ الْنَبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرِ صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ: «اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمِثْلِ مُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَتَتْ إِلَيْهِ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّمَا الْصَبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى».

وَلَمَّا أَحَسَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِقُرْبِ أَجَلِهِ خَافَ عَلَى النَّاسِ الشِّرْكَ، تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ  ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا فَقَالَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرَهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً، وَيَقُولُ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ يَقُولُ : «أَلَا إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

لَقَدْ خَافَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ يَجُرَّ حُزْنُ الصَّحَابَةِ عَلَى وَفَاتِهِ إِلَى الْغُلُوِّ فِيهِ، وَإِنْزَالِهِ فَوْقَ قَدْرِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ.

وَلِذَلِكَ فَقَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَمَا فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ بَعْدَ فَجِيعَةِ الصَّحَابَةِ بِوَفَاةِ نَبِيِّ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا أَكبَرُ شَاهِدٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ عِنْدَ الْفَوَاجِعِ وَالْمَصَائِبِ.

فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللهِ مِنْ هَوْلِ مَا أَصَابَهُمْ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيَّ لَا يَمُوتُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] يَقُولُ الرَّاوِي: فَوَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَأَخَذَ النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: هَكَذَا ينبغي أَنْ نَكُونَ عِنْدَ وَفَاةِ الْعُظَمَاءِ مِنْ حُكَّامٍ وَعُلَمَاءٍ، وَإِنَّ مَا أُصِيبَتْ بِهِ هَذِهِ الْبِلَادُ مِنْ وَفَاةِ إمَامِهَا لَهُوَ فَاجِعَةٌ كَبِيرَةٌ   وَمُصَابٌ جَلَلٌ يُحِسُّ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ.

لَكِنَّ عَزَاءَنَا أَنَّنَا أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ لَهَا كِتَابٌ وَسُنَّةٌ لَا يَحْمِلُنَا حُزْنُنَا عَلَى أَنْ نَقَعَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَيْنَا، فَهَا هُو قَدْ مَاتَ وَوَدَّعَتْهُ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً، شَاهِدَةً لَهُ بِمَا قَدَّمَ، دَاعِيَةً لَهُ بِحُسْنِ الْوِفَادَةِ عَلَى رَبِّهِ، لَمْ يَحْمِلْنَا حُبُّنَا لَهُ أَنْ نَرْفَعَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ الَّذِي لَهُ.

فَلَسْنَا أَشَدَّ حُبّاً مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِرَسُولِ اللهِ      ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا لَنَا أَنَّ نَفْعَلَ شَيْئاً يَكْرَهُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَلَقَدْ قَالَ           ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ وَتَغْلِيظٍ فِي الْعِبَارَةِ مَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «ثِنْتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» يَقُولُ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ: مَعْنَاهُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ قَائِمَتَانِ بِالنَّاسِ لِا يَسْلَمُ مِنْهُمَا إِلَّا مَنْ سَلَّمَهُ اللهُ وَرَزَقَهُ عِلْماً وَإِيمَاناً يَسْتَضِيءُ بِهِ، وَانْظُرُوا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَوَعَّدَ اللهُ بِهَا النَّائِحَةَ عَلَى الْمَيِّت، وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمَا هَذِهِ الْعُقُوبَةُ إِلَّا لِأَنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدِرِهِ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ مِنَ الْمَطَالِبِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَكِيدَةِ الصَّبْرَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، يَقُولُ اللهُ سَبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157] وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لِمَا يُرْضِيهِ، وَجَنَّبَنَا جَمِيعًا أَسْبَابَ سَخَطِهِ وَمَعَاصِيهِ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة