مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:08:27

الأمر بالعلاج والتداوي

الأمر بالعلاج والتداوي

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتَّقُوا اللهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الْمُلْتَجَأُ عِنْدَ الْبَلَايَا، وَهِيَ السُّلْوَانُ عِنْدَ الْهُمُومِ وَالرَّزَايَا.

عِبَادَ اللهِ: الْإِنْسَانُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ أَغْلَى ثَرْوَةٍ وَأَكْرَمُ مَخْلُوقٍ، يُجِلُّهُ وَيَحْتَرِمُهُ وَيَصُونُهُ وَيَحْفَظُهُ، وَيَعْمَلُ لِنُمُوِّهِ وَكَمَالِهِ، وَعَلَى حَقْنِ دَمِهِ، وَبَقَاءِ نَوْعِهِ وَنُضُوجِ عَقْلِهِ، وَتَقَدُّمِ وَعْيِهِ، وَبُلُوغِهِ مِنَ الرُّقِيِّ وَالتَّقَدُّمِ الْحُدُودَ الْمُمْكِنَةَ وَالْمُسْتَطَاعَةَ لِيَكُونَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.

وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ هَدَفٌ لِلْبَلَايَا وَالْمِحَنِ، وَلَا يَخْلُو حَيٌّ مِنْ نَكَدٍ، وَلَا يَصْفُو وَقْتٌ مِنْ كَدَرٍ، وَمِحَنُ الْحَيَاةِ وَشَدَائِدُهَا امْتِحَانٌ وَاخْتِبَارٌ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَعَلَيْهِ السَّخَطُ: ﴿آلم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3] وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إَنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ».

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ فِي حَيَاتِهِ: الِابْتِلَاءُ بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ.

النَّاسُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مُجْمِعُونَ إِجْمَاعاً لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الصِّحَّةَ تَاجٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْمَرْضَى.

الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ نِعْمَةٌ مَغْبُونٌ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ الْمَرَضَ مُنْتَشِرٌ بَيْنَ بَنِي آدَمَ انْتِشَارَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ، لَا يَخْلُو مِنْهُ زَمَانٌ وَلَا يَسْلَمُ مِنْهُ عَصْرٌ بَلْ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ؛ بَلْ إِنَّ الْوَاحِدَ إِنْ سَلِمَ مِنْ شِدَّةِ مَرَضٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ رَشَاشِهِ الْمُتَنَاثِرِ هُنَا وَهُنَاكَ.

الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ مَرَارَةٍ وَثِقَلٍ وَاشْتِدَادٍ وَعَرْكٍ، إِلَّا أَنَّ الْبَارِيَ ـ جَلَّ شَأْنُهُ ـ جَعَلَ لَهَا حِكَماً وَفَوَائِدَ كَثِيرَةً، عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا.

وَلَقَدْ أَحْصَى الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ "شِفَاءِ الْعَلِيلِ" مَا لِلْمَرَضِ مِنْ فَوَائِدَ وَحِكَمٍ فَزَادَتْ عَلَى مِائَةِ فَائِدَةٍ، وَقَالَ ـ رَحِمَهُ الله ـ : انْتِفَاعُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ بِالْآلَامِ وَالْأَمْرَاضِ أَمْرٌ لَا يُحِسُّ بِهِ إِلَّا مَنْ فِيهِ حَيَاةٌ، فَصِحَّةُ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى آلَامِ الْأَبْدَانِ وَمَشَاقِّهَا ا.هـ.

وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ فَإِنَّ الْمَرَضَ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ، وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَلَكِنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِي الثَّمَرَةِ.

يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ: إِنَّكُمْ تَرَونَ الْكَافِرَ مِنْ أَصَحَّ النَّاسِ جِسْماً وَأَمْرَضِهِمْ قَلْباً، وتَلْقَوْنَ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ قَلْباً وَأَمْرَضِهِمْ جِسْماً، وَايْمُ اللهِ لَوْ مَرِضَتْ قُلُوبُكُمْ وَصَحَّتْ أَجْسَامُكُمْ لَكُنتُمْ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلَانِ.

وَدَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ الله ُكَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَباً، وَإِنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلَا لِمَ أُرْسِلَ.

وَبَعْدُ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْمَرَضِ عَجْزاً وَكَسَلاً.

لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِالْعِلَاجِ وَالْأَمْرِ بِالتَّدَاِوي، بَلْ لَقَدْ بَنَى لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَوَاعِدَ فِي الْعِلَاجِ وَكَيْفَ نَسِيرُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قَبْلَ ذَلِكَ أُمُورٌ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمَرْءُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، فَلَا مَجَالَ لِلتَّشَكِّي وَالتَّضَجُّرِ.

وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ إِلَّا بِسَبَبِ ذُنوبِهِ، وَمِنْ حِكْمَةِ اللهِ أَنْ يُعَجِّلَ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا بُدَّ إِذًا لِلْمَرِيضِ مِنْ تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَشُكْرٍ للهِ أَنْ جَعَلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَعَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي زَوَالِ مَا أَصَابَهُ.

عِبَادَ اللهِ: كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِعْلُ التَّدَاوِي فِي نَفْسِهِ وَالْأَمْرُ بِهِ لِمَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ؛ بَلْ لَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا مِنْ مَرَضٍ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ  عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى».

وَلَكِنَّ الدَّوَاءَ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ أَمْرَانِ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحاً غَيْرَ حَرَامٍ، وَأَنْ يَكُونَ نَافِعاً لَهُ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ حَتَّى يَجْعَلَهَا مَحَلَّ تَجَارِبٍ لِأَدْوِيَةٍ قَدْ تُفْلِحُ وَقَدْ لَا تُفْلِحُ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَيَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.

عِبَادَ اللهِ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آَدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلاً: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».

هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، مِنْ أَعْظَمِ أَحَادِيثِ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي، وَهُوَ الْكَلَامُ عَنِ الْغِذَاءِ وَالْحِمْيَةِ، يَقُولُ أَهْلُ الطِّبِّ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ الله ـ : كُلُّ دَاءٍ قُدِرَ عَلَى دَفْعِهِ بِالْأَغْذِيَةِ وَالْحِمْيَةِ لَمْ يُحَاوَلْ دَفْعُهُ بِالْأَدْوِيَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُولَعَ بِسَقْيِ الْأَدْوِيَةِ؛ فَإِنَّ الدَّوَاءَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَدَنِ دَاءً يُحلِّلُهُ أَوْ وَجَدَ دَاءً لَا يُوَافِقُهُ أَوْ زَادَتْ كَمِّيَّتُهُ قَلِيلاً تَشَبَّثَ فِي الصِّحَّةِ وَعَبَثَ بِهَا.

وَلَقَدِ اجْتَهَدَ الْأَطِبَّاءُ فِي إِيجَادِ أَدْوِيَةٍ لِكَثِيرٍ مِنْ أَمْرَاضِ بَنِي آدَمَ، وَلَيْسَ مِنْهَا مَحْظُورٌ إِلَّا مَا كَانَ مَصْنُوعاً مِنْ حَرَامٍ أَوْ هُوَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ كَالْخَمْرِ وَمَا مَاثَلَهُ.

يَقُولُ أَحَدُ السَّلَفِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مَهْمَا اجْتَهَدَ الْأَطِبَّاءُ فِي أَدْوِيَتِهِمْ، فَإِنَّ مَا عِنْدَهُمْ لَا يُسَاوِي شَيْئاً فِي جَانِبِ مَا أَعْطَانَا اللهُ ـ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ـ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّةِ، وَقُوَّةِ الْقَلْبِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ وَالِانْطِرَاحِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَالصَّدَقَةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَالتَّفْرِيجِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ قَدْ جَرَّبَتْهَا الْأُمَمُ عَلَى اخْتِلَافِ أَدْيَانِهَا وَمِلَلِهَا فَوَجَدُوا لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي الشِّفَاءِ مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ عِلْمُ أَعْلَمِ الْأَطِبَّاءِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنَ الْعِلَاجِ الَّذِي أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ دِينُنَا لِدَفْعِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ هُوَ ذَلِكَ الْعِلَاجُ الَّذِي صَارَ النَّاسُ فِيهِ بَيْنَ غُلُوٍّ وَتَقْصِيرٍ، وَأَهْمَلُوا جَانِباً مِنْهُ وَحَرِصُوا عَلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنْهُ.

إِنَّهَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ الرُّقْيَةُ الشَّرْعِيَّةُ، لَقَدْ رَقَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نفْسَهُ، وَرَقَى أَهْلَهُ، وَأَمَرَ الصَّحَابَةَ بِالرُّقْيَةِ، وَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِالرُّقْيَةِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ» لَمَّا قَالَ لَهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَيْفَ تَرَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» بَلْ لَقَدْ رَقَى        ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بعْضَ أَهْلِهِ، تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ؛ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَأْسَ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بَلْ إِنَّ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ رَقَتِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَقُولُ          ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ     ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، أَشْتَكَيْتَ؟» قَالَ رَسُولُ اللهِ: «نَعَمْ» قَالَ جِبْرِيلُ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ اللهُ يَشْفِيكَ.

وَإِنَّ أَعْظَمَ الرُّقَى ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَا كَانَ بِكِتَابِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ إِذْ هُوَ الشِّفَاءُ الْحَقِيقِيُّ لِأَمْرَاضِ النَّاسِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82] وَلَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْفَاتِحَةَ رُقْيةً، فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ؛ أَنْ يَرْقِيَ نَفْسَهُ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَنْفُثَ بِمَا وَرَدَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

لَكِنْ هُنَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَهُوَ أَنَّ الرُّقْيَةَ تَكُونُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمَرَضِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ اللَّازِمَ لِلْمُسْلِمِ الْحَقِّ أَنْ يُحَصِّنَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِالْأَدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنَّصَائِحِ النَّبَوِيَّةِ.

فَإِنَّ مَنْ أَهْمَلَ أَوْرَادَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ، وَغَفَلَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ، حَرِيٌّ أَنْ تَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَيُصِيبُونَهُ بِمَا يُؤْذِيهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَرِّطُ وَهُوَ الَّذِي ضَيَّعَ نَفْسَهُ.

أَلَمْ يَقُلْ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيَّ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَعَاوِيذَ غَفَلَ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الحمد لله وحده، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَحْمِلَهُ حُبُّهُ لِلشِّفَاءِ وَحِرْصُهُ عَلَى الْعَافِيَةِ أَنْ يَقَعَ فِي مَحَاذِيرَ شَرْعِيَّةٍ، فَيَذْهَبَ لِلْعِلَاجِ عَلَى أَيْدِي الْمُشَعْوِذِينَ وَالدَّجَّالِينَ بِحُجَّةِ ذَهَابِ النَّاسِ لَهُمْ.

وَإِنَّ التَّوَسُّعَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي جَانِبِ الرُّقْيَةِ وَإِخْرَاجَهَا عَنْ حَدِّهَا الْمَشْرُوعِ أَمْرٌ مُحَرَّمٌ مُخَالِفٌ لِلْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ قَدِ اتَّخَذُوا مِنَ الرُّقْيَةِ حِرْفَةً وَتِجَارَةً، تَتَمَثَّلُ فِي أَمَاكِنَ لِلْعِلَاجِ بِهَا بِمَوَاعِيدَ وَتَرْتِيبَاتٍ؛ بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا عَمَلَ لَهُ غَيْرُهَا.

وَهَذَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ مِنَ الْعَبَثِ وَضَيَاعِ الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ مَا شَرَعَ اللهُ؛ بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فِي الرُّقْيَةِ حَتَّى أَخْرَجَهَا عَنِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ فِي صُوَرٍ غَيْرِ خَافِيَةٍ عَلَى الْعُقَلَاءِ، وَفِي ظِلَالِ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ فَإِنَّ هُنَاكَ أُمُوراً لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهَا النَّاسُ:

أَوَّلاً: أَنَّ الرُّقْيَةَ عِبَادَةٌ وَدُعَاءٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَيْسَتْ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَهَلْ كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أوْ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِهِ هَذَا الْأَمْرُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ مِنْهُمْ مَن ِانْقَطَعَ لِلرُّقْيَةِ وَفَرَّغَ نَفْسَهُ لَهَا خِدْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَرَحْمَةً بِهِمْ كَمَا زَعَمُوا.

ثَانِياً: أَنَّ حِرْصَ الْمَرِيضِ عَلَى الشِّفَاءِ وَالْعَافِيَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الذَّهَابِ لِكُلِّ سَاقِطٍ أَوْ مُنْحَرِفٍ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ حَالَ مَرَضِهِ أَشْبَهُ مَا يَكُونُ بِالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَشْعُرُ بِمَا حَوْلَهُ، فَلَا بُدَّ لِلْأَصِحَّاءِ مِنْ تَدَخُّلٍ فِي إِرْشَادِهِ وَتَوْجِيهِهِ.

ثَالِثاً: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَرْقِيَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ إِنَّهَا أَفْضَلُ وَأَنْفَعُ مِنْ طَلَبِهِ الرُّقْيَةَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62] وَالسُّوءُ هُوَ الْمَرَضُ، فَعَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى رَبِّهِ بِالدُّعَاءِ وَطَلَبِ رَفْعِ مَا أَصَابَهُ.

رَابِعاً وَاسْمَعُوا مَا أَقُولُ: إِنَّ الْأُمَّةَ الْعَاقِلَةَ هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ مِنْ تَارِيخِهَا الْمَاضِي دُرُوساً وَعِبَراً، وَتَعْلَمُونَ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ قَبْلَ دَعْوَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالْوَهَّابِ ـ رَحِمَهُ الله ـ مِنْ صُوَرٍ لِبَعْضِ الشِّرْكِيَّاتِ وَالْبِدَعِ، يَقُولُ مُؤَرِّخُ نَجْدٍ عُثْمَانُ بْنُ بِشْرٍ فِي كِتَابِهِ "عُنْوَانُ الْمَجْدِ" بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ صُوَراً مِنْ هَذِهِ الشِّرْكِيَّاتِ قَالَ: وَالسَّبَبُ الَّذِي أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي نَجْدٍ ـ وَاللهُ أَعْلَمُ ـ أَنَّ الْأَعْرَابَ إِذَا نَزَلُوا فِي الْبُلْدَانِ وَقْتَ الثِّمَارِ صَارَ مَعَهُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ يَتَطَبَّبُونَ وَيُدَاوُونَ النَّاسَ، فَإِذَا كَانَ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مَرَضٌ أَتَى أَهْلُهُ إِلَى مُتَطَبِّبِ تِلْكَ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلُونَهُمْ عَنِ الدَّوَاءِ لِعِلَّتِهِ، فَيَقُولُونَ: اذْبَحُوا لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ كَذَا وَكَذَا، وَذَلِكَ لِيُحَقِّقُوا مَعْرِفَتَهُمْ لِلطِّبِّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ، ثُمَّ يَقُولُونَ لَهُمْ: لَا تُسَمُّوا اللهَ عَلَى ذَبْحِهِ، وَأَعْطُوا الْمَرِيضَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا، وَكُلُوا مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وَاتْرُكُوا كَذَا وَكَذَا، وَرُبَّمَا يَشْفِي اللهُ مَرِيضَهُمْ فِتْنَةً لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجاً، وَرُبَّمَا يُوَافِقُ وَقْتَ الشِّفَاءِ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَوَقَعُوا بِهَذَا السَّبَبِ فِي عَظَائِمَ..." إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.

فَانْظُرُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ كَمْ رَأَيْتُمْ بَيْنَ هَؤُلَاءِ اْلقُرَّاءِ مَنْ هُوَ فِي ضَرْبٍ مِنَ الدَّجَلِ وَالشَّعْوَذَةِ وَالسِّحْرِ، فَإِذَا لَمْ يَنْتَبِهْ عُقَلَاءُ النَّاسِ لِلْخَطَرِ أَوْشَكَ الْخَطَرُ أَنْ يَقَعَ.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ........

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة