الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَأوُصِيكُمْ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ بِالْوَصِيَّةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي كَرَّرَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ وَصِيَّةُ اللهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؛ الْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، بَلْ هِيَ أَصْلُ الْأُصُولِ مَعْرِفَةَ أَنَّ اللهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ، ذُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْكَوْنِ وَكُلَّ مَا فِيهِ خَلْقُهُ وَمُلْكُهُ وَعَبِيدُهُ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَقَهْرِهِ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 93-95].
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ ـ عَنِ افْتِرَاقِ هِذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ ضُلَّالٌ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، هِيَ الَّتِي وَافَقَتْ هَدْيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسَارَتْ عَلَى نَهْجِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
إِنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ شَامِلٌ لِكُلِّ أُمُورِ الدِّينِ عَقِيدَةً وَعَمَلاً، وَلَكِنَّ التَّفَرُّقَ قَدْ لَا يُعَالَجُ إِلَّا فِي بَابٍ وَاحِدٍ إِذَا كُسِرَ فَلَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ إِلَّا بِإِعَادَتِهِ جَدِيداً كَمَا كَانَ، لَا يَصْلُحُ فِي سَدِّهِ بَابٌ فِيهِ ثُقُوبٌ أَوْ خَلَلٌ.
إِنَّهُ بَابُ التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِقَادِ، بَابٌ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ فِيهِ فِرَقٌ شَتَّى، كُلُّ فِرْقَةٍ فَرِحَةٌ بِمَا عِنْدَهَا.
أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ سَارُوا عَلَى النَّهْجِ فَإِنَّهُمْ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ فِي هَذَا الْأَمْرِ؛ بَلْ وَفِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَلَكِنَّ بَابَ التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِقَادِ يَخُصُّونَهُ بِمَزِيدِ اهْتِمَامٍ وَمَزِيدِ عِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّلَالَ فِيهِ ضَلَالٌ كَبِيرٌ، وَالْخَطَأَ فِي التَّوْحِيدِ لَيْسَ كَخَطَأٍ فِي غَيْرِهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَكْثَرَ مَا جَاءَ الِانْحِرَافُ إِلَى طَوَائِفَ شَتَّى فِي هَذَا الْبَابِ بِسَبَبِ أَمْرَيْنِ:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الْجَهْلُ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ أُمُورَ مُعْتَقَدِهِمْ الَّتِي يَعْتَقِدُونَهَا، وَقَلِيلٌ مِمَّنْ آَتَاهُمُ اللهُ عِلْماً يَتَحَدَّثُ عَنْهَا، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا جَهِلُوا شَيْئاً سَأَلُوا عَنْهُ لَبَلَغُوا مُرَادَهُمْ، وَلَكِنْ عَلَى نَفْسِهَا جَنَتْ، وَلَا يَنَالُ الْعِلْمَ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ.
أَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّ فِئَاماً مِنْهُمْ أَخَذُوا هَذَا الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ مَصْدَرَيْهِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الْعَقْلُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: لَا دَخْلَ لَهُ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ؛ لِأَنَّها مِنْ بَابِ الْغَيْبِ، وَالْغَيْبُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِوَحْيٍ.
إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَاعْلَمُوا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ أَنَّ عَلَيْكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِأَنَّ دِينَ الْمَرْءِ يَقُومُ عَلَى أُصُولٍ سِتَّةٍ هِيَ كَالْعُمُدِ لِلْبُنْيَانِ، لَوْ سَقَطَ مِنْهُ عَمُودٌ سَقَطَ الْبِنَاءُ أَوْ لَا يَزَالُ مُخَلْخَلًا.
سِتَّةُ أُصُولٍ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ الْإِيمَانُ بِهَا وَالْإِقْرَارُ بِمَضْمُونِهَا إِيمَاناً لَا خَلَلَ فِيهِ، وَإِقْرَاراً لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ.
لَخَّصَهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامَ ـ فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ أَحَدُ تِلْكَ الْأُصُولِ السِّتَّةِ الَّتِي مَنْ أَقَرَّ بِهَا فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، الْمَلَائِكَةُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ عَالَمٌ غَيْبِيٌّ مَخْلُوقٌ، عَابِدُونَ للهِ، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ، خَلَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُورٍ وَمَنَحَهُمُ الِانْقِيَادَ التَّامَّ لِأَمْرِهِ وَالقُوَّةَ عَلَى تَنْفِيذِهِ: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20].
الْمَلَائِكَةُ رُسُلٌ مِنْ رُسُلِ اللهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: 1] الْمَلَائِكَةُ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصِيهمْ إِلَّا اللهُ سُبْحَانَهُ، جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رُفِعَ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ فَرَأَى يُصُلِّي فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ كُلَّ يَوْمٍ، إِذَا خَرَجُوا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، يَعْنِي: لَا يَأْتِيهُمْ الدَّوْرُ مَرَّةً أُخْرَى.
الْمَلَائِكَةُ قَالَ اللهُ عَنْهُمْ: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ قَائِمٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
عِبَادَ اللهِ: الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِقْرَارِ بِهَا حَتّى يَكُونَ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا بِهِمْ:
الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِمْ، وَأَنَّهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ.
الثَّانِي: الْإِيمَانُ بِاسْمِ مَنْ عَلِمْنَا اسْمَهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ نَعْلَمِ اسْمَهُ نُؤْمِنُ بِهِ إِجْمَالاً دُونَ حَاجَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ اسْمِهِ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، وَهُم: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ، وَمَلَكَانِ يَسْأَلَانِ الْمَيِّتَ لَمْ يَثْبُتْ تَسْمِيَتُهُمَا بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ.
أَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ عِبَادَ اللهِ: الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا وَلَهُ سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.
وَقَدْ أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنَ الْقُدْرَةِ فِي التَمَثُّلِ فِي صُوَرٍ عَدِيدَةٍ كَمَا قَالَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَنْ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى مَرْيَمَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17].
وَجَاءَ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدِ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدِ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، ثُمَّ قَالَ عَنْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَجَاءَ مَرَّةً عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ جَاؤُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ، وَنَبِيِّ اللهِ لُوطٍ كَانُوا عَلَى صُورَةِ رِجَالٍ، وَلَكِنَّ تَمَثُّلَهُمْ فِي صُوَرةِ الْبَشَرِ إِنَّمَا هُوَ بِأَمْرِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ لِلْمَلَائِكَةِ أَمْرٌ فِيهِ.
أَمَّا الْأَمْرُ الرَّابِعُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ: فَهُوَ الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَقُومُونَ بِهَا؛ كَتَسْبِيحِهِمْ للهِ وَعَبَادَتِهِمْ لَهُ لَيْلاً وَنَهَاراً بِدُونِ مَلَلٍ أَوْ فُتُورٍ، كَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ لِبَعْضِهِمْ أَعْمَالًا خَصَّهُمُ اللهُ بِهَا مِمَّا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْبَشَرِ؛ فَجِبْرِيلُ مُوَكَّلٌ بِمَا فِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَهُوَ الْوَحْيُ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195].
وَإِسْرَافِيلُ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْأَجْسَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَمِيكَائِيلِ مُوَكَّلٌ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا حَيَاةُ الْأَرْضِ، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ جَعَلَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ حَيَاةَ الْقُلُوبِ، وَحَيَاةَ الْأَبْدَانِ، وَحَيَاةَ الْأَرْضِ.
وَلَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَسْتَفْتِحُ صَلَاةَ الَّليْلِ بِقَوْلِهِ: «الَّلهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ».
وَمِنْهُمْ مَالِكٌ مُوَكَّلٌ بِالنَّارِ، يَقُولُ اللهُ عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْجَنَّةِ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي يَقُولُ اللهُ عَنْهُ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
قَادِرٌ بِأَمْرِ اللهِ عَلَى قَبْضِ نَفْسٍ فِي الْمَشْرِقِ وَأُخْرَى فِي الْمَغْرِبِ، فِي َآنٍ وَاحِدٍ.
وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ ِبِسُؤَالِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ صَحَيحَةٍ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا أَنَّ ثَمَّةَ مَلَكَيْنِ مَعَ كُلِّ شَخْصٍ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 17-18].
فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ ـ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ ـ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكَ مَا يَسُوؤُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَمَّا دَخَلُوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَكَانَ مَرِيضاً فَإِذَا هُوَ يَئِنُّ أَنِينَ الْمَرِيضِ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّ طَاوُوساً ـ وَهُوَ أَحَدُ التَّابِعِينَ ـ يَقُولُ: إِنَّ أَنِينَ الْمَرِيضِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَنِ الْأَنِينِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْإِنْسَانَ سَوْفَ يُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَهُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].
الَّلهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَجَنِّبْنَا الزَّلَلَ فِي الْقَولِ وَالْعَمْلِ، أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.
الْحَمْدُ للهِ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَتَعَلَّمُوا مِنَ الْعِلْمِ مَا تُقِيمُونَ بِهِ دِينَكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ الْعِلْمِ، الْعِلْمُ الَّذِي يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ إِيمَاناً بِرَبِّهِ.
عِبَادَ اللهِ: السُّؤَالُ الَّذِي أَرَاهُ عَالِقاً بِذِهْنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هُوَ قَوْلُهمْ: مَا فَائِدَةُ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ؟ أَلَا فَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُؤْمِنٍ أَنَّ الْإِيمَانَ بِمَلَائِكَةِ اللهِ يُثْمِرُ ثَمَرَاتٍ جَلِيلَةٍ:
أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ بِعَظَمةِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ؛ فَإِنَّ عَظَمَةَ الْمَخْلُوقِ مِنْ عَظَمَةِ الْخَالِقِ.
ثُمَّ ثَانِيهَا: شُكْرُ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَى عِنَايَتِهِ بِخَلْقِهِ حِينَ وَكَّلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ يَقُومُ بِحِفْظِهِمْ، وَكِتَابَةَ أَعْمَالِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ.
وَالثَّالِثَةُ: مَحَبَّةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا قَامُوا بِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ أَجْسَامٌ تَتَحَرَّكُ، لَيْسَتْ بِقُوًى مَعْنَوِيَّةٍ كَمَا قَالَ أَهْلُ الزَّيغِ وَالضَّلَالِ، يَقُولُ اللهُ عَنْهُمْ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: 50] وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: 93] وَيَقُولُ اللهُ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24].
وَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 123-125].
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَاناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَاناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الْأَرْضِ».
وَصَلَاتُكُمْ هَذِهِ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ يَقُولُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيهَا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
عِبَادَ اللهِ: هَذِهِ نُبْذَةٌ مُختَصَرةٌ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُؤْمِنَ اعْتِقَادُهُ فِي مَلَائِكَةِ اللهِ، بَصَّرَنَا اللهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَرَزَقَنَا عَمَلاً صَالِحاً.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ الْبَشَرِيَّةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَارْضَ الَّلهُمَّ عَنْ أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ..