الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، التَّقْوَى الَّتِي تُصَاحِبُ الْمُؤْمِنَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكُلِّ حِينٍ، وَلَنْ يَنْجُوَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْمُتَّقُونَ.
عِبَادَ اللهِ: النَّاسُ مَهْمَا بَلَغُوا مِنْ قُوَّةٍ فَإِنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مُجَابَهَةِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَمَا مِنْ قَاهِرٍ أَوْ قَادِرٍ إِلَّا وَاللهُ فَوْقَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يُنْذِرُ عِبَادَهُ بِمَا يُرْسِلُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
وَلَنْ يَعُودَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعاً مَجْدُهُمْ الْغَابِرُ وَلَا كَلِمَتُهُمْ الْعَالِيَةُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].
مَتَى مَا حَقَّقَ النَّاسُ الْمَطْلُوبَ حَقَّقَ اللهُ لَهُمْ مَا يَطْلُبُونَ، وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ مُطَالَبُونَ دَائِماً بِفَتْحِ سِجِلِّ أَعْمَالِهِمْ لِيَنْظُرُوا مَا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَتَتْبَعُهُ عُقُوبَةٌ، وَمَا مِنْ عُقُوبَةٍ إِلَّا وَلَهَا ذَنْبٌ كَانَ سَبَباً لِوُقُوعِهَا.
رَوَى ابْنُ مَاجَةَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهُمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَولَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ».
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دَعَا أَفْرَادَهُ كَيْ يَسِيرُوا صَفّاً وَاحِداً تِجَاهَ الْمُخَالِفِ حَتَّى يُعِيدُوهُ إِلَى رُشْدِهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَعُمَنَّكُمُ اللهُ بعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ النَّظِيفَ هُوَ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ أَعْلَامُ الْفَضِيلَةِ وَتَتَضَافَرُ جُهُودُ أَفْرَادِهِ عَلَى قَمْعِ الرَّذِيلَةِ فِي كُلِّ دُرُوبِهَا، وَإِنَّ مِنْ حَسَنَاتِ هَذَا الدِّينِ سَعْيَهُ لِصَلَاحِ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَمُحَارَبَةِ الْفَوَاحِشِ، وَإِقَامَةِ مُجْتَمَعٍ إِسْلَامِيٍّ نَظِيفٍ بَعِيدٍ عَنِ الْجَرَائِمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْمُفْسِدَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَالْأَنْسَابِ، وَصِيَانَةِ الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ؛ بَلْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى رَبَطَ صَلَاحَ الْمُؤْمِنينَ وَفَلَاحَهُمْ بِحِفْظِ فُرُوجِهِمْ وَصِيَانَةِ أَعْرَاضِهِمْ.
إِنَّ هُنَاكَ جَرِيمَةً هِيَ مِنْ أَقْبَحِ الْجَرَائِمِ، ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في الْحَدِيثِ السَّابِقِ، هِيَ مِنْ أَمْقَتِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللهِ وَأَكْثَرِهَا بَشَاعَةً، مَا عُصِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الْإِشْرَاكِ بِهِ بِأَعْظَمَ وَلَا أَقْبَحَ مِنْهَا، وَهِيَ خَطَرٌ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، مَا انْتَشَرَتْ فِي أُمَّةٍ إِلَّا أَهْلَكَتْهَا وَدَمَّرَتْهَا، وَلَا فَشَتْ فِي مُجْتَمَعٍ إِلَّا قَوَّضَتْ أَرْكَانَهُ وَهَدَمَتْ بُنْيَانَهُ، مِنْ أَفْحَشِ الْفَوَاحِشِ وَأَكْبَرِ الْفَضَائِحِ، تَقْتُلُ الرُّجُولَةَ، وَتُذِيبُ الْحُرِّيَّةَ، وَتَهْتِكُ الْأَعْرَاضَ، وَتُبَدِّدُ الْأَمْوَالَ وَتُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، وَتُفْسِدُ الْأَخْلَاقَ، وَتُفْضِي بِالْأُمَّةِ إِلَى الْفَنَاءِ وَتَدْعُوهَا لِلشِّقَاقِ وَالْعَنَاءِ، إِنَّهَا جَرِيمَةُ الزِّنَا.
عِبَادَ اللهِ: الزِّنَا انْتِكَاسٌ فِي اْلفِطَرِ، وَفَسَادٌ فِي الْقُلُوبِ، وَسَبَبٌ لِإِيجَابِ الذُّلِّ وَالْعَارِ وَالشَّنَارِ، وَصَاحِبُهُ مُتَوَعَّدٌ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدَّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَالْوَاقِعُونَ فِي الزِّنَا جَرَاثِيمُ مُفْسِدَةٌ وَأَعْضَاءٌ مَسْمُومَةٌ فِي الْمُجْتَمَعِ، تُؤَدِّي بِهِ إِلَى دَرَكِ الْمَهَالِكِ، وَتَقُودُهُ إِلَى الْهُوَّةِ السَّحِيقَةِ الَّتِي لَا فَلَاحَ بَعْدَهَا وَلَا نُهُوضَ، وَكَمَا قِيلَ وَدَّتِ الزَّانِيَةُ لَوْ زَنَى النِّسَاءُ، هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَصْحَابُ نُفُوسٍ ضَعِيفَةٍ وَإِرَادَاتٍ سَافِلَةٍ، وَقُلُوبٍ غَافِلَةٍ، قَدْ أَسَرَتْهَا الْأَهْوَاءُ وَالشُّبُهَاتُ، وَاسْتَحْكَمَتْ عَلَيْهَا الشَّهَوَاتُ وَالدَّنَايَا دُونَ رَادِعٍ مِنْ دِينٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ مُرُوءَةٍ.
الزِّنَا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ سَبَبُ الْبَلَايَا، وَطَرِيقُ التَّعَاسَةِ وَالْعَنَاءِ، يَقْضِي عَلَى الْأُمَمِ وَيُهلِكُ الدِّيَارَ، وَيُبَدِّدُ الْمَمَالِكَ، وَيَقْضِي عَلَى الْأَخْلَاقِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى وَاصِفاً حَالَ الزِّنَا وَضَرَرَهُ وَفَسَادَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].
وَقَدْ قَرَنَهُ اللهُ بِالشِّرْكِ وَالْقَتْلِ، فَقَالَ فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69].
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ: الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ».
فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] الْآيَاُت.
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَيْضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ».
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ مَرْفُوعاً: «مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
فَكَأَنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يتَحَدَّثُ عَنْ وَاقِعِ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ ظُهُورِ أَمْرَاضٍ لَمْ يَجِدُوا لَهَا عِلَاجاً، يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «مَا ظَهَرَ الرِّبَا، وَالزِّنَا، فِي قَرْيةٍ إِلَّا أَذِنَ اللهُ بِإِهْلَاكِهَا» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ بَعْدَ قَتْلِ النَّفْسِ شَيْئاً أَعْظَمَ مِنَ الزِّنَا.
وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا فَيُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
الزِّنَا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ يَجْمَعُ خِلَالَ الشَّرِّ كُلَّهَا، مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ، وَذَهَابِ الْوَرَعِ، وَفَسَادِ الْمُرُوءَةِ، وَقِلَّةِ الْغَيْرَةِ، فَلاَ نَجِدُ زَانِياً مَعَهُ وَرَعٌ وَلَا وَفَاءٌ بِعَهْدٍ، وَلَا صِدْقٌ فِي حَدِيثٍ، وَلَا مُحَافَظَةٌ عَلَى صَدِيقٍ، وَلَا غَيْرَةٌ تَامَّةٌ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَوْ بَلَغَ الرَّجُلَ أَنَّ امْرَأَتَهُ مَاتَتْ أَوْ قُتِلَتْ لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّهَا زَنَتْ عِيَاذاً بِاللهِ.
رَوَى الْخَرَائِطِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْباً ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ: ثَلَاثٌ إِذَا رَأَيْتَهُنَّ: السُّيُوفَ قَدْ عُرِّيَتْ، وَالدِّمَاءَ أُهْرِيقَتْ، فَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ اللهِ قَدْ ضُيِّعَ، فَانْتَقَمَ اللهُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْقَطْرَ قَدْ حُبِسَ فَاعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ مُنِعَتْ، مَنَعَ النَّاسُ مَا عِنْدَهُمْ فَمَنَعَ اللهُ مَا عِنْدَهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْوَبَاءَ قَدْ فَشَا فَاعْلَمْ أَنَّ الزِّنَا قَدْ فَشَا.
يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مِنْ مُوجِبَاتِ الزِّنَا غَضَبُ الرَّبِّ بِإِفْسَادِ حُرَمِهِ وَعِيَالِهِ وَلَوْ تَعَرَّضَ رَجُلٌ إِلَى مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ بِذلِكَ لَقَابَلَهُ أَسْوأَ مُقَابَلَةٍ، وَمِنْهَا: سَوَادُ الْوَجْهِ وَظُلْمَتُهُ، وَمَا يَعْلُوهُ مِنَ الْكَآَبَةِ، وَالْمَقْتِ الَّذِي يَبْدُو عَلَيْهِ لِلنَّاظِرِينَ وَمِنْهَا: ظُلْمَةُ الْقَلْبِ وَطَمْسُ نُورِهِ، وَمِنْهَا: الْفَقْرُ الَّلازِمُ، ومِنْهَا: أَنَّهُ يُذْهِبُ حُرْمَةَ فَاعِلِهِ، وَيُسْقِطُهُ مِنْ عَيْنِ رَبِّهِ وَمِنْ أَعْيُنِ عِبَادِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَسْلُبُهُ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ اسْمُ: الْعِفَّةِ، وَالْبِرِّ، وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْطِيهِ أَضْدَادَهَا كَاسْمِ الْفَاجِرِ وَالْفَاسِقِ وَالزَّانِي وَالْخَائِنِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُفَارِقُهُ الطِّيبُ الَّذِي وَصَفَ اللهُ بِهِ أَهْلَ الْعَفَافِ وَيُسْتَبدَلُ بِهِ الخْبَيِثُ الَّذِي وَصَفَ اللهُ بِهِ الزُّنَاةَ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26].
إِنَّ الزِّنَا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ جَرِيمَةٌ تَئِنُّ مِنْهَا الْفَضِيلَةُ، وَيَبْكِي مِنْهَا الْعَفَافُ، وَمَا عُصِيَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ الشِّرْكِ بِهِ بِذَنبٍ أَعْظَمَ مِنْ نُطْفَةٍ يَضَعُهَا الرَّجُلُ فِي فَرْجٍ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَمِنْ قُبْحِ الزِّنَا، وَشِدَّةِ ضَرَرِهِ جَعَلَهُ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُنَافِياً لِلْإِيمَانِ، فَإِذَا ارْتَكَبَ الْعَبْدُ الزِّنَا خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْهَا وَيَتُوبَ إِلَى اللهِ مِنْهَا.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ النَّاظِرَ فِي تَعَالِيمِ هَذَا الدِّينِ يَرَى أَنَّهُ مَا سَعَى إِلَى شَيْءٍ سَعْيَهُ إِلَى حِفْظِ الْفُرُوجِ وَسَدِّ كُلِّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الزِّنَا، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أُمُورٍ:
أَنَّهُ أَمْرِ الشَّبَابِ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى الزَّوَاجِ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وَمِنْهَا أُمِرَ النَّاسُ ذُكُوراً وَإِنَاثاً بِغَضِّ أَبْصَارِهِمْ عَنِ الْحَرَامِ، قَاَل تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30-31] النَّظَرُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، وَمَنْ أَطْلَقَ نَظَرَهُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ فَقَدْ أَوْرَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الْهَلَاكِ وَالسُّوءِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا عَليُّ، َلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآَخِرَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَمِنْهَا مَنْعَ الْإِسْلَامِ خُلُّوَ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ مَحْرَماً؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِغْرَاءِ الشَّيْطَانِ بَيْنَهُمَا، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: مَنَعَ الْإِسْلَامُ الْمَرْأَةَ مِنَ التَّبَرُّجِ وَإِظْهَارِ الزِّينَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَمَحْرَمِهَا صِيَانةً لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59].
وَمِنْهَا: مَنَعَ الْإِسْلَامُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَيَاعاً لَهَا وَغِيَابًا عَنِ الرَّقِيبِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا وَالْغَيُورِينَ عَلَيْهَا.
يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْبُخَارِيُّ.
وَمِنْهَا: تَحْرِيم ِالْإِسْلَامِ سَمَاعَ الْغِنَاءِ لِأَنَّهُ بَرِيدُ الزِّنَا، وَمَا دَاوَمَ عَبْدٌ عَلَى سَمَاعِهِ إِلَّا طَمَسَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ.
يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَلَعَمْرُ اللهِ كَمْ مِنْ حُرَّةٍ صَارَتْ بِالْغِنَاءِ مِنَ الْبَغَايَا، وَكَمْ مِنْ حُرٍّ أَصْبَحَ عَبْداً لِلصِّبْيَانِ وَالصَّبَايَا، كَمْ جَرَّعَ مِنْ غُصَّةٍ! وَكَمْ أَزَالَ مِنْ نِعْمَةٍ وَجَلَبَ مِنْ نِقْمَةٍ.
وَمِنْهَا: نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ كَيْلَا تَقَعَ اْلعَيْنُ عَلَى حَرَامٍ فَتَفْتِنَ أَوْ تُفْتَنَ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ».
وَمِنْ أَرْوَعِ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مَانِعاً مِنْ جَرِيمَةِ الزِّنَا مَا جَاءَ عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ».
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُبَدِّلُ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ التَّوْبَةِ حَسَنَاتٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الزِّنَا بَشِعٌ فِي جُرْمِهِ، بَشِعٌ فِي ذِكْرِهِ تَسْتَنْكِرُهُ حَتَّى الْحَيَوَانَاتُ، أَرَأَيْتُمْ الْقِرْدَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَسْتَقْبِحُهُ النَّاسُ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أُنَاسٍ كَثِيرِينَ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ الْأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ.
كَمْ فِي النَّاسِ الْيَوْمَ مَنْ هَذِهِ الْقِرَدَةُ خَيْرٌ مِنْهُ، إِذا لَم يَتَجَنَبْ كُلَّ طَرِيقٍ يُؤدِّي بِهِ إِلى طُرُقٍ تُسَهِّلُ عَلَيهِ ارْتِكَابَ الحَرَامِ، فَالعَينُ وَالبَصَرُ وَاليَدُ وَالرِّجْلُ احْفَظْهَا جَمِيعاً عَنْ كُلِّ مَا يَقُودُكَ لِلوقُوعِ في الزِّنَا، نَشِّؤُوا فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَنْفُسِ مَنْ تَحتَ وِلايَتِكُمْ الغَيرَةَ عَلَى الأَعْرَاضِ، فَالغَيرَةُ مِنْ أَعْلَى الأَخْلاقِ التِي يُوصَفُ بِهَا الشَّخْصُ، وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِيمَنْ يَرْتَكِبُ فَاحِشَةَ الزِّنَا.
إِنَّ الْغَيْرَةَ إِذَا ذَهَبَتْ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ فَقَدْ آنَ لِجِدَارِ الْعِرْضِ أَنْ يَهْوِيَ وَلِعُودِ الْحَيَاءِ أَنْ يَمِيلَ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْمُغِيرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ.
فَبَلغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! وَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، ومِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ».
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ جَرِيمَةَ الزِّنَا تَقُودُ إِلَى جَرَائِمَ كَثِيرَةٍ، فَالزِّنَا يُجَرِّئُ الزَّانِيَ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَكَسْبِ الْحَرَامِ، وَظُلْمِ الْخَلْقِ، وَإِضَاعَةِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَرُبَّمَا قَادَهُ قَسْراً إِلَى سَفْكِ الدَّمِ الْحَرَامِ، وَرُبَّمَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ وَبِالشِّرْكِ وَهُوَ يَدْرِي أَوْ لَا يَدْرِي، فَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأَنْواعٍ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَهَا وَمَعَهَا، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهَا أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الْمَعَاصِي بَعْدَها، فَهِيَ مَحْفُوفَةٌ بِجُنْدٍ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَهَا وَجُنْدٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ أَجْلَبُ شَيْءٍ لِشَرِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمْنَعُ شَيْءٍ لِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا عَلِقَتْ بِالْعَبْدِ فَوَقَعَ فِي حَبَائِلِهَا عَزَّ عَلَى النَّاصِحِينَ اسْتِنْقَاذُهُ وَأَعْيَا الْأَطِبَّاءَ دَوَاؤُهُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ عَظِيمَةٌ، وَالْخَطَرَ أَعْظَمُ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا بُيُوتَكُمْ، وَتَنَاصَحُوا وَأَكْثِروا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، عَسَى أَنْ نَسُدَّ خَلَلاً أَوْ نُصْلِحَ فَتْقاً.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].