الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاذْكُرُوا أَنَّكُمْ مَوْقُوفُونَ عَلَيْهِ، مَسْؤُولُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37].
عِبَادَ اللهِ: تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ وَتَقْوِيمُهَا، وَإِصْلَاحُ الْقُلُوبِ وَتَطْهِيرُهَا، أَمَلٌ سَعَى إِلَيْهِ الْعُقَلَاءُ فِي كُلِّ الثَّقَافَاتِ وَفِي كُلِّ الْحَضَارَاتِ مُنْذُ أَقْدَمِ الْعُصُورِ، فَسَلَكُوا إِلَى بُلُوغِهِ مَسَالِكَ شَتَّى، وَشَرَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَنَاهِجَ وَطَرَائِقَ قِدَداً، وَحَسِبُوا أَنَّ فِي أَخْذِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِهَا إِدْرَاكَ الْمُنَى، وَبُلُوغَ الْآمَالِ فِي الْحَظْوَةِ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ وَالْعَيْشِ الْهَانِئِ السَّعِيدِ، فَمِنْ تَرْفِيهٍ لِلْجَسَدِ بِأُمُورٍ وَأَعْمَالٍ تَبْقَى لَذَّتُهَا سَاعَةً ثُمَّ تَزُولُ، إِلَى إِغْرَاقٍ فِي الشَّهَوَاتِ وَانْهِمَاكٍ فِي طَلَبِ الَّلذَّاتِ بِإِسْرَافٍ عَلَى النَّفْسش لَا حَدَّ يَحُدُّهُ، إِلَى عُكُوفٍ عَلَى مُتَعِ الدُّنْيَا بِصُورَةٍ لَا سَنَدَ لَهَا مِنْ وَاقِعٍ وَلَا ظَهِيرَ لَهَا مِنْ عَقْلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نزَعَاتٍ وَطَرَائِقَ لَا يَجِدُ فِيهَا الَّلبِيبُ ضَالَّتَهُ، وَلَا يَبْلُغُ مِنْهَا بُغْيَتَهُ، غَيْرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ الْإِنْصَافِ، وَنَصِيباً مِنْ حُسْنِ النَّظَرِ وَالْبَصَرِ بِالْأُمُورِ لَا يَجِدُ حَرَجاً فِي الْإِقْرَارِ بِأَنَّ السَّعَادَةَ الْحَقَّةَ الَّتِي تَطِيبُ بِهَا الدُّنْيَا وَتَطْمَئِنُّ بِهَا الْقَلُوبُ وَتَزْكُو النُّفُوسُ هِيَ تِلْكَ الَّتِي يُبَيِّنُهَا وَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهَا الْكِتَابُ الْحَكِيمُ وَالسَّنَّةُ الشَّرِيفَةُ، بِأوْضَحِ عِبَارَةٍ وَأَدَقِّهَا وَأجْمَعِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، إِنَّ الْبَاحِثَ عَنِ السَّعَادَةِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْحَثَهَا فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ، كُلُّهَا ذَكَرَ الْقُرْآنُ نَمَاذِجَ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ سَعَادَتُهُمُ الَّتِي يَرْجُونَهَا مِنْ وَرَاءِ مَطَالِبِهِمْ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي الْمُلْكِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ فَهُوَ أَسْعُدُ النَّاسِ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ كُلَّ أَمَانِيهِ، وَيَأْمُرُ فَيُطَاعُ، وَيَشْتَهِي فَيَتَحَقَّقُ لَهُ مَا يُرِيدُ، النَّاسُ لَهُ كَالْعَبِيدِ، يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يُرِيدُ.
وَأَوْضَحُ مِثَالٍ عَلَى مَنْ طَلَبَ السَّعَادَةَ بِالْمُلْكِ هُوَ فِرْعَوْنُ، وَفِعْلًا مَلَكَ، وَلَكِنَّهُ مُلْكٌ بِلَا إيمَانٍ، وَتَسَلُّطَ بِلَا طَاعَةٍ، فَبَلَغَ مِنْ غُلُوِّهِ فِي الْمُلْكِ قَوْلَ اللهِ عَنْهُ ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 51-52].
وَبَلَغَ مِنْ عُتُوِّهِ وَجَنَفِهِ أَنْ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38].
نَسِيَ أَنَّ الَّذِي مَلَّكَهُ هُوَ اللهُ، وَالَّذِي أَعْطَاهُ مِصْرَ هُوَ اللهُ، وَالَّذِي جَمَعَ لَهُ النَّاسَ هُوَ اللهُ، وَالَّذِي أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ هُوَ اللهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجْحَدُ هَذَا الْمَبْدَأَ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَعَالِيهِ عَلىَ اللهِ قَوْلَهُ: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
فَكَانَ جَزَاءَ هَذَا الْعُتُوِّ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى اللِه أَنَّهُ لَمْ يَتَحَصَّلْ عَلَى السَّعَادَةِ الَّتِي طَلَبَهَا؛ بَلْ كَانَ نَصِيبُهُ الشَّقَاءَ وَالْهَلَاكَ وَالَّلعْنَةَ بِعَيْنِهَا ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: 25].
وَيَقُولُ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ مِثْلِهِ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].
وَمِنْ عَجَائِبِ طَلَبِ السَّعَادَةِ بِالْمُلْكِ فِي الْأَرْضِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُلْكِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْ هَذَا الْمُلْكِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ؛ بَلْ إِنَّهُ لَا يَتَخَلَّى عَنْهُ أَوْ يَمُوتُ دُونَهُ.
وَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللهُ أَنَّ الْمُلْكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِهِ بِسُهُولَةٍ بَلْ بِالنَّزْعِ وَالشِّدَّةِ ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] فَتِلْكُمُ عَاقِبَةُ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ السَّعَادَةِ بِمُلْكِ الْبُلْدَانِ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللهِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي جَمْعِ الْمَالِ وَاكْتِنَازِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ بِمَالِهِ يَتَحَصَّلُ عَلَى شَيْءٍ، فَبِالْمَالِ يَأْكَلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْتَمْتِعُ، لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحُصُولِ عَلَى مُنَاهُ أَحَدٌ، وَلَا يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَخْطُبُونَ وُدَّهُ وَيَرْقُبُونَ فِعْلَهُ، يَرْجُوَنَ مِمَّا عِنْدَهُ، وَالْإِنْسَانُ جُبِلَ عَلَى حُبِّ الْمَالِ حَبّاً جَمّاً.
وَأَوْضَحُ مِثَالٍ عَلَى مَنْ طَلَبَ السَّعَادَةَ بِالْمَالِ قَارُونُ، الَّذِي تَكَلّمَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقُرْآَنِ، مَنَحَهُ اللهُ كُنُوزاً كَالتِّلَالِ، مَا جَمَعَهَا بِجُهْدِهِ وَلَا بِذَكَائِهِ وَلَا بِعَرَقِهِ وَلَا بِعَبْقَرِيَّتِهِ، بَلَغَ مِنْ كَثْرَةِ مَالِهِ أَنَّ مَفَاتِيحَ الْخَزَائِنِ مِنْ كَثْرَتِهَا لَا يُسْتَطَاعُ حَمْلُهَا ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76].
وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ السَّعِيدُ وَحْدَهُ، وَكَفَرَ نِعْمَةَ اللهِ، وَقَدْ حَذَّرَهُ رَبُّهُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78].
أُعْجِبَ النَّاسُ بِحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ؛ بَلْ صَارَ جُزْءٌ مِنْهُمْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مِثْلُ مَالِقَارُونَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79].
لَكِنَّ قَارُونَ لَمْ يَسْتَمِعْ لِنُصْحِ النَّاصِحِينَ، فَأَبَى وَأَصَرَّ عَلَى تَجْرِيدِ الْمَالِ مِنَ الشُّكْرِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 76-77].
فَلَمْ تَكُنْ نِهَايَةُ الْغِنَى بِأَمْثَلِ مِنْ نِهَايَةِ الْمُلْكِ، الَّلذَيْنِ تُطْلَبُ بِهِمَا السَّعَادَةُ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [الْقَصَصُ:81].
الْمَالُ لَيْسَ طَرِيقاً لِلسَّعَادَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ طَرِيقاً لِصَاحِبِهِ إِلَى الْآخِرَةِ، يَفْنَى الْمَالُ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَلَفْظَةٍ، وَيَفْنَى صَاحِبُهُ فَيَسْتَمْتِعَ بِهِ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ دُونَ عَنَاءٍ أَوْ مَشَقَّةٍ، يَنْسَوْنَ صَاحِبَهُ، يَجْمَعُهُ مِنْ حَرَامٍ ثُمَّ يَكُونُ حَلَالاً لِمَنْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَلَهُمْ غُنْمُهُ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي كَثْرَةِ الْوَلَدِ، فَكَثِيرُ الْوَلَدِ يُبَاهِي بَيْنَ النَّاسِ بِوَلَدِهِ، فَهُمْ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ، بِهِمْ يُفَاخِرُ وَبِهِمْ يُمَاثِلُ، وَبِهِمْ يَصُولُ وَبِهِمْ يَجُولُ.
وَأَوْضَحُ مِثَالٍ عَلَى مَنْ طَلَبَ السَّعَادَةَ بِكَثْرَةِ الْوَلَدِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، آتَاهُ اللهُ عَشْرَةً مِنَ الْأَبْنَاءِ، كَانَ يَحْضُرُ بِهِمُ الْمَحَافِلَ، خَمْسَةٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَمْسَةٌ عَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى إِنَّهُ تَفَاخَرَ بِهِمْ لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْإِسْلَامَ، وَكَابَرَ بِهِمْ وَفَاخَرَ، وَنَسِيَ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ فَرْداً بِلَا وَلَدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا﴾ [المدثر: 11-16].
فَمَاذَا فَعَلَ؟ وَكَيْفَ تَصَرَّفَ؟ أَخَذَ عَطَاءَ اللهِ مِنَ الْأَبْنَاءِ فَجَعَلَهُمْ جُنُوداً يُحَارِبُونَ اللهَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، فَقَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 26-30].
فَلَمْ يَنْفَعْهُ وَلَدُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَنْ يَنْفَعَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَأَيُّ سَعَادَةٍ يَرْجُوهَا مَنْ هَذِهِ حَالُهُ فِي طَلَبِهِ الْوَلَدَ.
عِبَادَ اللهِ: طَلَبَ النَّاسُ السَّعَادَةَ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ طَلَبَهَا فِي زَوْجٍ وَوَلَدٍ، فَلَمَّا حَصّلَهُمْ وَاسْتَوَوْا إِذَا بِهِمْ أَلَدُّ أَعْدَائِهِ وَأَشَدُّ خُصُومِهِ، يُنَغِّصُونَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، يَتَمَنَّوْنَ عَلَانِيَةً سَاعَةَ مَوْتِهِ لِيَنْقَضُّوا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَيَقْتَسِمُونَهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14].
كَمَا اخْتَلَفَتْ مَآرِبُ النَّاسِ وَمَآَخِذُهُمْ فِي طَلَبِ السَّعَادَةِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ لَكِنَّهَا كُلُّهَا مُحَمَّلَةٌ بِمُنَغِّصَاتٍ لَا خَيْرَ فِيهَا، فَيَذْهَبُ عَلَى الْمَرْءِ بِسَبَبِ طَلَبِهَا دِينُهُ وَدُنْيَاهُ.
السَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ إِنَّمَا تُبْتَغَى بِمَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يَهَبُهُ اللهُ لِلْعَبْدِ مِنْ صِفَاتٍ يَسْعضى لِاكْتِسَابَهَا فَتُكْسِبُهُ سَعَادَةً حَقِيقِيَّةً.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ دَلَّهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.
مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ فَلْيَطْلُبْهَا حَيْثَ طَلَبَهَا أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ، السَّعَادَةُ تَتَحَقَّقُ بِعِدَّةِ أُمُورٍ مِنْهَا:
الثِّقَةُ بِاللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ بِأَنَّهُ: الْخَالِقُ، الرَّازِقُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، النَّافِعُ الضَّارُّ، فَهُوَ مَعَكَ حَيْثُ تَرَكَكَ النَّاسُ فِي وَقْتِ كُرْبَتِكَ وَوَقْتِ ضِيقِكَ، وَلَا أَمْثَلَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي وَجَدَهَا نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ بْنُ مَتَّى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ وَهُوَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فِي ظُلْمَةِ الْيَمِّ، فِي ظُلْمَةِ الَّليْلِ، حِينَ انْقَطَعَتْ بِهِ الْحِبَالُ إِلَّا حَبْلَ اللهِ، وَتَمَزَّقَتْ كُلُّ الْأَسْبَابُ إِلَّا سَبَبَ اللهِ، فَهَتَفَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ بِلِسَانٍ ضَارِعٍ حَزِينٍ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] فَوَجَدَ السَّعَادَةَ فِي ثِقَتِهِ بِرَبِّهِ.
التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بَابُ السَّعَادَةِ الْمَفْتُوحُ، أَنْ تَجْعَلَ اعْتِمَادَكَ كُلَّهُ عَلَى اللهِ، فَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُكَ وَإِنْ كُنْتَ لَا مَالَ لَكَ، وَهُوَ الَّذِي يُطْعِمُكَ وَيَسْقِيكَ، بِيَدِهِ مَقَالِيدُ الْأُمُورِ فَتَوَكَّلَ الْمَرْءُ عَلَيْهِ، لَنْ يَحْزَنَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ، وَإِنْ حَزِنَ النَّاسُ، وَلَنْ يَنْدَمَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
وَالسَّعَادَةُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ وَجَدَهَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ وَهُوَ بَيْنَ رُكَامِ الْأَمْوَاجِ فِي الْبَحْرِ، يَسْتَعْذِبُ الْعَذَابَ فِي سَبِيلِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
وَقَبْلَهُ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ حِينَ وَجَدَ لَذَّةَ السَّعَادَةِ وَهُوَ يُلْقَى فِي النَّارِ: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 68-72] السَّكِينَةُ وَالرِّضَا بِمَا كَتَبَهُ اللهُ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَةِ، يَطْمَئِنُّ قَلْبُ الْعَبْدِ لِمَا قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَيَرْضَى بِقِسْمَةِ اللهِ، وَتَقْدِيرِهِ لِعِبَادِهِ، فَيَسْعَدَ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ.
السَّعَادَةُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ وَجَدَهَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يُطَوَّقُ فِي الْغَارِ بِسُيُوفِ الْكُفْرِ، وَيَرَى الْمَوْتَ رَأْيَ الْعَيْنِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَيَقُولُ مُطْمَئِنًّا: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40] وَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا» إِنَّ أَعْظَمَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَةِ هُوَ تَوْحِيدُ اللهِ، يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: التَّوْحِيدُ مَفْزَعُ أَعْدَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، فَأَمَّا أَعْدَاؤُهُ فَيُنْجِيهِمْ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا وَشَدَائِدِهَا ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
وَأَمَّا أَوْلِيَاؤُهُ فَيُنْجِيهُمْ بِهِ مِنْ كُرُبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَشَدَائِدِهَا، وَلِذَلِكَ فَزِعَ إِلَيْهِ يُونُسُ فَنَجَّاهُ اللهُ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفَزِعَ إِلَيْهِ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ فَنَجَوْا بِهِ مِمَّا عُذِّبَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فِي الدُّنْيَا، وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمَّا فَزِعَ إِلَيْهِ فِرْعَوْنُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْهَلَاكِ وَإِدْرَاكِ الْغَرَقِ لَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لَا يُقْبَلُ هَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي عِبَادِهِ، فَمَا دُفِعَتْ شَدَائِدُ الدُّنْيَا بِمِثْلِ التَّوْحِيدِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ دُعَاءُ الْكَرْبِ بِالتَّوْحِيدِ، وَدَعْوَةُ ذِي النُّونِ الَّتِي مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ بِالتَّوْحِيدِ، فَلَا يُلْقِي فِي الْكُرَبِ الْعِظَامِ إِلَّا الشِّرْكُ، وَلَا يُنْجِي مِنْهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ، فَهُوَ مَفْزَعُ الْخَلِيقَةِ وَمَلْجَأُهَا وَحِصْنُهَا وَغَيَّاثُهَا. أ.هـ.
وَيَجْمَعُ ذِلَكَ كُلَّهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاسْتَمْسِكُوا بِعُرَى السَّعَادَةِ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِهَذَا الدِّينِ وَالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ وَتَوْثِيقِ التَّوْحِيدِ بِاللهِ سُبْحَانَهُ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.