الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَحَذَّرَ مِنْ إِضَاعَةِ الْأَعْمَالِ وَالْأَوْقَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، أَمَرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ بِجَزِيلِ الْأَجْرِ وَالْمَثُوبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهِ، حَثَّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ، قَبْلَ أَنْ لَا يَنْفَعَ وَلَدٌ وَلَا مَالٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ حَقَّ التَّقْوَى، اتَّقُوهُ، وَاشْكُرُوهُ، وَاسْتَجِيبُوا لَهُ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَأَوْقَاتُكُمْ تَمْضّي، وَأَعْمَارُكُمْ تَذْهَبُ، وَآَجَالُكُمْ سَتَنْتَهِي، وَمَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، وَسِلْعَةُ اللهِ غَالِيَةٌ، لَا تُدْرَكُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا بِالنَّسَبِ، وَلَا بِالْمَالِ وَالتَّرَجِّي: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37] وَمَنْ بَطُؤَ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.
النَّاسُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ يُمْضُونَ حَيَاتَهُمْ فِي مُلْهِيَاتٍ وَمُغْرِيَاتٍ، تَتَجَاذَبُهُمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ يُمْضِي الْإِنْسَانُ يَوْمَهُ فِي أَمْرٍ صَغِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، يَقْطَعُ عَلَيْهِ تَفْكِيرَهُ، وَيُنْسِيهِ عِلَاقَاتِهِ وَرَوَابِطَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ شُغْلَهُ، فِفِيهِ يُفَكِّرُ، وَعَنْهُ يَتَكَلًّمُ، وَفِيهِ يُشَاوِرُ، وَعَنْ طَرِيقِهِ عَرِفَ النَّاسَ، أَحَبَّهُمْ أَوْ كَرِهَهُمْ .
نَسِيَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَهُ عَلَاقَةٌ هِيَ الَّتِي تَجِبُ أَنْ تُوصَلَ، وَرَابِطَةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمَسَّهَا التَّعَبُ وَالشُّغْلُ؛ لِأَنَّهَا رَابِطَةٌ مَعَ اللهِ، وَحَبْلٌ مَوْصُولٌ إِلَيْهِ، فَمَهْمَا كَثُرَتْ أَعْمَالُ الْمَرْءِ، فَإِنَّ هَذِهِ الرَّوَابِطَ لَا تَتَأَثَّرُ، لِأَنَّهَا رَابِطَةٌ مَعَ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: الصَّلَاةُ هِيَ الشُّغْلُ الشَّاغِلُ لِمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الَّذِي قَادَ أُمَّةً كَامِلَةً؛ بَلْ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَرْوِحَ مِنْ هُمُومِ النَّاسِ وَمَشَاغِلِهِمْ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ، كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا أَصَابَهُ هُمٌّ أَوْ حُزْنٌ قَالَ: «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَعْمَلُ، لَكِنْ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ كَانَ شَيْئاً آخَرَ تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أهْلِهِ ـ تَعْنِي: خِدْمَةَ أهْلِهِ ـ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
بَلْ بَلَغَتِ الصَّلَاةُ لَدَيْهِ مَنْزِلَةً عَالِيَةً، حَتَّى صَارَتْ رَاحَةُ نَفْسِهِ وَاسْتِقْرَارُهَا فِي هَذِهِ الشَّعِيرَةِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنَىِ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحَمْدُ، وَالنِّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: وَعَلَى قَدْرِ أهَمِّيَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، عَلَى قَدْرِ مَا تَعَهَّدَ الشَّيْطَانُ بِإفْسَادِ صَلَاةِ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ، أَوْ إِنْقَاصِ ثَوَابِهَا، لِذَلِكَ تَرَى الْمَرْءَ يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ مُكَبِّراً، وَيَنْتَهِي مِنْهَا مُسَلِّماً، وَرُبَّمَا لَا يَدْرِي أَخَمْساً صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً! بَلْ لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ لَهُ مَنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْهَا مَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا نِصْفُهَا، رَوَاهُ أَحَمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
لَقَدِ اسْتَوْلَى الشَّيْطَانُ عَلَى صَلَاةِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَلِّينَ، حَتَّى صَارَتِ الصَّلَاةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي حَيَاتِهِمْ شَيْئاً، فَلَا يَجِدُونَ لَهَا حَلَاوَةً وَلَا طَعْماً.
وَقَدْ وَصَفَهُمْ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: «مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ مَثَلُ الْجَائِعِ، يَأْكُلُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ شَيْئاً» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
عِبَادَ اللهِ: الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهَا، مِنْ أَعَزِّ الْأُمُورِ، خُصُوصاً فِي آخِرِ الزَّمَانِ، مَعَ فَسَادِ الْأَحْوَالِ وَتَغَيُّرِ النَّاسِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالْإمَامُ أَحَمْدُ وَالدَّارِمِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدَخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعاً».
أَيُّهَا النَّاسُ: الْأَمْرُ خَطِيرٌ، يَحْتَاجُ مِنَ الْمُؤْمِنِ إِلَى عِنَايَةٍ وَاهْتِمَامٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ عُنْوَانُ الْأَعْمَالِ، فَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا جَمِيعاً أَنْ نَسْعَى لِإِصْلَاحِ صِلَاتِنَا الَّتِي هِي عُنْوَانُ عَلَاقَتِنَا بِرَبِّنَا.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْ طُرُقٍ لِإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ، يُسْتَدْرَكُ بِهَا الْفَائِتُ، وَتُعِينُ عَلَى إِصْلَاحِ الْقَادِمِ مِنْهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ اِنْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكْمِلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أَعْمَالِهِ عَلَى هَذَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
النَّوَافِلُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مُكَمِّلَاتٌ لِلْفَرَائِضِ، وَجَابِرَاتٌ لِلْخَلَلِ فِيهَا، وَإِنَّ مَنْ أَهَمِّ مَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْفَرَائِضِ مِنَ النَّوَافِلِ: تِلْكَ الرَّكَعَاتُ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ سَبْحَانَهُ وَرَبَطَهَا بِالْفَرَائِضِ، وَهِيَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ.
السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ هِيَ صَلَوَاتٌ حَدَّدَهَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَرَتَّبَ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا أَجْراً عَظِيماً.
عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تَطَوُّعاً غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى الله لَهُ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
هَذَا فَضْلُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، أَنْ يَبْنِيَ اللهُ لِلْمُحَافِظِ عَلَيْهَا بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، فَهَنِيئاً لِمَنْ حَصَّلَ ذَلِكُمُ الْبَيْتَ فِي ذَلِكُمُ الْمَكَانِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكَعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، هَذِهِ هِي الصَّلَوَاتُ.
أَمَّا أَفَضْلُهَا وَأَشَدُّ مَا كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَتَعَاهَدُهُ، فَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُداً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْمَرْءُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْأَذَانِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ بَلْ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْإمَامُ مُسْلِمٌ: «أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً».
وَمِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُخَفِّفُهُمَا، تَقُولُ عَائِشَةٌ: كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا حَتَّى أَقُولَ: هَلْ قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَمِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا آيَاتٍ مَعْدُودَةً، دُونَ سَائِرِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: رَمَقَتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ شَهْراً، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون: 1] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ .
هَذِهِ السُّنَنُ الَّتِي هِيَ مُكَمِّلَاتٌ لِمَا نَقَصَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَحْرِصُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي بَيْتِهِ، تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً ثُمَّ يُخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فُيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلَّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِيَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى جَابِرٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيباً مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْراً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ عَامِرَةً بِطَاعَةِ اللهِ، وَبِالصَّلَاةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الصَّلَاةُ كَجَارِيَةٍ تُهْدَى إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ يُهْدِي إِلَيْهِ جَارِيَةً شَلَّاءَ، أَوْ عَوْرَاءَ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدِ، أَوِ الرِّجْلِ، أَوْ مَرِيضَةً، أَوْ دَمِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً، حَتَّى يُهْدِي إِلَيْهِ جَارِيَةً مَيِّتَةً بِلَا رُوحٍ، فَكَيْفَ بِالصَّلَاةِ يُهْدِيهَا الْعَبْدَ، وَيَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى، وَاللهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّباً وَلَيْسَ مِنَ الْعَمَلِ الطَّيِّبِ صَلَاةٌ لَا رُوحَ فِيهَا .
فَأَيْنَ الْخُشُوعُ وَالطُّمَأْنِينَةُ؟ وَأَيْنَ الرُّوحُ فِي صَلَاةِ اْلْمَرْءِ وَهُوَ يَنْقُرُ صَلَاتَهُ نَقْرَ الْغُرَابِ، يَتَأَمَّلُ الْجُدْرَانَ، وَيَهِيمُ فِي الْوِدْيَانِ، قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالدُّنْيَا، لَا يُبْرِمُ حِسَابَاتِهِ، وَلَا يَقْضِي أَشْغَالُهُ، وَلَا يُجَهِّزُ خُطَطَهُ وَأَفْكَارَهُ لِأُمُورِ دُنْيَاهُ إِلَّا وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْرِعاً، كَأَنَّمَا أُطْلِقَ سَرَاحُهُ مِنْ سِجْنٍ طَوِيلٍ، لَا يَذْكُرُ اللهَ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِتَقْصِيرِهِ فِيهَا، فَضْلًا عَنْ مَنْ يَأْتِي بِسُنَنِ الصَّلَاةِ وَرَوَاتِبِهَا.
أَيُّهَا النَّاسُ: الْمَرْءُ فِي صِلَاتِهِ مِنْ بِدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا وَهُوَ يَذْكُرُ اللهَ، وَيُكَبِّرُهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ لِذَلِكَ شُرِعَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَدَعِيَةً وَأَذْكَاراً، خَصَّهَا اللهُ بِفَضَائِلَ عَدِيدَةٍ؛ بَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ لَا يَعْرِفُونَ انْتِهَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا بِرَفْعِ النَّاسِ صَوْتَهَا بِالْأَذْكَارِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ بَلْ إِنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ إِجَابَةً، رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسَمْعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» فَمِمَّا كَانَ يُحَافِظُ عَلَى قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثاً وَقَالَ: «اللَّهُمُّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكَتْ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّلهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَكَانَ يَقُولُ أَيْضاً: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» وَكَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَحُثُّ عَلَى التَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَيَقُولُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنَّ يَمُوتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
هَذِهِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ جُمْلَةٌ مِمَّا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْبُرَ بِهَا مَا نَقَصَ فِي صَلَاةِ الْعَبْدِ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.