مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:16:31

الضرورات الخمس

الضرورات الخمس

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ :

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ   وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

تَقْوَى اللهِ هِي الْمُنْجِيَةُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَفْزَعِ وَمَفْزَعِ الْخَوْفِ، فَاتَّقُوْا اللهَ ـ عِبَادِ اللهِ ـ يُنْجِيكُمْ فِي فَزَعِكُمْ وَمَفْزَعِكُمْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].

خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ وَبَعْثَ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلَيْنِ لِيُنْقِذُوهُمْ مِنْ مَعِيشَةِ ضَنْكٍ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، يَأْكُلُ الْغَنِيُّ مَالَ الضَّعِيفِ، وَالْقَوِيُّ مُسَلَّطٌ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْبِشْرِ يَسْفِكُ دِمَاءَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّ نِسَاءَهُمْ، لَيْسَ ثَمَّةَ حُرْمَةٌ لِلْمَالِ تَضْمَنُ بِهَا عَدَمَ الاِعْتِدَاءِ عَلَيْهِ.

وَلِذَلِكَ أَرَادَ اللهُ إِنْقَاذَ خَلْقِهِ بِبَعْثِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، لِيُخْرِجُوا النَّاسَ مِنَ الْجَوْرِ إِلَى الْعَدْلِ، وَمَنِ الضَّعْفِ إِلَى الْقُوَّةِ، وَمَنِ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، جَاءَ لِيَدُلَّ النَّاسَ إِلَى الْخُلُقِ الرَّشِيدِ، جَاءَ الإِسْلَامُ مَانِعاً مِنَ الشَّرِّ كُلِّهُ، جَاءَ لِيَحْمِيَ الْإِنْسَانَ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِ حَيَاتِهِ.

إِنَّ الْإِسْلَامَ ـ أَيُّهَا الْأُخُوَةُ ـ مَنَعَ كُلَّ مَا يَكُونُ ضَرَراً عَلَى الْمُسْلِمِ، وَجَاءَ دَاعِياً إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ضَرُورَاتٍ خَمْسٍ هِيَ أَهَمُّ مَا يُلَامِسُ الْمُؤْمِنَ فِي حَيَاتِهِ، بَلْ إِنَّ جَمِيعَ شَعَائِرِ هَذَا الدِّينِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً تَحْتَ إِحْدَى هَذِهِ الضَّرُورَاتِ.

أَعَظْمُ الضَّرُورَاتِ الَّتِي طُلِبَ مِنَ الْمُسْلِمِ الْقِيَامُ عَلَيْهَا وَمُرَاعَاتُهَا، حِفْظُ دِينِهِ مِنَ الاِنْحِرَافِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ حِفْظُ الدِّينِ مِنَ النُّقْصَانِ أَوْ الاِنْحِرَافِ.

لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ حَافْظًا لِدِينِهِ إِلَّا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى تَعَالِيمِ الدِّينِ كُلِّهَا وَتَعْظِيمِهَا: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الْمَرْءِ دِينًا غَيْرَ الْإِسْلَامِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

وَلَنْ يَسْتَقِيمَ دِينُ الْمَرْءِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ إِخْلَاصُهُ للهِ فِي كُلِّ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ عَنْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ امْتِثَالاً لِقَوْلِهِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ قَالَ ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

وَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينِ فَقَدْ حَفِظَ الدِّينُ مَالَهُ وَعِرْضَهُ وَدَمَهُ، فَالدِّينُ سِيَاجٌ يَحْمِي مَنْ دَخَلَ فِيهِ مِنَ الاِعْتِدَاءِ عَلَيْهِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا».

فَمَنْ دَخَلَ هَذَا الدِّينَ فَقَدْ دَخَلَ فِي سِيَاجٍ مِنَ الْحِمَايَةِ مَتِينٌ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا خُرُوجُهُ مِنْ هَذَا الدِّينِ.

وَلَمَّا كَانَ دِينُ الْمَرْءِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ عَقْلٍ يَحْمِيهُ وَيَذُودُ عَنْهُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا يُدْخِلُ الْخَلَلَ إِلَى أَيِّ أَمْرٍ يَبْدَأُ مِنْ ضِعَةِ الْعَقْلِ وَعَدِمِ اتِّزَانِهِ.

جَاءَ دِينُ الْإِسْلَامِ بِحِفْظِ الْعَقْلِ عَمَّا يَضُرُّ بِهِ كَيْ يَكُونَ هَذَا الْعَقْلُ خَاصَّاً بِعِبَادَةِ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ وَالسَّعْيِ فِي ذَلِكَ بِكُلِّ الطُّرُقِ وَالِارْتِبَاطِ بِرَبِّهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فِي كُلِّ تَصَرُّفَاتِهِ الْحَيَاتِيَّةِ.

حَرَّمَ الْإِسْلَامُ كُلَّ مَا يُفْسِدُ الْعَقْلَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» مَا حَرَّمَ الْخَمْرَ إِلَّا لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْلَ، وَالْعَقْلُ هُو الْمُسَيِّرُ لِلْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَإِذَا فَسَدَ عَقْلُ الْمَرْءِ فَسَدَ تَبَعاً لَهُ كُلُّ شّيْءٍ.

وَأَعْظَمُ مِنْهُ مَا خَدَّرَ الْعَقْلَ مِنْ مُخَدِّرَاتٍ أَوْ مُنَبِّهَاتٍ، فَكُلُّهَا أَشَدُّ حُرْمَةً مِنَ الْخَمْرِ، وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ جَاءَ التَّحْرِيمُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

إِذَا ذَهَبَ عَقْلُ الْمَرْءِ وَقَعَ فِي الْمَصَائِبِ كُلِّهَا، زَنَى، سَرَقَ، ضَرَبَ، اعْتَدَى عَلَى غَيْرِهِ، فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يَسْتَحِي الْإِنْسَانُ فِي عَقْلِهِ أَنْ يُعَدِّدَهَا، فَكَيْفَ بِفِعْلِهَا، لَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا كُلَّهَا مُجْتَمِعَةً إِذَا أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِنَفْسِهِ بِهَذِهِ الْمُفْسِدَاتِ.

الْعَقْلُ أَثْمَنُ مَا عِنْدَ الْمَرْءِ مِنَ الْحَوَاسِّ لِأَنَّهُ مَلِكُهَا وَقَائِدُهَا، وَالْإِنْسَانُ يَسْأَلُ رَبَّهُ تَمَامَ الْعَقْلِ وَنُضْجَهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ، أَمَّا الْعِلْمُ وَالْخِبْرَةُ فَتَأْتِي شَيْئاً فَشَيْئاً.

شُرِّفَ الْعَاقِلُ بِوُرُودِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَلْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ كَثِيراً مِنْ آيَاتِهِ يَعْتَبِرُهَا الْعُقَلَاءُ: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73].

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242] ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17] بَلْ إِنْزَالُ الْقُرْآنِ كُلِّهِ لَعَلَّ النَّاسَ يَعْقِلُونَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2] ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10].

وَمَعَ كُلِّ هَذَا فَيُرِيدُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُفْسِدُوا عُقُولَهُمُ الَّتِي وَهَبَهُمُ اللُه وَفَضَّلَهُمْ بِهَا بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْخَمْرِ، مِنَ الْمُخَدِّرَاتِ بِشَتَّى أَنْوَاعِهَا، فَيَا لَيْتَهُمْ يَعْقِلُونَ مَا يُحَاكُ لِلْمُسْلِمِ مِنْ أَعْدَائِهِ فِي تَرْوِيجِ أَمْثَالِ هَذِهِ السُّمُومِ وَالشُّرُورِ، لِأَجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُونَ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِ الْإِسْلَامِ الْعَقْلَ إِحْدَى الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمَرْءِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا.

لَكْنَّ الْمَرْءَ إِذَا رَزَقَهُ اللهُ دِيناً وَعَقْلاً مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يَقُوتُ بِهِ حَيَاتَهُ مِنْ مَالٍ وَنَفَقَةٍ، إِذْ لَا عَيْشَ لِلْإِنْسَانِ بِدُونِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَحَدَ الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَحِفْظِهَا: حِفْظُ الْمَالِ.

فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ الْمَرْءُ بِدُونِ مَالٍ تَقُومُ عَلَيْهِ شُؤُونُ حَيَاتِهِ، فَالْإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ رِزْقِهِ الَّذِي يَعِيشُ بِهْ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ يَحْفَظُ لَهُ هَذَا الْأَصْلَ لِتَسْتَقِيمَ لَهُ حَيَاتُهُ وَيُقِيمَ دِينُهُ، أَبَاحَ الْإِسْلَامُ التَّكَسُّبَ بِكُلِّ طَرِيقٍ مَشْرُوعٍ لَا ظُلْمَ فِيهِ، وَلَا غَرَرَ، وَلَا غِشَّ فَلِأَجْلِ ذَا حَرَّمَ الرِّبَا تَحْرِيماً شَدِيداً لِمَا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ الْمُتَعَدِّي: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ  وَشَاهِدَيْهِ» ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279].

فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْوَى عَلَى مُحَارَبَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» وَنَهَى عَنِ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَجَعَلَ اللهُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ الْأَمِينِ مَنْزِلَةً عَالِيَةً: « الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْمُسْلِمُ لَا يَرْتَشِي، وَلَا يَأْكُلُ مَالَ غَيْرِهِ بِدُونِ حَقٍّ، وَلَا يَأْكُلُ مَالَ يَتِيمٍ وَلَا امْرَأَةٍ ، وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ قَاصِراً حِفْظَ الْمَالِ عَلَى طُرُقِ كَسْبِهِ بَلْ حَتَّى بَذْلُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، فَلَا يَكُونُ مَالُهُ مَبْذُولًا فِي حَرَامٍ وَلَا فِي ظُلْمٍ وَلَا فِي لَهْوٍ مُحَرَّمٍ .

فَمَا الْبَالُ بِمَنْ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَبْذُلُ مَالَهُ فِي إِضْلَالِ النَّاسِ فِي وَسِيلَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ، أَوْ يَدْعَمُ بِمَالِهِ طُرُقاً مِنْ طُرُقِ الْإِرْهَابِ الْمُحَرَّمِ أَوْ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي تَدْمِيرِ الْعُقُولِ وَالْأَخْلَاقِ، أَتَرَوْنَ ذَلِكَ كَانَ حَافِظًا لِمَالِهِ أَمْ أَنَّهُ سَيَلْقَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كَانَ يُسَبِّبُهُ مِنْ إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ.

إِذَا حَفِظَ الْمُسْلِمُ دِينَهُ وَصَانَ عَقْلَهُ وَرَاعَى مَالَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى التَّنَاسُلِ وَالتَّكَاثُرِ، لِذَلِكَ شَرَعَ الْإِسْلَامُ لَهُ طَرِيقَةَ التَّنَاسُلِ وَهِيَ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ الْمُبَاحُ وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الشَّهْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، حَرَّمَ الزِّنَا الَّذِي هُوَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32] بَلْ إِنَّ الزِّنَا لَمَّا كَانَ مُخَالِفاً لِلْفِطْرَةِ، وَفِيهِ إِفْسَادٌ لِلْبَشَرِيَّةِ كَانَتْ عُقُوبَةُ الزَّانِي مِنْ أَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا، تَنَالُ جَمِيعَ جَسَدِهِ كَمَا نَالَ الَّلذَّةَ الْمُحَرَّمَةَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ.

وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْإِسْلَامُ فِي سَبِيلِ حِفَاظِ الْمَرْءِ عَلَى عِرْضِهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى إِفْسَادِهِ، فَجَعَلَ عُقُوبَتَهُ أَشْنَعَ عُقُوبَةٍ، وَحَرَّمَ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرَ الْمُحَرَّمَ وَأَمَرَ الْمَرْأَةَ بِالْحِجَابِ الَّذِي هُوَ سَتْرُ الْوَجْهِ وَالْجَسَدِ كَامِلاً عَنِ الرِّجَالِ، وَمَنَعَ سَفَرَهَا لِوَحْدِهَا دُونَ مَحْرَمٍ حِمَايَةً لَهَا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ [النور: 30-31] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33].

وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ حَرَّمَ الْإِسْلَامُ قَذْفَ الْمُسْلِمِ وَسَبَّهُ وَشَتْمَهُ وَلَعْنَهُ؛ بَلْ وَحَرَّمَ احْتِقَارَهُ، فَانْظُرُوا كَيْفَ حَافَظَ الْإِسْلَامُ عَلَى عِرْضِ الْمُؤْمِنِ وَحَمَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَأْبَى بَعْضُ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَرْفُضُوا حِمَايَةَ اللِه لَهُمْ فَيُبِيحُونَ بَعْضَ مَا كَانَ مُحَرَّماً عَلَيْهِمْ، وَيُجِيزُوا لِلنَّاسِ أُمُوراً مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَلَمْ يَسْتَشْعِرُوا فَدَاحَةَ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا حَافَظَ عَلَى دِينِهِ وَعَقْلِهِ، وَحَافَظَ عَلَى عِرْضِهِ وَمَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى عَيْشٍ آمِنٍ وَمُسْتَقِرٍّ لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الضَّرُورَاتِ الَّتِي حَفِظَهَا الْإِسْلَامُ حِفْظُ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ وَتَحْرِيمُ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَقَتْلِهِ؛ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ إِذَا كَانَ فِي أَمَانٍ مِنَ الْمُسْلِمِ أَوْ مُعَاهَدَتِهِ.

فَهَلْ تَرَوْنَ دِيناً أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الدِّينِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33].

وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»، «وَلَايَزَالُ الْعَبْدُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَاماً»، «وَكُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ وَقَدْ أَصَابَ دَماً حَرَاماً».

كُلُّ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ، فَالْمُسْلِمُ يَعِيشُ بِأَمَانِ اللهِ وَيَسِيرُ بِحِمَايَةِ اللهِ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُؤَمِّنُهُ أَوْ يُدَافِعُ عَنْهُ، فَإِسْلَامُهُ كَافٍ فِي إِعْطَائِهِ الْمَنَعَةَ مِنْ أَنْ يُعْتَدَى عَلَيْهِ أَوْ يُمَسَّ بِسُوءٍ.

بَلْ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ فَكَيْفَ قَتْلُهُ: «مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

فَيَاللهِ مَا أَعْظَمَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَمَا أَحْرَى الْمُؤْمِنُ أَنْ يَفْخَرَ بِدِينِهِ وَيُعَظِّمَهُ وَيَفْخَرَ بِهِ.

عِبَادَ اللهِ، لَمْ يَشْرَعِ اللهُ عِبَادَةً إِلَّا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ التَّقْوَى سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ فِي حَيَاتِهِ وَهِيَ نَجَاتُهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ جَمِيعاً ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

مَا قَدْ سَمِعْتُمُوهُ آنِفاً يَكَادُ يُقِرُّ بِهِ كُلُّ عَاقِلٍ، وَيَأْلَفُ إِلَيْهِ حَتَّى الْكُفَّارُ، وَمَعَ ذَلِكَ وَمَعَ تَغَيُّرِ الْفِطَرِ هَاأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ بَيْنَ فَتْرَةٍ وَأُخْرَى عَنْ تِلْكَ الْمَوَادِّ الْمُخَدِّرَةِ الَّتِي تَدْخُلُ الْبِلَادَ، فَأَيْنَ دِينُهُ مَنْ أَدْخَلَهُا، وَأَيْنَ عَقْلُهُ، وَأَيْنَ حَمِيَّتُهُ وَلَكْنْ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾   [الحج: 46] لَقَدْ صَارَ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ لُقْمَةً لِأَعْدَاءِ الدِّينِ يُفْسِدُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَهُمْ مَرَضٌ يَجِبُ اسْتِئْصَالُهُ.

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا تَرَوْنَهُ وَتَسْمَعُونَهُ بَيْنَ وَقْتٍ وَآخَرَ بِشَأْنِ مَنْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً، فَيَقْتُلُونَ النَّاسَ، وَيُخَرِّبُونَ الْأَرْضَ وَالدِّيَارَ، فَمَنْ يُرْهِبُ النَّاسَ فِي دُورِهِمْ، وَيَسْفِكُ دِمَاءَهُمْ، وَدَمَّرَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، هَلْ عِنْدَهُ حَمِيَّةٌ لِدِينِهِ أَمْ عِنْدَهُ حِفَاظٌ عَلَى أَنْفُسِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْوَاحِهِمْ؟

ثُمَّ هُنَاكَ مَنْ يَدْعَمُ وَيُؤَيِّدُ، وَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ أَصْدَرَ الْعُلَمَاءُ بَيَاناً بَيَّنُوا فِيهِ حُرْمَةَ الْإِرْهَابِ وَدَعْمِهِ وَمُشَارَكَةَ الدَّاعِمِ لِلْفَاعِلِ، كُلُّ ذَلِكَ مَزِيداً فِي الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ.

لَكِنْ لَمَّا بَعُدَ النَّاسُ عَنْ دِينِهِمْ وَلَمْ يُحَافِظُوا عَلَى مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّرُورَاتِ ظَهَرَ فِينَا مَنْ يَسْفِكُ دَمَنَا، وَمَنْ يُفْسِدُ عَقْلَنَا، وَمَنْ يَنْشُرُ الْفَسَادَ الْإِعْلَامِيَّ بِمَالِهِ بَيْنَنَا، فَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة