الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ جَمِيعاً أَنَّهُ خَلَقَهُمْ مِنْ ذَكَرٍ هُوَ آدَمُ، وَمِنْ أُنْثَى هِيَ حَوَّاءُ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ. فَالتُّرَابُ هُوَ مُنْتَهَى الْأَنْسَابِ، فَبِمَ يَفْتَخِرُ شَعْبٌ عَلَى شَعْبٍ؟! وَبِمَ يَحْتَقِرُ قَوْمٌ قَوْماً؟! وَكُلُّهُمْ كَانَ تُرَاباً، وَكُلُّهُمْ يَصِيرُ تُرَاباً.
ثُمَّ كَشَفَ اللهُ لِلنَّاسِ فِي الْآيَةِ عَنِ الْعِلَّةِ فِي جَعْلِهِمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ وَهِيَ التَّعَارُفُ أَيْ: لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، لَا لِيَبْغِيَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ قَطْعُ التَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَحْسَابِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: لَا أَرَى أَحَدًا يَعْمَلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13] فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنَا أَكْرَمُ مِنْكَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِتَقْوَى اللهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ".
فَاعْلَمُوا ـ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ـ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْبَرْبَرِ وَسَائِرِ النَّاسِ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، لَا يَحْكُمُهُمْ دِينٌ وَلَا عَقْلٌ سَلِيمٌ، قَوِيُّهُمْ يَأْكُلُ ضَعِيفَهُمْ، تُفْنِيهُمْ الْحُرُوبُ أَجْيَالاً بَعْدَ جِيلٍ مِنْ أَجْلِ اسْتِغَاثَةِ رَجُلٍ بِقَبِيلَتِهِ وَلَوْ عَلَى بَاطِلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاهَاتِ الْأَسْبَابِ وَحَقِيرِ الْبَوَاعِثِ.
فَجَاءَ الْإِسْلَامُ مَاحِياً هَذِهِ الْجَاهِلِيَّاتِ وَالْعَصَبِيَّاتِ النَّتِنَةَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، بِالْأُخُوَّةِ الصَّحِيحَةِ أُخُوَّةِ الدِّينِ، بَعْدَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِخْوَةٌ فِي الطِّينِ فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ آدَمَ، وَآَدَمُ مِنْ طِينٍ، لَكِنَّ الْأُخُوَّةَ الرَّابِطَةَ بِإِحْكَامٍ وَالْجَامِعَةِ بِالدِّفْءِ هِيَ أُخُوَّةْ الْإِسْلَامِ.
إِنَّ مَعْرِفَةَ الْإِنْسَانِ لِقَبِيلَتِهِ، وَانْتِسَابِهِ لِهَا، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى الْأَنْسَابِ لَا يُذَمُّ فِي الدِّينِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ جَاءَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ».
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى إِقْرَارِ الشَّارِعِ بِأَهَمِّيَّةِ النَّسَبِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ الطَّوِيلِ الْمُخَرَّجِ فِي "الصَّحِيحِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ هِرَقْلَ سَأَلَهُ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ ـ وَفِي الْحَدِيثِ ـ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا.
عَلَّقَ الشَّرْعُ بَعْضَ تَعَالِيمِ هَذَا الدِّينِ بِمَعْرِفَةِ النَّسَبِ وَالْقَبِيلَةِ، فَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ، وَقَالَ عَنْ حِجَابَةِ الْكَعْبَةِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: «خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ».
وَجَعَلَ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى النَّسَبِ وَالْقَبِيلَةِ، فَقَالَ: «أَلْحِقُوا الْفُرُوضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
وَلِهَذَا قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْعَصَبَةَ وَالْأَرْحَامَ، وَجَعَلُوهُمْ دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنَ الْمَيِّتِ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ الدَّقِيقِ بِالنَّسَبِ عِنْدَ التَّوْرِيثِ.
النِّكَاحُ لَهُ تَعَلُّقٌ وَثِيقٌ بِمَعْرِفَةِ الْمَرْءِ نَسَبَهَ وَقَبِيلَتَهُ، فَقَدْ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسْبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: لَأَمْنَعَنَّ تَزَوُّجَ ذَوَاتِ الْأحْسَابِ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُكُمْ وَلَا نَؤُمُّكُمْ، وَجَعَلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ اعْتِبَارَ النَّسَبِ فِي قَضِيَّةِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْقَسَامَة، وَمِمَّا جَاءَ فِي ذَلِكَ أَيْضاً الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ».
وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضاً مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَسْلَمُ، وَغِفَارٌ، وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجُهَيْنَةَ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ» أَوْ قَالَ: «خَيْرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ»، ورَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ، عَنِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُو نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ».
إِنَّمَا الْمَذْمُومُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الاِفْتِخَارُ بِالْقَبَائِلِ، وَذَمُّ أَنْسَابِ النَّاسِ، وَاحْتِقَارُ مَنْ لَمْ يُعَرَفْ بِقَبِيلَةٍ، فَتِلْكَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: إِذَا تَدَاعَتِ الْقَبَائِلُ فَاضْرِبُوهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَيْ: حَتَّى تَكُونَ دَعْوَتُهُمْ وَانْتِسَابُهُمْ لِلْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لِلْقَبَائِلِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ: سَيَكُونُ لِلْعَرِبِ دَعْوَى قَبَائِلَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَالسَّيْفَ السَّيْفَ وَالْقَتْلَ الْقَتْلَ حَتَّى يُقُولُوا: يَا لَلْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبْي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ ـ أَيْ: الْأَمْرُ الْأَعْمَى لِلْعَصَبِيَّةِ لَا يَسْتَبِينُ وَجْهَهَا ـ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقُتِلَ فقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي».
وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟ قَالَ: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِهِ: الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : «إِنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِسِبَابٍ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ، طَفُّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلَئُوهُ، ـ أَيْ: قَرْيبٌ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي النَّسَبِ ـ لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلاَّ بِالدِّينِ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
وَيُذَمُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَؤَدِّيَ افْتِخَارُ الْإِنْسَانِ بِنَسَبِهِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْمَهُ وَجَمَاعَتَهُ وَبَنِي قَبِيلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رُدِّيَ ـ أَيْ: سَقَطَ فِي الْبِئْرِ ـ فَهُوَ يَنْزِعُ ـ أَيْ: يُحَاوِلُ الْخُرُوجَ ـ بِذَنَبِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ ـ لَمْ يُوَلِّ بَعْدَهُ عَلِيَّاً، وَلَا الْعَبَّاسَ، وَهُمْ مِنْ آلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَشْرَفِ قُرَيْشٍ.
وَلَعَلَّ مِنْ أَبْلَغِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْعَصَبِيَّةُ الْقَبَلِيَّةُ الَّتِي تَجْعَل ذَلِكَ التَّعَصُّبَ مِيثَاقاً لِلْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَمِيثَاقاً لِلنُّصْرَةِ وَالنَّجْدَةِ وَالتَّفُاخُرِ بِالْمَاضِي وَإِنْ كَانَ نَتِناً.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ، فَكَسَعَ أَنْصَارِيَّاً، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَباً شَدِيداً، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» ثُمَّ قَالَ: «مَا شَأْنُهُم؟» فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ «دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ».
وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الْعَصَبِيَّةِ، فَإِنَّ الِانْتِسَابَ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ مَمْدُوحٌ غَيْرُ مَقْبُوحٍ، لَكِنْ لمَّا خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ اعْتِزَازاً بِالدِّينِ إِلَى الِاعْتِزَازِ بِالْقَوْمِ وَالْعَصَبِيَّةِ وَالْقَبِيلَةِ صَارَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَبَعْدُ:
وَلَا بُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْ قَوْمٍ يَأْنَسُ بِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَأْنَسِ الْمَرْءُ بِأَهْلِهِ وَقَوْمِهِ وَأُسْرَتِهِ فَهُوَ مُتَوَحِّشٌ، وَمُخَالِفٌ لِلْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، لِذَلِكَ صَارَ حُبُّ الْأَوْطَانِ شَيْئاً مَجْبُولاً عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ التَّكَاثُرَ بِالمَالِ وَالوَلَدِ وَالعَشِيرَةِ لم يَنفَعْ أَبَا جَهلٍ وَلا أَبَا لهبٍ وَلا الوَلِيدَ بنَ المُغِيرَةِ لَمَّا تَكَبَّرُوا عَنِ الإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 43-49].
وَقَالَ تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 1-3].
وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 11-30].
وَلَمَّا كَانَت وَفرَةُ الأَموَالِ وَكَثرَةُ الأَولادِ تَغُرُّ كَثِيراً، وَتَمنَعُهُم مِنَ الهِدَايَةِ وَتَصُدُّهُم عَنِ الحَقِّ، فَقَد بَيَّنَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَنْ يُغنِيَ عَنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ شَيْئاً؛ لِيَحْذَرَ ذَلِكَ الْعِبَادُ وَيَتَّقُوهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 34-37].
وَإِنَّ لِلشُّعَرَاءِ فِي إِذكَاءِ تِلْكَ العَصَبِيَّاتِ وَإِيقَادِهَا لَدَوراً كَبِيراً هُم مِنْهُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، قَالَ: «إِنَّ أَعظَمَ النَّاسِ فِريَةً لَرَجُلٌ هَجَا رَجُلاً فَهَجَا القَبِيلَةَ بِأَسرِهَا وَرَجُلٌ انتَفَى مِن أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ».
أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ جَمِيعاً ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَلْنَحرِصْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلْنَعمَلْ عَلَى تَقوِيَةِ رَوَابِطِ الْأُخُوَّةِ الإِسلامِيَّةِ وَالعَلائِقِ الإِيمَانِيَّةِ؛ لِنَنَالَ بِذَلِكَ رَحمَةَ اللهِ وَرِضَاهُ عَنَّا، قال سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.