الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ، اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] إِنَّ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللهُ صَانِعٌ فِيهِ، وَأَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَأْخُذِ الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَمِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَمِنَ الْفَرَاغِ قَبْلَ الشُّغْلِ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ حِيلَةٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا إِلَّا الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ.
وَبَعْدُ ـ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ـ تَتقَلَّبُ أَحْوَالُ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بَيْنَ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ، وَشُغْلٍ وَفَرَاغٍ، وَتَعَبٍ وَاسْتِرْوَاحٍ، وَجِدٍّ وَفُتُورٍ، وَالْعَاقِلُ هُوَ مَنْ اسْتَغَلَّ وَقْتَ تَجَامُعِ قُوَاهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ وَقْتَ ضَعْفِهَا، الْحَدِيثُ عَنْ وَقْتِ الْإِنْسَانِ حَدِيثٌ ذُو شُجُونٍ، إِذِ الْحَدِيثُ عَنِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ عَنِ الْعُمْرِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ الْخُطَبَاءُ وَالنَّاصِحُونَ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ عُمْرِ الْإِنْسَانِ وَاسْتِغْلَالِهِ.
آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ تَخْتَصِرُ عُمْرَ الْإِنْسَانِ وَحَيَاتَهُ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم: 54].
قَسَّم اللهُ عُمْرَ الْإِنْسَانِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ هِيَ بِإِيجَازٍ:
قُوَّةٌ بَيْنَ ضَعْفَيْنِ، فَالضَّعْفُ الْأَوَّلُ ضَعْفُ الطُّفُولَةِ وَالصِّغَرِ، ثُمَّ قُوَّةُ الشَّبَابَ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهَا ضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ والْكِبَرِ.
وَمَا نَجِدُ مِنْ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ تَجْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ عُمْرِ الْإِنْسَانَ وَوَقْتِهِ كَمِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ زَهْرَةَ عُمْرِ الْإِنْسَانِ هِيَ مَرْحَلَةُ شَبَابِهِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ: «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ وَصِحّتَكَ قَبْلَ سِقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَك قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».
إِنَّ الْمُتَأمِّل فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ يَجِدُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الْخَمْسَ تَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي مَرْحَلَةِ الْقُوَّةِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ، فَالشَّابُّ صَحِيحُ الْبَدَنِ قَوِيُّ الْهِمَّةِ، أَكْثَرُ فَرَاغاً، وَأَقَلُّ ارْتِبَاطاً بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَشَوَاغِلِهَا، فَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَتَّجِهُ إِلَى الشَّابِّ قَبْلَ غَيْرِهِ.
فَيَا أَيُّهَا الشَّبَابُ: احْذَرُوا مِنَ التَّسْوِيفِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "صَيْدِ الْخَاطِرِ": إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ، فَإِنَّهُ أَكْبَرُ جُنُودِ إِبْلِيسَ.
يُخَيَّلُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْأَيَّامَ سَتَفْرُغُ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَتَصْفُو لَهُ مِنَ الْمُكَدِّرَاتِ وَالْعَوَائِقِ، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ فِيهَا أَفْرَغَ مِنْهُ فِي مَاضِي أَيَّامِ الشَّبَابِ، وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ الْمُشَاهَدَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ هَذَا، كُلَّمَا كَبُرَتْ سِنُّكَ كَبُرَتْ مَسْؤُولِيَّاتُكَ، وَزَادَتْ عِلَاقَاتُكَ، وَضَاقَتْ أَوْقَاتُكَ، وَنَقَصَتْ طَاقَتُكَ، فَالْوَقْتُ فِي الْكِبَرِ أَضْيَقُ، وَالْجِسْمُ فِيهِ أَضْعَفُ، وَالصِّحَّةُ فِيهِ أَقَلُّ، وَالنَّشَاطُ أَدْنَى وَالْوَاجِبَاتُ وَالشَّوَاغِلُ أَكْثَرُ وَأَشَدُّ.
وَمَا شَأْنُ هَذَا الَّذِي يَرَى التَّفَرُّغَ مِنَ الشَّوَاغِلِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَيَّامِ آتٍ إِلَّا كَشَأْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِلْإِمَامِ ابْنِ سِيرِينَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: إِنيِّ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنِّي أَسْبَحُ فِي غَيْرِ مَاءٍ، وَأَطِيرُ بِغَيْرِ جَنَاحٍ، فَمَا تَفْسِيرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا؟! فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ كَثِيرُ الْأَمَانِيِّ وَالْأَحْلَامِ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: كُلُّكُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ وَقْتِ الشَّبَابِ، لَكِنْ مَا رَأْيُكُمْ بِأُمُورٍ نَجِدُهَا مَاثِلَةً أَمَامَنَا فِي وَاقِعِ الشَّبَابِ نَتَحَمَّلُ جَمِيعاً مَسْؤُولِيَّتَهَا:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ بِقَدْرِ مَا نَعْلَمُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ مَرْحَلَةِ الشَّبَابَ وَمَعَ ذَلِكَ فَغَالِبُ شَبَابِ الْمُجْتَمَعِ الْيَوْمَ يَبْلُغُ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَمْ يَتَحَدَّدْ هَدَفُهُ فِي الْحَيَاةِ؛ بَلْ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُدِيرُ حَيَاتَهُ، فَإِذَا كَانَتْ مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ هِيَ مَرْحَلَةُ الْقُوَّةِ بَيْنَ ضَعْفَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِثَالاً فِي عُمْرِ الْمَرْءِ فَكَيْفَ إِذَنْ حَالَةُ الضَّعْفِ.
انْظُرُوا الشّبَابَ مِنْ أَبْنَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ، مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ بَيْتًا؟ مَنْ حَدَّدَ مِنْهُمْ مَصْدَرَ رِزْقِهِ؟ مَنْ أَوْضَحَ مِنْهُمَ مَجَالَ عَمَلِهِ الَّذِي يُنَاسِبُهُ؟ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ؟ بَعْضُهُمْ لَا تَأْمَنْهُ أَنْ تُوكِلَ إِلَيْهِ رِعَايَةَ الْبَيْتِ بَعْدَكَ، كَيْفَ وَالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَعْمَارُ أَمَّتِي بَيْنَ السِّتِّينِ إِلَى السَّبْعِينِ» فَكَيْفَ حَالُ الشَّابِّ الَّذِي مَضَى نِصْفُ عُمْرِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ.
ثَانِيهَا: أَنَّ الشَّبَابَ مَرْحَلَةٌ مُهَيَّأَةٌ لِتَقَبُّلِ أَيِّ فِكْرٍ أَوْ تَوَجُّهٍ خَاصّةً إِذَا لَمْ يُصَاحِبْهُ تَوْجِيهٌ سَلِيمٌ، وَلِذَلِكَ انْصَرَفَتِ التَّوَجُّهَاتُ الْمُنْحَرِفَةُ إِلَى الشَّبَابِ لِسُهُولَةِ التَّأْثِيرِ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَكْثَرُ الْجَرَائِمِ مِنَ الشَّبَابِ، وَالِانْحِرَافُ الْخُلُقِيُّ وَالْأَخْلَاقِيُّ غَالِبُهُ مِن الشَّبَابِ.
ثَالِثُهَا: غَالِبُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَرَوْنَ ضَحِيَّتَهَا شَبَابٌ لَمْ يَعُوا مَا يَسْعَوْنَ إِلَيْهَ، هُمْ حَطَبُ هَذِهِ النَّارِ وَهُمْ وَقُودُهَا، أَشْعَلَ هَذِهِ النَّارَ فِئَامٌ لَمْ يَرْضَوْا لِأَنْفِسِهِمْ بِالضَّرَرِ فَجَعَلُوا شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَقُوداً وَحَطَباً.
أُثِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنّهُ قَالَ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا.
إِنّ مَسْؤُولِيَّةَ الْعِنَايَةِ بِالشَّبَابِ يَتَحَمَّلُهَا الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ، الْأَبُ وْالْمُرَبِّي وَالْمَسْؤُولُ كُلٌّ فِي مَسْؤُولِيّتِهِ، إِنَّ تَضْيِيعَ فَتْرَةِ الشَّبَابِ مِنْ قِبَلِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى سَائِرِ فِئَاتِهِ ، ثُمَّ مِنَ الشَّبَابِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ لَمْ يُؤَصِّلُوا تَأْصِيلاً قَوِيَّاً يَكُونُ دَافِعاً لَهُمْ عَلَى اغْتِنَامِ حَيَاتِهِمْ فِي صَالِحِهِمْ، لَا ُبَّد أَنْ يُعَوَّدَ الْمَرْءُ مِنْ صِغَرِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قَبْلَ أَنْ تُسْنَدَ إْلَيْهِ الْمَسْؤُولِيَّةُ وَلَا يَعْرِفُ قِيَادَهَا.
لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ أَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ مُجْتَمَعِهِ، مَاذَا قَدَّمَ لِصَلَاحِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوهُ فِي سِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْهَمَّ الَّذِي يُلَاحِقُ كُلَّ أَبٍ وَأُمٍّ حِينَ يَرَى تَخَطُّفَ الشَّبَابِ مِنْ حَوْلِهِ كَيْفَ يَرْعَى أَبْنَاءَهُ، وَيُحَافِظُ عَلَيْهِمْ؟
أَوَّلاً: إِنَّهُ لَنْ يَجِدَ النَّاصِحُ طَرِيقاً لِإِصْلَاحِ الشَّابِّ إِلَّا بِتَحْصِينِهِ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَدُلُّهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَمْنَعُهُ مِنَ الشَّرِّ، وَقَدْ أُثِرَ عَنْ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ إِنِّي لَأَرَى الشَّابَّ يُعْجِبُنِي فَإِذَا قِيلَ لَيْسَ لَهُ صَنْعَةٌ سَقَطَ مِنْ عَيْنِي، يَعْنِي: لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ يَعْرِفُهُ فَيَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ.
ثَانِياً: إِنَّهُ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ، أَوْ تَجَاوُزٍ، أَوْ تَعَدٍّ لِحُدُودِ الْأَدَبِ مِنَ الشَّبَابِ فَارْجِعُوا بِاللَّائِمَةِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَهَذِهِ بِضَاعَتُكُمْ رُدَّتْ إِلَيْكُمْ، فَكَمَا يُفْخَرُ بِالشَّابِّ إِذَا بَرُزَ فَيُنْسَبَ لِأَبِيهِ وَحُسْنِ تَأْدِيبِهِ لَهُ، فَكَذَلِك إِذَا خَابَ وَأَضَرَّ فَالْغُنْمُ بِالْغُرْمِ.
ثَالِثاً: أَنَّ الشَّبَابَ مَرْحَلَةُ عَجَلَةٍ وَطَيْشٍ وَحَمَاسٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْغَلَ بِغَيْرِ مَا فِيهِ نَفْعُهُ، لِذَلِكَ انْظُرُوا كَيْفَ اسْتُغِلَّ حَمَاسُ الشَّبَابِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ فِي الصِّرَاعَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالثَّوْرِيَّةِ، فَلَا تَشْغَلُوا الشَّابَّ بِغَيْرِ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، رَافِقُوا أَبْنَاءَكُمْ وَصَاحِبُوهُمْ، وَكُونُوا قَرِيبِينَ مِنْهُمْ، إِيَّاكُمْ أَنْ يُخْتَطَفُوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيكُمْ اصْدُقُوا مَعَهُمْ لِيَصْدُقُوا مَعَكُمْ، فِي الْمَاضِي كَانَ الْجِيلُ الَّلاحِقُ يُقَلِّدُ الْجِيلَ السَّابِقَ وَيَتَشَبَّثُ بِتُرَاثِهِ: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 74] ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22-23].
أَمَّا فِي عَصْرِنَا هَذَا، فَإِنَّ فِصَامَ الْأَجْيَالِ يَجْعَلُ الِابْنَ كَثِيراً مَا يَقُولُ لِأَبِيهِ وَلِجِيلِ أَبِيهِ وَهُوَ يُحَاوِلُ إِيجَادَ أَعْذَارٍ عَنْ تَجَاوُزِهِ لِبَعْضِ سُنَنِ وَعَادَاتِ السَّابِقِينَ: زَمَانِي غَيْرُ زَمَانِكَ، وَمَا كَانَ صَالِحاً فِي زَمَانِكَ لَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ لِزَمَانِي، جِيلُنَا غَيْرُ جِيلِكُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مِنْ أَوَائِلِ مَنْ تَنَبَّهَ إِلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ مِنْ سَلَفِنَا لِذَلِكَ أُثِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَحْسِنُوا تَرْبِيَةَ أَبْنَائِكُمْ فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِزَمَانٍ غَيْرِ زَمَانِكُمْ، وَمِنْ هُنَا يَبْدُو وَاضِحاً خَطَأُ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلَى جَعْلِ أَبْنَائِهِمْ صُورَةً طِبْقَ الْأَصْلِ مِنْهُمْ.
إِنَّهُمْ يَظْلِمُونَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيَّ ظُلْمٍ!! وَيَضُرُّونَهُمْ مِنْ حَيْثُ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ يَنْفَعُونَهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ الْكُلِّيَّاتِ الْقُرْآنِيَّةَ وَالْإِسْلَامِيَّةَ، وَيُدَرِّبُونَهُمْ عَلَى كَيْفِيَّةِ إِدْرَاجِ التَّفَاصِيلِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، فِي الْمَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ، وَمَعْرِفَةِ حَجْمِ الْفُرُوعِ وَالْمًفْرَدَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُلِّيَّاتِ.
كَأَنْ يُؤَكِّدَ الْآبَاءُ عَلَى الْأَبْنَاءِ ضَرُورَةَ أَنْ يُكَافِحُوا وَأَنْ يَتَعَلَّمُوا، وَأَنْ لَا يَكْتَفُوا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى َما وَرِثُوا؛ بَلْ يَتَعَلَّمُونَ كَيْفَ يَبْنُونَ عَلَيْهِ وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ تَعْظِيمَ حُرْمَةِ الدِّينِ وَحُرْمَةَ الْوَطَنِ، وَشَرَفُ الْمَرْءِ بِحِمَايَةِ دِينِهِ وَبَلَدِهِ، وَخُلُوصِ انْتِمَائِهِ إِلَيْهِ، أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّابُّ مَصْدَرَ فَخْرٍ لِبَيْتِهِ وَأُسْرَتِهِ وَقَبِيلَتِهِ فِيمَا وَصَلَ إِلَيْهِ بِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ، وَلَا يَكُونُ مَصْدَرَ إِذْلَالٍ وَتَحْقِيرٍ لِبَيْتِهِ وَأُسْرَتِهِ وَقَبِيلَتِهِ، اضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثِلَةً مِنَ الْوَاقِعَ، وَفَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا تَنْسَوْهُمْ مِنْ دَعْوَةٍ خَالِصَةٍ فِي سَجْدَةٍ أَوْ ظُلْمَةِ لَيْلٍ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا عِنْدَكُمْ وَاللهُ يَسْتَحِي أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صِفْراً إِذَا رَفَعَهَا إِلَيْهِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ خَيرِ أَعْمَالِكُم الصَّلاةُ عَلَى رَسُولِ الوَرَى وَإِمَامِ الهُدَى.....