مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:22:22

أنواع التوحيد وأنواع الشرك

أنواع التوحيد وأنواع الشرك

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

وَبَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا وَلَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ دُونَ الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى بَلْ إِنَّ الْكَوْنَ كُلَّهُ قَائِمٌ عَلَى ذَلِكَ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] فَلَا يَمَلُّ الْعَبْدُ وَلَا يَكُفُّ عَنِ الْحَدِيثِ عَنْ تَوْحِيدِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَعْمَلُهَا وَيَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ لَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً مَا كَانَ التَّوْحِيدُ مُخْتَلاً: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

أَيُّهَا النَّاسُ: تَوْحِيدُ الْمَخْلُوقِ رَبَّهُ وَمَعْبُودَهُ يَشْمَلُ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا جِمَاعُ دِينِهِ وَإِيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ، تُجْمِلُهُمَا الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ الْجَامِعَةُ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا أَنْتَ وَلَا نَسْتَعْينُ إِلَّا بِكَ.

الْعِبَادَةُ مِنَ الْمَخْلُوقِ لِخَالِقِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْإِعَانَةُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْخَالِقِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: إِقْرَارُ الْعَبْدِ ـ اعْتِقَاداً وَقَوْلاً وَعَمَلاً ـ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَأَخَصُّهَا: اللهُ وَالرَّحْمَنُ، وَصِفَاتُهُ وَأَخَصُّهَا: الْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ، وَأَفْعَالُهُ: وَأَخَصُّهَا الْخَلْقُ وَالْبَعْثُ وَالْجَزَاءُ الْأُخْرَوِيُّ.

وَمَا سَمَّاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْحَاكِمِيَّةُ فِي أُمُورِ الدِّينِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَتَيِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَنَفَى مُمَاثَلَةَ مَخْلُوقَاتِهِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57].

وَهَذَا الْأَمْرُ مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ وَالِاعْتِقَادِ وَالتَّوْحِيدِ ـ عَلَى عِظَمِهِ ـ لَا يَكْفِي الْعَبْدَ لْلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا الثَّبَاتِ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31] أَقَرُّوا اعْتِقَاداً وَقَوْلاً وَلَمْ يُقْرُّوا عَمَلاً.

بَلْ أَقَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ اعْتِقَاداً وَقَوْلاً فَلَمْ يُقَرِّبْهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83].

الْأَمْرُ الثَّانِي: إِقْرَارُ الْعَبْدِ ـ اعْتِقَاداً وَقَوْلاً وَعَمَلاً ـ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لْلْعِبَادَةِ، فَلَا يَرْكَعُ، وَلَا يَسْجُدُ، وَلَا يَذْبَحُ، وَلَا يَنْذُرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَدْعُو وَلَا يُعَظِّمُ، وَلا يَسْتَعِينُ، وَلَا يَسْتَغِيثُ، وَلَا يَحْلِفُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَطْلُبُ الْمَدَدَ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَلْجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ.

هُوَ الْغَنِيُّ ـ سُبْحانَهُ ـ وَغَيْرُهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَلَكاً مُقَرَّباً أَوْ نَبِيَّاً مُرْسَلاً أَوْ وَلِيَّاً مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالْجَنَّةِ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بَلْ الْأَمْرُ كُلُّهُ للهِ وَحْدَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106] أَيْ: الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

وَهذَا الْأَمْرُ هُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَبَيْنَ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَدُعَاءِ الْأَوْلِيَاءِ مَعَهُ، وَهَذَا الْأَمُرُ هُوَ سَبَبُ خَلْقِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَسَبَبُ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزالِ الْكُتُبِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ مَعْنَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، كَمَا قَالَ نُوحٌ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ ـ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامِهِ عَلَيْهِمْ ـ لِأَقْوَامِهِمْ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59].

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] أَيْ: بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ الْإِقْرَارِ بِهِ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَهَاوُنُ أَوْ تَخْفِيفٌ أَوْ تَقْلِيلٌ، وَمَنْ يُطَالِعْ كِتَابَاتِ بَعْضِ مُثَقَّفِي زَمَانِنَا يَعِي حَقِيقَةَ عَدَمِ فَهْمِهِمْ لِنَوْعَيِ التَّوْحِيدِ، لِذَلِكَ يَقَعُونَ فِي مَزَالِقَ كَبِيرَةٍ لَا يَغْفِرُهَا النَّاسُ لَهُمْ.

هَذَا التَّوْحِيدُ وَهَذِهِ الْعَقِيدَةُ هِيَ الَّتِي دَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ، وَجَاءَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي الدَّعْوِةِ إِلَيْهَا، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَمَضَى الْعُلَمَاءُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا يُنَاوِؤُنَ عَنْهَا وَيُدَافِعُونَ، جَاءَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي يُخَالِفُ التَّوْحِيدَ، الشِّرْكُ بِالرَّبِّ الْمَعْبُودِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ مُخَالِفٌ لِلْفِطْرَةِ وَمُنَاقِضٌ لِلطَّرِيقَةِ السَّوِيَّةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:

أَعْظَمُهُمَا وَأَقْبَحُهُمَا الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ وَلَا يَقْبَلُ مَعَهُ عَمْلًا صَالِحًا كَمَا أَوْحَى اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].

وَإِنْ شَاءَ تَعَالَى غَفَرَ أَيَّ مَعْصِيَةٍ دُونَ الشِّرْكِ؛ فَلَا عُذْرَ لِلْمُشْرِكِ بِالشَّهَوَاتِ وَالْغَرَائِزِ الْجِبِلِّيَّةِ وَلَا بِالْمَشَقَّةِ وَلَا بِالْحَاجَةِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَلْبِ مَحَلِّ الِاعْتِقَادِ وَمَنْبَعِ الْإِخْلَاصِ وَالتّوْحِيدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

وَهَذَا الشِّرْكُ الشَّنِيعُ وَالظُّلْمُ الْعَظِيمُ مِنَ الْمَخْلُوقِ لِنَفْسِهِ يَشْمَلُ أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الشِّرْكُ بِاللهِ فِي أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحُدُوثِ فِي أَوَائِلِ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أُولَئِكَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 9] فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ للهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي الْخَلْقِ وَفِي صِفَتَيِ الْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31].

فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ للهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي الرِّزْقِ وَالْمُلِكِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالتَّدْبِيرِ   فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ هَذَا الِاعْتِرَافُ للهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ.

بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِفُ للهِ بِأَخَصِّ أَسْمَائِهِ: (اللهُ) كَمَا فِي حَدِيثِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِفُ بِمَا سَمَّاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ (الْحَاكِمِيَّةَ) إِذَا وَافَقَ الْحُكْمُ أَهْوَاءَهُمْ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: 49] فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِذَا لَمْ يُفْرِدُوا اللهَ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ، فَإِنَّ تَقْوَاهُ تُورِثُ خَشْيَتَهُ وَالرَّغْبَةَ إِلَيْهِ، وَتَزْجُرُ الْعَبْدَ عَنِ الشِّرْكِ بِهِ أَوْ الرَّغْبَةِ إِلَى مَنْ سِوَاهُ.

عِبَادَ اللهَ: إِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الَّذِي لَا يُغْفَرُ لِصَاحِبِهِ الشِّرْكُ بِاللهِ فِي عِبَادَتِنَا لَهُ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ مَعَهُ، أَوْ الِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِهِ مَعَهُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، أَوْ بِطَلَبِ الْمَدَدِ إِلَّا مِنْهَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَاصَّةِ بِهِ            ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ عَنَ الشَّرِيكِ وَالنِّدِّ وَالظَّهِيرِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: 87-88] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾    [الجن: 18] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107] وَأَكْبَرُ مَظَاهِرِهِ تَعْظِيمُ الْمَقَامَاتِ وَالْأَضْرِحَةِ وَالْمَزَارَاتِ.

وَهَذَا الْأَمْرُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ هُوَ الَّذِي جَحَدَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ لِنَفْيِهِ وَالتّحْذِيرِ مِنْهُ وَمَحْوِهِ، وَالتَّرْكِيزِ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ وَفَوْقَ جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِاتّفَاقِ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ.

بَلْ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ اعْتِذَارَ الْمُشْرِكِينَ بِالتّقَرُّبِ بِأَوْلِيَائِهِمْ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ إِلَيْهِ وَأَمَرَ رَسُولَهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَنْ مَعَهُ بِقِتَالِهِمْ، وَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةَ، مِنْ عِمَارَةٍ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسِقَايَةٍ لِلْحَاجِّ، وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَإْخْلَاصُ الدِّينِ للهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ بِسَبَبِ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذَا الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْأَمَّةِ، بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تَشْفَعُ لِلْمَرْءِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي وُقُوعِهِ فِي صُوَرٍ مِنْ صُوَرِ الشِّرْكِ.

أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي يُخَالِفُ التَّوْحِيدَ فَهُوَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَظُلْمٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ مِنَ الْمِلّةِ، وَمِنْ مَظَاهِرِهِ: الرِّيَاءُ، وَالْحَلِفُ بِالشَّرَفِ وَالْأَمَانَةِ وَالذِّمَّةِ وَالْحَيَاةِ وَبِالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَبِأَيِّ أَحَدٍ غَيْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.

لِذَلِكَ كُلِّهِ مَا تَخْرُجُ جَمَاعَةٌ وَلَا فِئَةٌ مُنْحَرِفَةٌ إِلَّا وَتَجِدُ فِي عَمَلِهَا خَلَلاً بِجَانِبٍ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَتَعْظِيماً لِمَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ، دَاعِشُ لَمْ تُعَظِّمِ اللهَ تَعَالَى فَكَفَّرَتِ الشُّعُوبَ قَاطِبَةً، وَأَخْرَجَتْكُمْ عَنِ الْمِلَّةِ، وَاسْتَحَلَّتِ الدِّمَاءَ وَلَبَّسَتْ عَلَى السُّذَّجِ وَالْبُسَطَاءِ، وَالْحُوثِيُّونَ فِي الْيَمَنِ تَعَلَّقُوا بِغَيْرِ اللهِ، فَوَكَلَهُمُ اللهُ إِلَى مَنْ تَعَلَّقُوا بِهِ فَمَا نَفَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنْ يَنْفَعَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَالْجَمَاعَاتُ الْحَرَكِيَّةُ دَعَتْ إِلَى إِقَامَةِ الدُّوَلِ، وَاسْتَنْفَرَتِ الشُّعُوبَ عَلَى حُكَّامِهَا، وَكَأَنَّ الْمَقْصِدَ فِي الْحَيَاةِ هُوَ تَوَلِّي الْحُكْمِ، وَنَسُوا أَنَّ اللهَ إِنَّمَا بَعَثَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ فِي الْأَرْضِ.

وَعِبَادَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا تَقْتَضِي سَعْيَ الشَّخْصِ لِلْحُكْمِ أَوْ مُنَازَعَةَ السَّلَاطِينِ فِي حُكْمِهِمْ، لِذَلِكَ سُفِكَتِ الدِّمَاءَ، لِذَلِكَ شُرِّدَتِ الشُّعُوبُ، لَمَّا لَمْ يُرَاعُوا سُنَّةَ اللهِ، وَهِيَ السَّعْيُ لِعِبَادَةِ الْخَلَائِقِ للهِ تَعَالَى، وَتَصْحِيحِ أَدْيَانِهِمْ، فَمَتَى صَحَّتْ عَقَائِدُ النَّاسِ وَأَخْلَصُوا التَّوْحِيدَ للهِ نَالُوا مَا يُرِيدُونَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة