الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
فَإِنَّ أَهَمَّ مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَاهَدُوهُ: تَزْكِيَةُ نُفُوسِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي اِسْتَحْكَمَتْ فِيهَا الشَّهَوَاتُ، وَارْتَطَمَتْ فِيهَا أَمْوَاجُ الْفِتَنِ وَالشُّبُهَاتِ، وَالَّتِي لَمْ يَسَلَمْ مِنْهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ.
الْحَدِيثُ عَنْ تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ طَوِيلُ الذُّيُولِ؛ سَارِبُ الْمَشَارِبِ، مُتَشَتِّتُ الْأَفْنَاءِ، التَّزْكِيَةُ هِيَ الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ الْمُرَادُ بِهَا: تَطْهِيرُهَا وَإِصْلَاحُهَا بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِعَلِ الْمَأْمُورَاتِ، وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تِيمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَشِفَائِهَا: الْقَلْبُ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَرَبَّى فَيَنْمُوَ وَيَزِيدُ حَتَّى يَكْمُلَ وَيَصْلُحَ، كَمَا يَحْتَاجُ الْبَدَنُ أَنْ يُرَبَّى بِالْأَغْذِيَةِ الْمُصْلِحَةِ لَهُ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مَنْعِ مَا يَضُرُّهُ، فَلَا يَنْمُو الْبَدَنُ إِلَّا بإِعْطَائِهِ مَا يَنْفَعُهُ وَمَنْعِ مَا يَضُرُّهُ، كَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَزْكُو فَيَنْمُو وَيَتِمُّ صَلَاحُهُ إِلَّا بِحُصُولِ مَا يَنْفَعُهُ، وَدَفَعِ مَا يَضُرُّهُ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لَا يَزْكُو إِلَّا بِهَذَا ا.هـ.
وَقَدْ ثَبَتَ تَفْسِيرُ التَّزْكِيَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ" وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ ذَاقَ طَعْمَ الْإيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَحَدَهُ لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، وَزَكَّى نَفْسَهُ».
فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ؟ فَقَالَ: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ».
تَضَافَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَمَا لَهَا مِنْ مَكَانَةٍ عَالِيَةٍ، وَمَنْزِلَةٍ رَفيعَةٍ.
وَلَعَلَّ مِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ النُّصُوصِ وَأَظْهَرِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشَّمْسِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 1-10].
فالله أَقْسَمَ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ قَسَماً عَلَى أَنَّ صَلَاحَ الْعَبْدِ وَفَلَاحَهُ مَنُوطٌ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْلَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15].
كَمَا أَخْبَرَ اللهُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ بِفَوْزِ مَنْ حَقَّقَ هَذِهِ التَّزْكِيَةَ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 75-76].
كَانَتْ مُهِمَّةُ الرُّسُلِ دَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ، قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ فِي خِطَابِهِ لَفِرْعَوْنَ: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: 18] وَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
عِبَادَ اللهِ: تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ، بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ وَقَدْ أَشَارَتْ آيَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ السَّابِقَةِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2].
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَإِنَّ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ مُسَلَّمٌ إِلَى الرُّسُلِ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُمُ اللهُ لِهَذِهِ التَّزْكِيَةِ وَوَلَّاهُمْ إِيَّاهَا، وَجَعَلَهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ دَعْوَةً، وَتَعْلِيماً وَبَيَاناً، وَإِرْشَاداً، فَهُمْ الْمَبْعُوثُونَ لِعِلَاجِ نُفُوسِ الْأُمَمِ، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ أَصْعَبُ مِنْ عِلَاجِ الْأَبْدَانِ وَأَشَدُّ، فَمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِالرِّيَاضَةِ، وَالْمُجَاهَدَةِ، وَالْخَلْوَةِ، الَّتِي لَمْ يَجِئْ بِهَا الرُّسُلُ؛ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُعَالِجُ نَفْسَهُ بِرَأْيِهِ، وَأَيْنَ يَقَعُ رَأْيُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الطَّبِيبِ؟ فَالرُّسُلُ أَطِبَّاءُ الْقُلُوبِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَزْكِيَتِهَا وَصَلَاحِهَا إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، وَبِمَحْضِ الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُمْ، وَاللهُ الْمَسْتَعَانُ ا.هـ.
تَزْكِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ تَتَحَقَّقُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، أَهَمُّهَا تَزْكِيَتُهَا بِالتَّوْحِيدِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ تَعَالَى زَكَاةً فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 6-7] وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنِ الْبَحْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ حَيْثُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: قاَلَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: هِيَ التَّوْحِيدُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِهِ يَزْكُو الْقَلْبُ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَى الْحَقِّ مِنَ الْقَلْبِ.
وَذَلِكَ طَهَارَتُهُ وَإِثْبَاتُ إِلَهِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ زَكَاةٍ وَنَمَاءٍ.. إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَصْلُ مَا تَزْكُو بِهِ الْقُلُوبُ وَالْأَرْوَاحُ هُوَ التَّوْحِيدُ ا.هـ.
كَمَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى الشِّرْكَ رِجْساً وَوَسَمَهُ بِالنَّجَاسَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].
فَدَلَّ مَفْهُومُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالتَّزْكِيَةَ فِي التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ للهِ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ وَلِذَلِكَ قَالَ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ لِفِرْعَوْنَ وَهُوَ يَدْعُوهُ إِلَى التَّوْحِيدِ: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 18-19].
وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ الْمَطْلُوبَةُ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ هِيَ تَزْكِيَتُهَا بِتَصْفِيَةِ مُعْتَقَدِهَا بِتَحْقِيقِهَا وَتَصْفِيَتِهَا لِمَا خُلِقَتْ لَهُ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَقُولُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] أَيْ: يُوَحِّدُونِي، وَحِمَايَةُ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ أَصْلَهُ مِنِ ارْتِكَابِ مُكَفِّرَاتٍ، أَوْ كَمَالَهُ الْمَطْلُوبَ مِنِ ارْتِكَابِ مَعَاصٍ وَمُحْدَثَاتٍ.
تَحْقِيقاً لِمُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِلْزَامِهَا بِشَرْعِ اللهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً فِي نِطَاقِ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
تَحْقِيقاً لِمُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي قَوْلِهِ ـ جَلَّ شَأْنُهُ ـ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] قَالَ: طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَتَابَعَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
هَذَا ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ مَا تَزْكُو وَتَطْهُرُ وَتَطِيبُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَحْيَا بِهِ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ، تَحْيَا بِهِ الْحَيَاةَ الَّتِي بِهَا تَطْعَمُ الْإِيمَانَ وَتَتَذَوَّقُهُ، وَتَأْنَسُ بِالطَّاعَاتِ وَتَسْتَلِذُّهَا، وَتَنْعَمُ بِهَا، مِصْدَاقُ هَذَا فِي قَوْلِهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للِه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إَذْ أَنْقَذَهُ اللهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَوْلُهُ «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللِه رَبَّاً، وَبِالْإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيَّاً».
مِنْ أَعْظَمِ مَا تَزْكُو بِهِ النُّفُوسُ الصَّلَاةُ، وَلِذَلِكَ قَرَنَ اللُه تَعَالَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّزْكِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14-15].
وَقَدْ شَبَّهَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَطْهِيرَ الصَّلَاةِ لِلنُّفُوسِ بِتَطْهِيرِ الْمَاءِ لِلْأَبْدَانِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مَرْفُوعاً: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مِمَّا تَزْكُو بِهِ النُّفُوسُ الصَّدَقَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَفِيهَا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَتَزَكَّى حَتَّى يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا شَيْءٌ سِوَى أَدَائِهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَالتَّطْهِيرَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إِخْرَاجِهَا ا.هـ.
مِمَّا تُزَكَّى بِهِ النُّفُوسُ وَتُطَهَّرُ تَرْكُ الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] أَيْ: زَكَّى نَفْسَهُ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10] أَيْ: خَسِرَ مَنْ دَسَّاهَا بِالْفُجُورِ وَالْمَعَاصِي، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَكَذَلِكَ النَّفْسُ وَالْأَعْمَالُ لَا تَزْكُو حَتَّى يُزَالَ عَنْهَا مَا يُنَاقِضُهَا، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُتَزَكِّياً إِلَّا مَعَ تَرْكِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ يُدَنِّسُ النَّفْسَ وَيُدَسِّيهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ زَكَاةَ الْقَلْبِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ، كَمَا أَنَّ زَكَاةَ الْبَدَنِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اسْتِفْرَاغِهِ مِنْ أَخْلَاطِهِ الرَّدِيئَةِ الْفَاسِدَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21] ذَكَرَ ذَلِكَ سُبْحَانَهُ عَقِبَ تَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَنِكَاحِ الزَّانِيَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّزَكِّي هُوَ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ ا.هـ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْأَلُ اللهَ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى أَنْ يَرْزُقَنَا نُفُوساً طَيِّبَةً زَكِيَّةً تَرْضَى بِقَضَائِهِ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِهِ، وَتُكَرَّمُ بِالْفَوْزِ بِلِقَائِهِ، يَوْمَ أَنْ يُوَافِيَهَا مَا كَتَبَ عَلَيْهَا.
وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَا يُزَكِّي الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِهِ فَلَا أَعْظَمَ مِنْ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ فَهُوَ أَفْضَلُ طَرِيقٍ لِتَزْكِيَتِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَإِنَّ زَكَاةَ النَّفْسِ وَطَهَارَتَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى مُحَاسَبَتِهَا، فَلَا تَزْكُو وَلَا تَطْهُرُ وَلَا تَصْلُحُ الْبَتَّةَ إِلَّا بِمُحَاسَبَتِهَا.. إِلَى أَنْ قَالَ: فَبِمُحَاسَبَتِهَا يَطَّلِعُ عَلَى عُيُوبِهَا وَنَقَائِصِهَا؛ فَيُمْكِنُهُ السَّعْيُ فِي إِصْلَاحِهَا ا.هـ.
وَآخِرُ مَا تَزْكُو بِهِ نَفْسُ الْمَرْءُ الدُّعَاءُ، عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَلْجَأَ إِلىَ اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ؛ لِيُصْلِحَ لَهُ نَفْسَهُ وَيُزَكِّيَهَا.
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ نَبِيِّنَا صلى الله: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ: الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى».
وَفِي "الْمُسْنَدِ" وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَّمَ حُصَيْنَ بْنَ عُبَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وَتَعَالَتْ أَسْمَاؤُهُ كَمَا أَمَرَنَا بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ بِطَاعَةِ اللهِ فَلَقَدْ نَهَانَا عَنْ تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ بِالدَّعَاوَى الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ وَلَا دَاعِيَ لَهَا.
يَقُولُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32] أَيْ: لَا تُطْرُوهَا وَتُثْنُوا عَلَيْهَا، وَتَمْدَحُوهَا، لِتُحْمَدَ بِمَا لَمْ تَفْعَلْ، أَوْ لِتَمُنَّ، وَتُرَائِيَ، وَتُسَمِّعَ لِمَا قَدْ فَعَلَتْهُ مِنْ أَعْمَاٍل، فَيَحْبَطُ عَمَلُهَا بِذَلِكُمْ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ.
يَقُولُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264] وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ يَرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ».
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ: قَدْ يَعْمَلُ الْعَبْدُ الذَّنْبَ فَيَدْخُلَ بِهِ الْجَنَّةَ وَيَعْمَلُ الطَّاعَةَ فيَدْخُلَ بِهَا النَّارَ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِك؟ قَالَ: يَعْمَلُ الذَّنْبَ فَلَا يَزَالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ إِنْ قامَ وَإِنْ قَعَدَ وَإِنْ مَشَى ذَكَرَ ذَنْبَهُ، فَيُحَدِثُ لَهُ انْكِسَاراً وَتَوْبَةً وَاسْتِغْفَاراً وَنَدَماً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَجَاتِهِ، وَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَلَا تَزَالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ إِنْ قَامَ وَإِنْ قَعَدَ وَإِنْ مشَى، كُلَّمَا ذَكَرَهَا أَوْرَثَتْهُ عُجْباً وَكِبْراً وَمِنَّةً، فَتَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَزَكُّوا أَنْفُسَكُم، وَلَا تُعْجَبُوا بِأَعْمَالِكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يَرْزُقَكُمُ اللهُ أَنْفُساً زَكِيَّةً، وَقُلُوباً لِلْحَقِّ رَضِيَّةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].