الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَأَوْثَقُ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، الصَّدَارَةُ مَنْزِلَتُهَا، وَالْقِيَادَةُ مَرْتَبَتُهَا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].
إِنَّ مَصْدَرَ أَصَالَةِ الْأُمَّةِ، وَمِنْبِرَ تَوْجِيهِهَا، وَمَنَارَ تَأْثِيرِهَا هُوَ التَّمَسُّكُ بِتَعَالِيمِ دِينِهَا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110] هَكَذَا أَرَادَ اللهُ لَهَا إِنْ هِيَ اسْتَقَامَتْ عَلَى النَّهْجِ وَقَامَتْ بَالْحَقِّ، إِنَّ أُمَّةً رَفَعَ اللهُ مِنْ شَأْنِهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْحَدِرَ إِلَى مُسْتَوَى التَّقْلِيدِ وَالتَّبَعِيَّةِ وَإِنَّ أُمَّةً قَدْ وُضِّحَتْ لَهَا الْمَعَالِمُ فَمِنَ السَّفَاهَةِ أَنْ تَطْلُبَ الْحَقَّ فِي مَعَالِمِ غَيْرِهَا.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَعْظَمَ مِنَّةٍ مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ هُوَ أَنْ بَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مبَشِّراً وَمُنْذِراً، وَقَبْلَ ذَلِكَ وَذَاكَ مُعَلِّماً وَمُرْشِداً: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
حِينَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ لِذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهَ دَعَا لَهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ لَهُمْ الْمُعَلِّمَ النَّاصِحَ وَالْمُرْشِدَ الْمُوَجِّهَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129].
فَلَمَّا أَوْجَدَ اللهُ هَذَا الرَّسُولَ جَعَلَ وُجُودَهُ قَاطِعاً لِلْعُذْرِ مُقِيماً لِلْحُجَّةِ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 151-152].
وَمَا مَاتَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حتَّى عَلَّمَ النَّاسَ كُلَّ شَيْءٍ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ أَبِي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ومَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَ لَنَا عَنْهُ عِلْماً.
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَفْنَى رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عمْرَهُ كُلَّهُ فَي سَبِيلِ تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ وَنَشْرِ الدِّينِ بَيْنَهُمْ.
كَانَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يُعَلِّمُ النَّاسَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فِي مَسْجِدِهِ، فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فِي مَوَاعِظِهِ لِأَصْحَابِهِ، يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: إِنِّي لَأَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
بَيْتُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مدْرَسَةٌ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ ذَهَبُوا إِلَى بُيُوتِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَسْأَلُونَ زَوْجَاتِهِ عَنْ عَمَلِهِ فِي بَيْتِهِ.
كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يعَلِّمُ النَّاسَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ، يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهُوَ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لا يَدَعُ فُرْصَةً لِلتَّعْلِيمِ إِلَّا اغْتَنَمَهَا يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كُنْتُ يَوْماً خَلْفَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ علَى الدَّابَّةِ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تِجَاهَكَ..» الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَيَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى حِمَارٍ، وَكَانَ مُعَاذٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ رَدِيفَهُ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» فَقَالَ مُعَاذٌ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ـ ثَلَاثاً ـ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهِ عَلَى النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: يَقُولُ مُنَظِّرُو التَّعْلِيمِ: إِنَّ التَّعْلِيمَ التَّطْبِيقِيَّ أَرْسَخُ مِنَ التَّعْلِيمِ النَّظَرِيِّ، وَلَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كُنْتُ غُلَاماً فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَمْشِي وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَوَجَدَ تَمْرَةً فَأَخَذَهَا الْحَسَنُ، فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «كَخْ كَخْ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ؟».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَمْرَ تَعْلِيمِ النَّاسِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، حَتَّى إِنَّهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ليُوقِفُ غَيْرَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَبِي رِفَاعَةَ الْعَدَوِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهُوَ يَخْطُبُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.
أَيُّهَا النَّاسُ: لَئِنْ كَانَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعَلِّمُ النَّاسَ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فَلَقَدْ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ بِأَخْلَاقِهِ، يَقُولُ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحًكًمِ السَّلَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصْمِتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ.
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَن َمِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآَنِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ.
عِبَادَ اللهِ: بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ علَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ لِسَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ: إِنَّا نَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ! قَالَ سَلْمَانُ: نَعَمْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ.
إِنَّ مُسْتَوَى التَّعْلِيمِ فِي زَمَانِنَا لَمْ يَضْعُفْ، وَلَمْ يَهْتَزَّ بُنْيَانُهُ إِلَّا حِينَمَا قَصَرْنَاهُ عَلَى جَوَانِبَ مَحْدُودَةٍ فَقَطْ.
إِنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مَقْصُوراً عَلَى مَدْرَسَةٍ تُفْتَحُ ثُمَّ تُغْلَقُ ثُمَّ تُفْتَحُ، إِنّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا مَجَالٌ لِلتَّعْلِيمِ، الْبَيْتُ مَدْرَسَةٌ، الْأَبُ مَدْرَسَةٌ، الْأُمُّ مَدْرَسَةٌ، الْمَسْجِدُ مَدْرَسَةٌ السُّوقُ مَدْرَسَةٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ مَدْرَسَةٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ.
لمَاَّ بُنِيَتِ الْمَدَارِسُ ـ وَأَوَّلُ مَا بُنِيَتْ بِبَغْدَادَ ـ قَالَ عُلَمَاءُ ذَلِكَ الْعَصْرُ: الْيَوْمَ يُنْعَى الْعِلْمُ وَيُوَدِّعُهُ أَهْلُهُ.
أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَتَفَقَّهُوا فِي دِينِكُمْ، وَلْيُقِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ نَفْسَهُ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، أَفْضَلُ مَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
أَمَّا بَعْدُ: رَوَى الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا فُلَانُ، هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَنْ تَرَى؟! فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلْتُ أَنَا َعَلَى الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتُسْفِي الرِّيحُ عَلَى وَجْهِيَ التُّرَابَ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟! فَأَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيكَ فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَبَقِيَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآَنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا الْفَتَى أَعْقَلَ مِنِّي.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ السَّابِقِينَ مَا نَالُوا مِنَ الْعِلْمِ مَا نَالُوهُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَالْمُكَابَدَةِ، وَإِنَّنَا لَنْ نَصِلَ إِلَى مِثْلِ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ فيِ وَقْتِهِمْ إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعَنَاءِ وَالْمُكَابَدَةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ وَسَائِلُ التَّعْلِيمِ وَطَرَائِقِهِ إَلَّا أَنَّهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ تَتَعَدَّدُ الْمُغْرِيَاتُ وَالْمُلْهِيَاتُ، وَإِنَّ خَطَرَهَا وَتَأْثِيرَهَا لَمِنْ أَشَدِّ مَا يُوَاجِهُ الْمُعَلِّمَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَوَاصَوْا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعاً، وَقَلْباً خَاشِعاً، وَلِسَاناً ذَاكِراً.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.