مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:26:34

تنوير الحوالك بمعنى: «اللهم أغنني بحلالك عن حرامك»

تنوير الحوالك بمعنى: «اللهم أغنني بحلالك عن حرامك»

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى.

أَتَى عَلِيًّا ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي، فَقَالَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَنَانِيرَ لَأَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: قُلْ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي "زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ" وَالتِّرْمِذِيُّ واَلْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

عِبَادَ اللهِ: جَاءَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْإِعَانَةَ الْمَالِيَّةَ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْهَاءِ مُكَاتَبَتِهِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ رِقِّهِ، فَعَلَّمَهُ أَمْيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ هَذَا الدُّعَاءَ الْعَظِيمَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ، فَرَدَّهُ رَدَّاً حَسَناً؛ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263] أَوْ أَنَّهُ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى وَالْأَصْلَحُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ عَلَى أَدَائِهَا، وَلَا يَتَّكِلَ عَلَى غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ: «وَأَغْنِنِي بفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».

أَضْفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْؤُولَ هُوَ أَمْيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُعِينَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لَكِنَّهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى، كَمَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ حِرْصاً مِنْهُ عَلَى تَبْلِيغِ حَدِيثِ رَسُولِ الله.

وَوَصَفَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مِثْلُ «صِيرٍ» بِكَسْرِ الصَّادِ؛ جَبَلٌ بِبِلَادِ طَيِّئٍ، وَ«صُبَيْرُ» جَبَلٌ بِالْيَمَنِ، يَعْنِي: مَهْمَا كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ، حَتَّى وَلَوْ فَرْضَ أَنَّهُ مِثْلُ الْجَبَلِ «أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ»: قَضَاهُ عَنْكَ وَأَعَانَكَ عَلَى تَسْدِيدِهِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ مِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ أَعْظَمَ الطُّرُقِ لِقَضَاءِ مَا عَلَى الْمَرْءَ مِنْ دُيُونٍ هُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللِه حَقَّاً، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ صِدْقاً عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَفَاءِ بِهِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3] قَالَ قَتَادَةُ: «مِنْ حَيْثُ لَا يَرْجُو وَلَا يُؤَمِّلُ» وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهَا تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطَاناً».

فَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُسْتَجْلَبُ بِهَا الرِّزْقُ وَيُتَوَسَّلُ بِهَا لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بِحَسْبِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قَلْبِكَ حُسْنَ تَوَكُّلِكِ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ فَكَفَاهُ مِنْهَ مَا أَهَمَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

ثُمَّ لَا بُدَّ مَعَ التَّوَكُّلِ مِنَ السَّعْيِ الصَّادِقِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ وَاتِّخَاذِ التَّدَابِيرِ اللاَّزِمَةِ، وَطَرْحِ الْكَسَلِ وَالْبَطَالَةِ، وَمَنْ أَخْلَصَ فِي نِيَّتِهِ وَتَوَكُّلِهِ وَصَدَقَ فِي سَعْيِهِ وَهِمَّتِهِ أَدَّى عَنْهُ رَبُّهُ وَقُضِيَ دَيْنُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ».

وَمِنْ مِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي لَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِنْزَالِ الْحَوَائِجِ بِهِ، فَفَضْلُهُ عَظِيمٌ، وَرِزْقُهُ كَرِيمٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32].

وَقَالَ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8] أَيِ: ارْغَبْ إِلَيْهِ وَحْدَهُ وَلَا تَرْغَبْ إِلَى غَيْرِهِ، وَجَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاٍس ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله» أَي: اسْأَلْهُ وَلَا تَسْأَلْ أَحَداً سِوَاهُ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِيهِ إِظْهَارُ الذُّلِّ مِنَ السَّائِلِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ، وَفِيهِ الِاعْتِرَافُ بِقُدْرَةِ الْمَسْؤُولِ عَلَى رَفْعِ هَذَا الضُّرِّ وَنَيْلِ الْمَطْلُوبِ وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَرْءِ الْمَضَارِّ، وَلَا يَصْلُحُ الذُّلُّ وِالِافْتِقَارُ إِلاَّ للهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْعِبَادَةِ.

إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَسْأَلُوهُ وَيَطْمَعُوا فِيمَا عِنْدَهُ، وَيُنْزِلُوا حَوَائِجَهُمْ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ رَزَقَهُمْ مِنْ خَزَائِنِهِ، وَأَغْنَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ نَزَلَتْ بهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا باللهِ فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ برِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ».

فَعَلَى الْمَدِينِ أَنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِ، وَالرَّغْبَةِ فِي فَضْلِهِ، وَيَدَعَ سُؤَالَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ الَّذِي إِذَا أَعْطَى مَنَّ، وَإِذَا أَحْسَنَ اسْتَعْبَدَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ تَعَالَى.

قَالَ عَطَاءٌ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: جَاءَنِي طَاوُسٌ فَقَالَ لِي: يَا عَطَاءُ! إِيَّاكَ أَنْ تَرْفَعَ حَوَائِجَكَ إِلَى مَنْ أَغْلَقَ دُونَكَ بَابَهُ، وَجَعَلَ دُونَكَ حِجَاباً، وَعَلَيْكَ بِطَلَبِ حَوَائِجِكَ إِلَى مَنْ بَابُهُ مَفْتُوحٌ لَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ طَلَبَ مِنْكَ أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكَ الْإِجَابَةَ.

وَمَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى لَا يَرْجُو إِلاَّ رَبَّهُ وَلَا يَرْغَبُ إِلاَّ فِيمَا عِنْدَهُ كَانَ غَنِياً قَنُوعاً، وَعَاشَ سَعِيداً عَزِيزاً.

كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: «اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ، فَصُنْ وَجْهِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ».

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: وَمِنْ مِشْكَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ وَأَهَمِّيَّتُهُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَالدَّاعِي يَدْعُو رَبَّهُ الرَّزَّاقَ ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينَ أَنْ يَرْزُقَهُ الْكِفَايَةَ مِنَ الْحَلَالِ، وَالِاسْتِغْنَاءَ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ.

فَمَنْ حَرِصَ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ مُحَقِّقاً شُرُوطَ الْإِجَابَةُ، مُجْتَنِباً مَوَانِعَهُا؛ كَفَاهُ اللهِ وَأَغْنَاهِ وَأَدَّى عَنْهُ وَأَعَانَهُ، مَهْمَا عَظُمَ ذَلِكَ الدَّيْنُ، فَخَزَائِنُهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَا تَنْفَدُ، وَرِزْقُهُ لَا يَنْقُصُ.

قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا في يَمِينِهِ».

وَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى غَيْرِهِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ أَمَّا بَعْدُ:

إنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِدُهُ الْمُؤْمِنُ الْحَقُّ فِي هَذَا الدُّعَاءِ: فَضِيلَةَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ وَرَذَالَةَ الْحَرَامِ الْخَبِيثِ، إِذْ أَنَّ الْبَرَكَة وَالْخَيْرَ فِي الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلاً، وَالْمَحْقُ وَالشَّرُّ فِي الثَّانِي وَلَوْ كَانَ كَثِيراً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100].

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، يُتَصَوَّرُ فِي الْمَكَاسِبِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالنَّاسِ، وَالْمَعَارِفِ مِنَ الْعُلُومِ وَغَيْرِهَا؛ فَالْخَبِيثُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ لَا يُفْلِحُ وَلَا يُنْجِبُ، وَلَا تَحْسُنَ لَهُ عَاقِبَةٌ وَإِنْ كَثُرَ، وَالطَّيِّبَ وَإِنْ قَلَّ نَافِعٌ جَمِيلُ الْعَاقِبَةِ ا.هـ

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276] الْمَحْقُ هُوَ الذَّهَابُ وَالنَّقْصَ وَرَفْعُ الْبَرَكَةِ، وَيُرْبِي هُنَا الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ، فَاللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يَمْحَقُ مَكَاسِبَ المُرَابِينَ، وَيُرْبِي صَدَقَاتِ الْمُنْفِقِينَ، عَكْسَ ما يَتَبَادَرُ لِأَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، أَنَّ الْإِنْفَاقَ يُنْقِصُ الْمَالَ وَأَنَّ الرِّبَا يَزِيدُهُ، فَإِنَّ مَادَّةَ الرِّزْقِ وَحُصُولَ ثَمَرَاتِهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَمَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ، فَالْمُتَجَرِّئُ عَلَى الرِّبَا، يُعَاقِبُهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ بِالتَّجْرِبَةِ  ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122].

فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لِكَسْبِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَيَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْهُ وَلَا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْخَبِيثِ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ إِلَى قُلٍّ.

إِنَّ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي اسْتِجْلَابِهِمُ الْمَالَ بِأَيِّ طَرِيقٍ، فَيَغُشُّ وَيُدَلِّسُ وَيَرْتَشِي، وَيَخْدَعُ صَاحِبَ الْعَمَلِ أَوْ يُقَصِّرُ فِي أَمَانَتِهِ وَيَظُنُّ ذَلِكَ سَبَبًا لِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَكَثْرَةِ مَالِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].

وَلَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ شَيْئاً عَجِيباً فِي حِرْصِ بَعْضِهِمْ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ بِأَيِّ طَرِيقٍ ثُمَّ لَا يَرَى أَثَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُوَ مَلِيءٌ بِالدُّيُونِ مُغْرَقٌ بِالْهُمُومِ فَلَا حَلَالَ أَخَذَ وَلَا رَاحَةَ وَجَدَ.

إِنَّ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ مِشْكَاةِ هَذَا الدُّعَاءِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ، وَالْمُفْتِي، وَالنَّاصِحِ إِرْشَادُ النَّاسِ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى اللِه، وَالْفِرَارِ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِصَامِ بِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَدُعَائِهِ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ، وَقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ بِالْعِبَادِ، وَسُؤَالِهِمْ، وَاسْتِشْرَافِهِمْ لِأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ حَيْثُ أَرْشَدَ السَّائِلَ إِلَى أَفْضَلَ مِمَّا طَلَبَ، وَدَلَّهُ عَلَى خَيْرِ مِمَّا سَأَلَ، أَرْشَدَهُ إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَسُؤَالِهِ الْكِفَايَةَ وَالْغِنَى مِنْ فَضْلِهِ.

وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَجَعاً يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ بِاسْمِ اللهِ ثَلاَثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ باللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ».

عَلَّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ وَأَرْشَدَهُ إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الَّذِي يَكْشِفُ الضُّرَّ، وَيَشْفِي، وَهُو الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُهُ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَماً فَقَالَ ذَلِكَ؛ فَشَفَاهُ اللهُ وَعَافَاهُ.

وَجَاءَ فِي رِوَايةِ "الْمُوَطَّأِ" لِهَذَا الْحَدِيثِ: «فَقُلْتُ ذَلِكَ؛ فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ».

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: هَذِهِ آثَارٌ وَمَعَانٍ لِدُعَاءٍ يَسِيرٍ قَدْ عَمِيَ عَنْهَا أَقْوَامٌ: فَعَمِيَ عَنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الَّذِينَ يَتَخَوَّضُونَ فِي أَمْوَالِ الدَّوْلَةِ بِدُونِ وَجْهِ حَقٍّ، وَعَمِيَ عَنْهَا الْعُمَّالُ وَالْمُوَظَّفُونَ فِي أَكْلِهِمْ مِنْ أَمْوَالِ مَا وُلُّوا عَلَيْهِ وَائْتُمِنُوا.

وَعَمِيَ عَنْهَا مَنِ انْسَاقُوا خَلْفَ الدُّيُونِ فِي تَسْيِيرِ أُمُورِ حَيَاتِهِمْ فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ حَيَاتِهِمْ وَلِذَلِكَ تَرَاهُ دَائِمَ التَّشَكِّي وَالتَّضَجُّرِ مِنْ قِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِذَهَابِ الْبَرْكَةِ مِنْ مَالِهِ.

وَعَمِيَ عَنْهَا أُولَئِكَ الرُّقَاةُ الْمُرْتَزَقَةُ ـ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشَعْوِذِينَ ـ الَّذِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إِلاَّ الِاسْتِحْوَاذُ عَلَى النَّاسِ، وَاسْتِغْلَاُل جَهْلِهِمْ، وَابْتِزَازِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَفْرَحُونَ بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَاكْتِظَاظِ مَحِلاَّتِهِمْ بِهِمْ.

وَعَمِيَ عَنْهَا مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ كِبَارِ التُّجَّارِ إِلَّا بِسُلُوكِهِ مَسَالِكَ مُلْتَوِيَةً وَطُرُقًا مُحَرَّمَةً.

أَيُّهَا النَّاسُ: أَلِظُّوا إِلَى رَبِّكُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة