الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، رَفْعَ أهْلَ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَرِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُعَلِّمُ وَالْمُرْشِدُ، كَانَ لِأُمَّتِهِ كَالْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَاتَّقُوْا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَقِّ التَّقْوَى، فَمَا فَازَ وَنَجَحَ إِلَّا الْمُتَّقُونَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا النَّاسُ: الاِشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ مِنْ أفْضَلِ الْقُرَبِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَهَمِّ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، وَآكَدِ الْعِبَادَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، وَشَمَّرَ فِي إِدْرَاكِهِ وَالتَّمَكُّنِ فِيهِ أَصْحَابُ الْأَنْفُسِ الزَّاكِيَاتِ، وَبَادَرَ إِلَى الاِهْتِمَامِ بِهِ الْمُسَارِعُونَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَسَابَقَ إِلَى التَّحَلِّي بِهِ مُسْتَبِقُو الْكَرَامَاتِ.
وَقَدْ تَظَاهَرَ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَاتُ وَأَقَاوِيلُ السَّلَفِ النَّيِّرَاتُ بِمَا أَصْبَحَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَعْلُوماً مَشْهُوراً.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ كَيْفَ لَا وَهُوَ الدَّلِيلُ، فَإِذَا عُدِمَ وَقَعَ الضَّلَالُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مِنْ شَرَفِ الْعِلْمِ أَنَّ كُلَّ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَوْ فِي شَيْءٍ حَقِيرٍ فَرِحَ، وَمَنْ رُفِعَ عَنْهُ حَزِنَ.
وَقَالَ الْأَحْنَفُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوجَدْ بِعِلْمٍ فَإِلَى ذُلٍّ مَصِيرُهُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفاً أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ بِهِ إِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ.
يَكْفِي فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ قَوْلُ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتِّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ.
الْعِلْمُ هُوَ حَيَاةُ النَّاسِ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ، قَالَ أَبُو زَيْدِ الْبَلْخِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: لَيْسَ يَسْتَغْنِي أحَدٌ عَنِ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ يُضْطَرُّ إِلَيْهَا فِي جَمِيعِ الدِّيَانَاتِ، وَالْآدَابِ، وَالصِّنَاعَاتِ، وَالْمَذَاهِبِ، وَالْمَكَاسِبِ، فَمَا يَسْتَغْنِي كَاتِبٌ، وَلَا حَاسِبٌ، وَلَا صَانِعٌ، وَلَا بَائِعٌ عَنْ أَنْ يَتَعَلَّمَ صِنَاعَةً مِمَّنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْهُ، وَيُعَلِّمَهُ مَنْ هُوَ أَجَهْلُ مِنْهُ، وَقِوَامَ الْخَلْقِ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ الْمَرْءُ عَالِماً مَا لَمْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى الْعِلْمِ، وَلَا يُنَالُ الْعِلْمُ إِلاَّ بِمِثْلِ الْأدَبِ وَاحْتِرَامِ الشَّيْخِ وَالْأُسْتَاذِ، وَإِنَّ حَاجَةَ النَّاسِ الْيَوْمَ إِلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ الطَّالِبِ مَعَ مُعَلِّمِهِ مَاسَّةٌ لِأَنَّ أكْبَرَ صَارِفٍ لِلنَّاسِ عَنْ الاِسْتِفَادَةِ مِنَ الْعِلْمِ عَدَمُ تَقْدِيرِ الطَّالِبِ لِمُعَلِّمِهِ وَأُسْتَاذِهِ.
رَوَى الْإمَامُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَّنَهُ الْمِنَاوِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ».
نَقَلَ الْمِنَاوِيُّ عَنِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ: إجْلَالُ الْكَبِيرِ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ للهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ مُوَافِقَةٌ للهِ، فَإِنَّهُ رَحِمُهُ وَرَفَعَ عَنْهُ الْعُبُودِيَّةَ وَمَعْرِفَةُ حَقِّ الْعَالِمِ هُوَ حَقُّ الْعِلْمِ بِأَنْ يُعْرَفَ قَدْرُهُ بِمَا رَفْعَ اللهُ مِنْ قَدْرِهِ.
فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: 11] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] فَيُعْرَفُ لَهُ دَرَجَتُهُ الَّتِي رَفَعَ اللهُ لَهُ بِمَا آتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخْرُجُ فِي أدَبِ نَفْسِهِ السَّنتَيْنِ وَالسِّنِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِابْنِهِ: لَأَنْ تَتَعَلَّمَ بَاباً مِنَ الْأدَبِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّمُ سِتِّينَ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مُخَلَّدٌ لِاِبْنِ الْمُبَارَكِ ـ رَحِمَهُمُ اللهُ ـ: نَحْنُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرِ الْحَدِيثِ.
فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ لِمُعَلِّمِهِ: أَنْ يَنْقَادَ لَهُ فِي أُمُورِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ؛ بَلْ يَكُونُ الطَّالِبُ مَعَ أُسْتَاذِهِ وَمُعَلِّمِهِ وَشَيْخِهِ كَالْمَرِيضِ مَعَ الطَّبِيبِ الْمَاهِرِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ ذُلَّهُ لِمُعَلِّمِهِ عِزٌّ، وَخُضُوعَهُ لَهُ فَخْرٌ، وَتَوَاضُعَهُ لَهُ رِفْعَةٌ، عُوتِبَ الشَّافِعِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ عَلَى تَوَاضُعِهِ لِلْعُلَمَاءِ فَأَنْشَدَ قَائِلاً :
قَالَ الزَّرْنُوجِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي رِسَالَتِهِ: وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَخْتَارَ نَوْعَ عِلْمٍ بِنَفْسِهِ بَلْ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى أُسْتَاذِهِ.
فَإِنَّ الْأُسْتَاذَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ التَّجَارُبُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ أَعْرَفَ بِمَا يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحدٍ وَمَا يَلِيقُ بِطَبِيعَتِهِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ بُرْهَانُ الدِّينِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يَقُولُ: كَانَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهُمْ فِي التَّعَلُّمِ إِلَى أُسْتَاذِهِمْ فَكَانُوا يَصِلُونَ إِلَى مَقَاصِدِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، وَالْآَنَ يَخْتَارُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَمِمَّا يَجِبُ لِلْمُعَلِّمِ وَالشَّيْخِ عَلَى طُلَّابِهِ: أَنْ يَنْظُروا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالَ وَالتَّقْدِيرِ، فَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الشَّعْرَانِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكَرِّمَ عَلَمَاءَ زَمَانِهِ، وَيُجِلَّهُمْ وَيُوَقِّرَهُمْ، وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَى مُكَافَأَتِهِمْ، وَلَوْ أَعْطَاهُمْ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ وَخَدَمَهُمْ عُمْرَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا عَهْدٌ مِنَ الشَّارِعِ لَنَا، وَقَدْ أَخَلَّ بِهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ أ.هـ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "الْجَوَاهِرِ": وَبِقَدْرِ إِجْلَالِ الطّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَبِقَدْرِ تَحْقِيرِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يُحْرَمُ الِانْتِفَاعَ بِعِلْمِهِ.
وَيَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ عَلَّمَهُ أُسْتَاذٌ عَرَفَ قَدْرَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَشَكَرَهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَقْدِيرِ الشَّيْخِ وَالْمُعَلِّمِ مُؤْذِنٌ بِعُقُوبَةِ اللهِ الْمُتَمَثِّلَةِ فِي حِرْمَانِ الطّالِبِ الِانْتِفَاعَ بِعِلْمِ شَيْخِهِ وَأُسْتَاذِهِ.
يَقُولُ الشَّعْرَانِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فَاحْتِرَامُ الْعُلَمَاءَ، وَرِعَايَةُ حُقُوقِهِمْ تَوْفِيقٌ وَهِدَايَةٌ وَإِهْمَالُ ذَلِكَ خِذْلَانٌ وَعُقُوقٌ وَخُسْرَانٌ.
وَذُكِرَ عَنِ بَعْضِهِمْ قَالَ: أَنَّ مَنِ اسْتَحْقَرَ أُسْتَاذَهُ ابْتَلَاهُ اللهُ بِعُقُوبَاتٍ مِنْهَا: أَنْ يَنْسَى مَا حَفِظَ مِنْهُ.
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ أَشَدَّ النَّاسِ تَعْظِيماً لِعُلَمَائِهِمْ وَمُعَلِّمِيهِمْ:
يَقُولُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَوْصِلِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رحمه الله غَيْرَ مَرَّةٍ وَكَانَ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْإِعْظَامِ لَهُ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، وَإِذَا رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ صَاحُوا بِهِ وَكَانَ إِلَى الْأَدَمَةِ مَا هُو، يَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كُنْتُ أَتَصَفَّحُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ تَصَفُّحاً رَفِيقاً هَيْبَةً لَهُ لِئَلَّا يَسْمَع وَقْعَهَا.
وَقَالَ الرَّبِيعُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَاللهِ مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ بَسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلِ الْبُخَارِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ أَنَّهُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحْداً أَوْقَرَ لِلْمُحَدِّثِينَ مِنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ.
وَرَوَى أَيْضاً عَنِ الْمُغِيرَةِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَالَ: كُنَّا نَهَابُ إِبْرَاهِيمَ كَمَا يُهَابُ الْأَمِيرُ.
وَعَنْ أَيُّوبَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ إِلَى الْحَسَنِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ هَيْبَةً لًهُ.
وَقَالَ الزَّرْنُوجِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَمِنْ تَوْقِيرِ الْمُعَلِّمِ أَنْ لَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ، وَلَا يَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَلَا يَبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَسْأَلَ شَيْئاً عِنْدَ مَلَالَتِهِ وَيُرَاعِيَ الْوَقْتَ وَلَا يَدُقَّ الْبَابَ؛ بَلْ يَصْبِرَ حَتَّى يَخْرُجَ.
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى طالِبِ الْعِلْمِ لِأُسْتَاذِهِ وَشَيْخِهِ: أَنْ يَعْرِفَ لَهُ حَقَّهُ وَلَا يَنْسَى لَهُ فَضْلَهُ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَبَعْد مَمَاتِهِ، فَهَذَا أَقَلُّ وَاجِبِهِ عَلَيْهِ.
يَقُولُ شُعْبَةُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنَ الرَّجُلِ الْحَدِيثَ كُنْتُ لَهُ عَبْداً مَا حَيِيَ فَكُلَّمَا لَقِيتُهُ سَأَلْتُهُ عَنْهُ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ أَنّهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ أَوْ عَامَّتُهُ مِنَ الشَّافِعِيِّ وَمَا بِتُّ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَدْعُو اللهَ لِخَمْسَةٍ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ صَلَاةٍ أُسَمِّيهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آَبَائِهِمْ أَحَدُهُمُ الشَّافِعِيًّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبتِ أَيُّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَانْظُرْ هَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ أَوْ مِنْهُمَا عِوَضٌ، وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ أَنَّهُ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْعَافِيَةِ لِلْخَلْقِ، وَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، جَزَاهُ اللهُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْراً.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا عَبْدُ مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفاً وَاحِداً إِنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ.
وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَالُّلغَاتِ": أَنَّ عَاقَّ الْمُعَلِّمِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، بِخِلَافِ عَاقِّ الْوَالِدَيْنِ.
وَيَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَةَ أُسْتَاذِهِ وَيَشْكُرَ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللهَ، وَلَا يَجْحَدُ حَقَّهُ وَلَا يُنْكِرُ مَعْرُوفَهُ، فَحَقُّ الشَّيْخِ عَلَى طُلَّابِهِ كَبِيرٌ كَمَا حَقُّ الْمُعَلِّمِ وَالْمُدَرِّسِ كَذَلِكَ.
فَاتَّقُوا اللهُ مَعَاشِرَ الطُّلَّابِ وَالطَّالِبَاتِ، وَاعْرِفُوا حَقَّ عُلَمَائِكُمْ، وَمُعَلِّمِيكُمْ عَلَيْكُمْ وَارْعَوْا مَعَهُمُ الْأَدَبَ كَيْ يُبَارِكَ اللهُ لَكُمْ فِيمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ.
الَّلهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْماً تَرْفَعُنَا بِهِ عَلَى النَّاسِ، وَارْزُقْنَا أَدَباً وَخُلُقاً كَيْمَا نَصِلَ إِلَى مُبْتَغَانَا، الّلهُمَّ اهْدِنَا لِسَدَادِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَ بَنِي آدَمَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ يَنَابِيعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ مَا تَعَاقَبَ النُّورُ وَالظُّلَمُ.
فَإِنَّ التَّقْوَى قَائِدَةٌ صَاحِبَهَا إِلَى أَعْظَمِ مَطْلُوبٍ، وَهِيَ الْجَنَّةُ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ـ لَعَلَّكُمْ تَفُوزُوا بَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
لَا يُوجَدُ شَخْصٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَيًّا كَانَ وَجْهُهُ إِلَّا وَفِي عُنُقِهِ فَضْلٌ لِمُعَلِّمٍ عَلّمَهُ إِمَّا عِلْماً، أَوْ صَنْعَةً، أًوْ حِرْفَةً، أَوْ تِجَارَةً، أَرَأَيْتُمُ التَّاجِرَ هَلْ خَرَجَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ تَاجِراً قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ طَرِيقَهَا مِنْ مُقَارَنَةِ الْكِبَارِ.
لِذَلِكَ كَانَتْ وَظِيفَةُ الْمُعَلِّمِ أَشْرَفَ وَظِيفَةٍ وَأَسْمَاهَا، لِأَنَّهُمْ مَصَابِيحُ الدُّنْيَا وَالطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ لِلْآخِرَةِ فَوَظِيفَتُهُمْ وَظِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوهَا وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَيَنْهَى عَنِ الرَّوَثِ وَالرِّمَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ مَاجَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
يَكْفِي الْمُعَلِّمُ أَنَّ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ افْتَخَرَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَالَةٌ عَلَى مُعَلِّمِيهُمْ، وَأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ يُسَابِقُ بِمَا قَدَّمَهُ، وَالْمُعَلِّمُ يَسْبِقُهُمْ كُلَّهُمْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فَضْلٍ عَلَيْهِمْ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: يَقُولُ ابْنُ حَزْمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "فَضِيلَةِ الْمُعَلِّمِ": هِيَ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهُ سَبَبُ حَيَاةِ كُلِّ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ شَيْئاً، وَلَهُ الْأَجْرُ الْمُضَاعَفُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِمَّنْ عَلَّمَهُ هُوَ إِلَى انْقِضَاءِ الْأَبَدِ، بِأَنْ كَانَ سَبَبَ حَيَاةِ نُفُوسِهِمْ ا.هـ
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِيمَا يَقُومُونَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ؛ فَهُمْ طَرِيقُ صَلَاحِ النَّاسِ كَمِا أَنَّهُمْ طَرِيقُ إِفْسَادِهِمْ، فَمَا صَلُحَتِ الشُّعُوبُ وَلَا اسْتَقَامَتِ الْأُمَمُ بِمِثْلِ صَلَاحِ مُعَلِّمِيهَا وَإِخْلَاصِهِمْ، وَبِقَدْرِ نُقْصَانِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهِمْ بِقَدْرِ خَسَارَةِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، فَبِقَدْرِ سَعْيِ الْمُعَلِّمِ فِي النُّهُوضِ بِالْأُمَّةِ إِلَى سُبُلِ الرَّشَادِ بِقَدْرِ وُصُولِهَا إِلَى مُبْتَغَاهَا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَلَيْسَ لِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يُحَزِّبُوا النَّاسَ أَوْ يَفْعَلُوا مَا يُلْقِي بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ؛ بَلْ يَكُونُونُ مِثْلَ الْأُخْوَةِ الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وَيَقُولُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْجُرْجَانِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ:
فَإِنْ كَانَ الَّلوْمُ عَلَى الطّالِبِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ لِشَيْخِهِ وَمُعَلِّمِهِ فَالَّلوْمُ أَكْبَرُ عَلَى الْمُعَلِّمِ وَالشَّيْخِ الَّذِي لَمْ يُقَدِّرْ مَا يَحْمِلُهُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ مِنْ عِلْمٍ.
يَقُولُ الْبَيْضَاوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: حَقٌّ عَلَى الْمُعَلِّمِ إِرْشَادُ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَنُصْحُ الطَّالِبِينَ وَإِظْهَارُ الْعِلْمِ لِلسَّائِلِينَ، فَمَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ.
وَأَنْ لَا يَقْصُدَ بِعِلْمِهِ الرِّيَاءَ وَالْمُبَاهَاةَ وَالسُّمْعَةَ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَهُ سَبِيلاً إِلَى الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْفُضَيْلُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: إِنِّي لَأَرْحَمُ ثَلَاثَةً: عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِيًّا افْتَقَرَ وَعَالِمًا تًلْعَبُ الدُّنْيَا بِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ جَمِيعاً ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَتَعَلَّمُوا مَا يَنْفَعُكُمْ، وَعَلِّمُوا غَيْرَكُمْ، وَاقْدُرُوا هَذَا الْعِلْمَ الَّذِي تَقْصُدُونَهُ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَارْضَ الَّلُهمَّ عَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.