مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:31:05

حق ولي الأمر

حق ولي الأمر

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى أَمْرِهِ سِرَّاً وَجَهْراً.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَعَثَ اللهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِتَقْصِدَ قُلُوبُ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَةِ الْإِلَهَ وَحْدَهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ وَالنَّاسُ أَشَدُّ تَقَاطُعاً وَتَعَادِياً، وَأَكْثَرُ اخْتِلَافاً وَتَمَادِياً، فَأَتَى بِأَمْرِ رَوَابِطِ أَوَاصِرِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ، لِيُفْرِدُوا خَالِقَهُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أُولَيَاتِ قَوَاعِدِ الدِّينِ.

يَقُولُ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ» فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللهُ» فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَدَعَا إِلَى لُحْمَةِ الِائْتِلَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَرَّمَ ضِدَّهَا، فَقَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِتَبْقَى الْقُلُوبُ سَلِيمَةً نَهَى عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا هَاجَرَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَعْمَالِهِ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَأَلَّفَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْدَ حُرُوبٍ طَاحِنَةٍ بَيْنَهُمْ فَزَالَتْ مِحَنُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ عَدَاوَتُهُمْ، وَصَارُوا بِالْإِسْلَامِ إِخْوَاناً مُتَحَابِّينَ، وَبِأُلْفَةِ الدِّينِ أَعْوَانًا مُتَنَاصِرِينَ.

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103] فَكَانَتْ تِلْكَ نِعْمَةً سَابِغَةً امْتَنَّ بِهَا عَلَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟! وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي!» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْمُجْتَمَعُ الْمُتَآلِفُ يَنْتَصِرُ عَلَى أَعَادِيهِ، وَيُؤَدِّي الْإِسْلَامُ رِسَالَتَهُ، وَتَقُومُ الشَّرِيعَةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ.

وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي اِسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا الْمِلَّةُ، وَجَاءَتْ بِهَا الْفِطْرَةُ، ضَرُورَةَ إِقَامَةِ وَالٍ عَلَى الرَّعِيَّةِ يَسُوسُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ؛ لِيَصْدُرَ التَّدْبِيرُ عَنْ دِينٍ مَشْرُوعٍ، وَتَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَى رَأْيٍ مَتْبُوعٍ، فَلَا دِينَ يَنْتَشِرُ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلَّا بِإِمَامَةٍ.

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَلَوْلَا الْوُلَاةُ لَكَانُوا فَوْضَى مُهْمَلِينَ.

الْوَالِي يَحْفَظُ اللهُ بِهِ الدِّينَ لِيَكُونَ مَحْرُوساً مِنَ الْخَلَلِ، وَيُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ بَيْنَ الْأَخْصَامِ، فَلَا يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلَا يَضْعُفُ مَظْلُومٌ، وَيَذُبُّ عَنِ الْحُرُمَاتِ لِيَأْمَنَ النَّاسُ فِي الْمَعَاشِ، يَحْفَظُ الْحُقوقَ، وَيُقِيمُ الْحُدودَ؛ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللهِ عَنِ الاِنْتِهَاكِ، يَرْفَعُ رَايَةَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَيُظْهِرُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكِرِ لِيَذُوقَ النَّاسُ حَلَاوَةَ الدِّينِ، بِهِ تُقَامُ شَرَائِعُ الْمِلَّةِ، وَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ.

وَعِبْءُ أَمَانَةِ الْوِلَايَةِ ثَقِيلٌ، يُعِينُ عَلَى حَمْلِهِ النَّصِيحَةُ الصَّادِقَةُ الْمُخْلِصَةُ مِنَ الرَّعِيَّةِ لِلرَّاعِي، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: مَعُونَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ، وَتَذْكِيرُهُمْ بِهِ وَتَنْبِيهُهُمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَحَثُّ الْأَغْيَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَنُصْحُ الْوُلَاةُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ وَيَرْتَضِيهَا، قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثاً: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنْصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ» رَوَاهُ أَحَمْدُ.

وَالنَّصِيحَةُ تَكُونُ سِرَّاً بَيْنَ النَّاصِحِ الصَّادِقِ وَبَيْنِ الْوَالِي؛ لِتَكُونَ أَخَلَصَ عِنْدَ اللهِ، وَعَلَى هَذَا سَارَ السَّلَفُ الصَّالِحُ، سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ عَنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكِرِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.

قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الْوَاجِبُ مُنَاصَحَتُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ بِرِفْقٍ، وَاتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ عَدَمِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَجَالِسِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ.

وَقَالَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: أَمَّا مُخَالَفَةُ ذَلِكَ وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ مِنْ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ الْوَاجِبِ إِنْكَارَهُ عَلَى الْعِبَادِ؛ فَإِنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَجَهْلٌ ظَاهِرٌ، لَا يَعْلَمُ صَاحِبُهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ الْعِظَامِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ وَعَرَفَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ.

وَتَوْقِيرُ الْوُلَاةِ مَعَ النَّصْحِ لَهُمْ مِنَ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، يَقُولُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ        ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِنْ عَظَّمُوا هَذَيْنِ أَصْلَحَ اللهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِنِ اسْتَخَفُّوا بِهَذَيْنِ فَسَدَتْ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ.

وَنُصْحُهُمْ يَكُونُ بِتَلَطُّفٍ فِي الْعِبَارَةِ وَحِكْمَةٍ وَلِينٍ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مُخَاطَبَةُ الرُّؤَسَاءِ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرَعاً وَعَقْلاً وَعُرْفاً، وَلِذَلِكَ تَجِدُ النَّاسَ كَالْمَفْطُورِينَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُخَاطِبُ رُؤَسَاءَ الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ.

وَمِنْ تَمَامِ النُّصْحِ: دَعْوَةٌ صَادِقَةٌ خَفِيَّةٌ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللهِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ـ رَحِمَهُمَا اللهُ ـ يَقُولَانِ: لَوْ كَانَتْ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ.

وَوَاجِبٌ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَعَ النَّصِيحَةِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا، وَبِهَا تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي مَعَاشِهِمْ وَبِهَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ رَبِّهِمْ.

وَبِالْأُلْفَةِ بَيْنَ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ يَظْهَرُ الدِّينُ، وَيَهْنَأُ الْعَيْشُ، وَيُطَاعُ الرَّبُّ بِالْعَمَلِ بِنُصُوصِ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ، فَتَرْتَفِعُ مَنْزِلَةُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَتَحَقَّقُ لَهُ الرِّفْعَةُ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيداً.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْمُوَفَّقُ مَنِ اغْتَنَمَ عُمَرَهُ بِالطَّاعَةِ، وَعَمَّرَ حَيَاتَهُ بِأَعْمَالٍ مِنَ الْبِرِّ مُتَنَوِّعَةً، مُمْتَثِلاً أَمْرَ اللهِ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] إِنَّ عَقِيدَةَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَإِتْمَامِ الْبَيْعَةِ لَهُ، وَعَدَمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ هَذَا الدِّينِ.

لَا بُدَّ أَنْ يُغْرَسَ فِي نُفُوسِ الْمُجْتَمَعِ جَمِيعاً، كَيْ لَا يَخْرُجَ عَلَيْنَا خَوَارِجُ يَنْزِعُونَ بَيْعَةَ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ وَيُبَايِعُونَ رَجُلًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ كَمَا فَعَلَتْ تِلْكَ الْفِئَةُ الَّتِي مَكَّنَ اللهُ مِنْهَا، فَأَيُّ جُرْمٍ جَرُّوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمُبَايَعَةِ إِمَامٍ لَهُمْ يَسْمَعُونَ لَهُ وَيُطِيعُونَ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: أَقْرَأُ حَدِيثاً فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَأَقِفُ عِنْدَهُ طَوِيلاً، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى».

وَمُنْتَهَى عَجَبِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ يُبْتَلُونَ بِبِطَانَةٍ صَالِحَةٍ وَبِطَانَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ فَكَيْفَ بِالْحُكَّامِ وَالْوُلَاةِ وَمَنْ وَلِيَ مَنْصِباً وَلَوْ عَلَى بَهِيمَةٍ.

وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرَاً جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إَنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ عِنْدَمَا شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ: وَلَيْسَ مِنْ خَلِيفَةٍ، وَلَا أَمِيرٍ، إِلَّا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَالاِسْتِكْثَارَ مِنْهَا، فَهُوَ يَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَيَحُضُّهُ عَلَيْهِ، لِيَجِدَ بِهِ السَّبِيلَ إِلَى انْطِلَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمَحْظُورَاتِ، وَمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، وَيُوهِمُهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَيَغْضَبْ وَيُخِفِ النَّاسَ لَمْ يَتِمَّ لَهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَرْضَ بِسَيَاسَةِ اللهِ لِعِبَادِهِ بِبَسْطِ الْعَدْلِ وَبِخَمْدِ الْأَيْدِي، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحَ الِعِبَادِ وَالْبِلَادِ.

وَلَا يَخْلُو سُلْطَانٌ أَنْ يَكُونَ فِي بِطَانَتِهِ رَجُلٌ يَحُضُّهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُهُ بِهِ لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ فِي الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْأَقَلُّ، وَالْمَعْصُومَ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْ عَصَمَهُ لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسُهُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، بِشَهَادَةِ اللهِ عَلَيْهَا الْخَالِقِ لَهَا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً.

وَيَقُولُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَالْمَعْنَى: لَا تُبْقِي تِلْكَ الْبِطَانَةُ غَايَةً فِي إِلْقَائِه فِي الشَّرِّ، وَهَذَا لِأَنَّ أَهْلَ الْخَيْرِ يَدْعُونَ إِلَى مُرَادِهِمْ، وَأَهْلَ الشَّرِّ يَحُثُّونَ عَلَى مَحْبُوبِهِمْ، وَالْوَالِي مَائِلٌ بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ إِلَى أَهْلِ الْخَيْرِ، وَبِالْطَّبْعِ إِلَى أَهْلِ الشَّرِّ، إِلَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُعْصَمُونَ بِطَهَارَةِ الْوَضْعِ بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْي، وَغَيْرُهُمْ يَفْتَقِرُ إِلَى قُوَّةِ مُجَاهَدَةٍ، لِأَنَّهُ يَتَّفِقُ مَيْلُ الطَّبْعِ وَحَثُّ مَنْ يَحُثُّ عَلَى مَا مَالَ الطَّبْعُ إِلَيْهِ.

فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِتَأَمُّلِ الْعَوَاقِبِ وَإِيثَارِ التَّقْوَى أَبْعَدَ أَهْلَ الشَّرِّ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يَقُولُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ مِلْتُ عَنِ الْحَقِّ فَضَعْ يَدَكَ فِي تِلْبَابِي وَهُزَّنِي، ثُمَّ قُلْ: يَا عُمَرُ مَا تَصَنَعُ؟

وَلِذَلِكَ تَعْلَمُونَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حِرْصَ السَّلَفِ عَلَى الدُّعَاءِ لِمَنْ وَلِيَ أَمْراً أَنْ يَرْزُقَهُ اللهُ بِطَانَةً صَالِحَةً، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ بِطَانَةَ السُّوءِ، وَذَلِكَ أَخْذاً مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ فِي مُحْكَمُ التَّنْزِيلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة