الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، إِنْ كَانَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ قَدْ رَتَّبَ بَيْنَ الطَّاعَاتِ، فَقَدْ رَتَّبَ بَيْنَ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، فَذَنْبٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبٍ، وَظُلْمٌ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمٍ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ، وَرَأْسَهَا هُوَ الْإِشْرَاكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، فِي رُبُوبِيَّتِهِ، أَوْ أُلُوهِيَّتِهِ، أَوْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
فَإِذَا تَيَقَّنَ النَّاسُ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ بَعْدَ الشِّرْكِ بِهِ عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، لَا يَسْتَطِيعُ الْفَصِيحُ بَيَاناً، وَلَا الْأَدِيبُ بَلَاغَةً إِنْ كَانَ سَيَتَكَلَّمُ عَنْ أَمْرٍ مُخَالِفٍ لِلْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَبَرُّ وَالِدَيْهِ فَهُوَ مُنْتَكِسٌ مُخَالِفٌ.
قَالَ فِي "تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ": إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حُرْمَةَ الْوَالِدَيْنِ وَلَمْ يُوصِ بِهِمَا، لَكَانَ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ أَنَّ حُرْمَتَهُمَا وَاجِبَةٌ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَتَهُمَا، وَيَقْضِيَ حَقَّهُمَا، فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ: التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَالزَّبُورِ، وَالْفُرْقَانِ، وَقَدْ أَمَرَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَأَوْحَى إِلَى جَمِيعِ رُسُلِهِ، وَأَوْصَاهُمْ بِحُرْمَةِ الْوَالِدَيْنِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِمَا، وَجَعَلَ رِضَاهُ فِي رَضَى الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطِهِ فِي سَخَطِهِمَا.
أَلَمْ تَقْرَأُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: 151] أَلَمْ تَقْرَأُوا قِصَّةَ مُوسَى مَعَ الْخِضْرِ وَأَنَّ اللهَ قَضَى بِقَتْلِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ سَيَكُونُ سَبَباً لِطُغْيَانِهِمَا: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81] جَعَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مَنْزِلَةَ الْعُقُوقِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ أَنَّهُ أَكْبَرُهَا، فَيَالَهَوْلِ ذَنْبِ الْعَاقِّينَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثاً؟» قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، العُقُوقُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ مِنَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِتَحْرِيمِهَا فَلَيْسَ فِيهَا مَجَالٌ لِقَوْلِ قَائِلٍ أَنَّ يَعُقَّ الْوَلَدُ وَالِدَيْهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأَدَ الْبَنَات وَمَنْعاً وَهَاتِ وَكرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَيُّها النَّاسُ: جَعَلَ اللهُ عَاقِبَةَ الْعُقُوقِ وَخِيمَةٌ فَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِي يُعَجِّلُ اللهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، لِلْحَدِيثِ: «كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ اللهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ».
مَنْ أَرَادَ الْخُسْرَانَ وَالْهَلَاكَ فَلْيَكُنْ عَاقَّاً لِوَالِدَيْهِ لِحَدِيثِ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» غَايَةُ مُنْيَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لَكِنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْعَاقِّ لِحَدِيثِ: «ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخُبْثَ فِي أَهْلِهِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
عِبَادَ اللهِ: الْعَاقُّ كَافِرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَبِإِحْسَانِ وَالِدَيْهِ، الْعُقُوقُ يُبْعِدُ عَنْ رِضْوَانَ اللهَ، الْعُقُوقُ كَبِيرَةٌ تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ فِي يَوْمِ الْجَزَاءَ، الْعُقُوقُ يُحْدِثُ زَعْزَعَةً فِي الْمُجْتَمَعِ، فَمَنْ لَا يَبَرُّ وَالِدَيْهِ لَا يَبَرُّهُ أَبْنَاؤُهُ، وَلَا يَبَرُّ جِيرَانَهُ وَمُجْتَمَعَهُ، كَثْرَةُ الْعُقِوقِ مُبْعِدَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ دَائِرَةِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلَنْ يَحْسُنَ لِغَيْرِهِمَا، فَيَزُولُ الْأَمَانُ مِنَ الْمُجْتَمَعِ الْعَاقُّ يَلْقَى جَزَاءَ عُقُوقِهِ َفي الدُّنْيَا، كَمَا وَعَدَهُ بِذَلِكَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ يُذْهِبُ إِشْرَاقَةَ الْوَجْهِ وَيُطْفِىءُ نُورَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أنّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «احْفَظْ وُدَّ أَبِيكَ لَا تَقْطَعْهُ فَيُطْفِىُء اللهُ نُورِكَ» رَوَاهَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرَمَ مَنْ نَظَرِ اللهِ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَعَّق وَالَدَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهَ ـ عَزَّ وْجَلَّ ـ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الِقيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالمْنَّانُ بِمَا أَعْطَى» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، مَا أَبْشَعَ الْجُرْمَ وَمَا أَقَبَحَ الْجَرِيمَةَ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآَنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ.
الْعُقُوقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِسَاءَةُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
قَالَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: إِبْكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: لَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَدْفَعَ يَدَ وَالِدِهِ إِذَا ضَرَبَهُ، وَمَنْ شَدَّ النَّظَرَ إِلَى وَالِدَيْهِ لَمْ يَبَرَّهُمَا، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِمَا مَا يُحْزِنُهُمَا فَقَدْ عَقَّهُمَا.
وَقاَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الْعُقُوقُ الْمُحَرَّمُ كُلُّ فِعْلٍ يَتَأَذَّى بِهِ الِوَالِدُ أَوْ نَحْوِهِ تَأَذِّياً لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مَا هُوَ؟ قَالَ: هُوَ إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَهُمَا، وَإِذَا أَمَرَاهُ بِأَمْرٍ لَمْ يُطِعْ أَمْرَهُمَا، وَإِذَا سَأَلَاهُ شَيْئاً لَمْ يُعْطِهِمَا، وَإِذَا ائْتَمَنَاهُ خَانَهُمَا.
صُوَرُ الْعُقُوقِ كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ رِضَا الزَّوْجَةِ عَلَى رِضَاهُمْ، سَأَلَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقَّاً عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَاَل: «زَوْجُهَا» قَالَتْ: فَعَلى الرَّجُلِ؟ قَالَ: «أُمُّهُ».
وَكَذَا الْغِلْظَةُ، وَالْفَظَاظَةُ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَالْعُبُوسُ، وَعَدَمُ تَلْبِيَةِ نِدَائِهِمَا وَعَدَمُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، وَعَدَمُ اسْتِئْذَانِهِمَا لِسَفَرٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِمَشَاعِرِهِمَا، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِمَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ مَا خُلَاصَتُهُ: مِنِ الِكَبَائِرِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنْ عَلَا، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمَا مِنْهَ، وَقاَل ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الْعُقُوقُ كَبِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نَحْوَ سبٍّ فَفَاحِشَةٍ.
قَالَ الْعُلَمُاءُ: إِنَّمَا صَارَتْ قَوْلَةُ (أُفٍّ) لِلْأَبَوَيْنِ أَرْدَأَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ تُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مَرْفُوضٍ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ لِقَوْمِهِ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: 67] فَهِيَ لِلْأَبَوَيْنِ كُفْرٌ لِلنِّعْمَةِ، وَجَحْدٌ لِلتَّرْبِيَةِ، وَرَدٌّ لِلْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَى اللُه بِهَا فِي التَّنْزِيلِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وَالنَّهُرُ هُوَ الزَّجْرُ وَالْغِلْظَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أَيْ: لَيِّناً لَطِيفاً مِثْلَ: يَا أَبَتَاهُ وَيَا أُمَّاُه مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيهَما وَيُكَنِّيهُمَا.
قَال ابْنُ الْهَدَّاجِ التَّجِيبِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المْسُيَبِّ ِكُلُّ مَا فِي الْقُرْآَن مَنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قَدْ عَرَفْتُهُ إِلَّا قَوْلُهُ ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ مَا هَذَا الْقوَلُ الْكَرِيمُ؟ قَالَ ابْنُ الْمًسَيَّبِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَوْلُ الْعَبْدِ الْمُذْنِبُ لِلسَّيِّدِ الْفَظِّ الْغَلِيظِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ لَا تَصْحَبْ عَاقَّاً لِوَالِدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَبَرَّكَ وَقَدْ عَقَّ وَالِدَيْهِ.
قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَلَمْ أَقِفُ فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَلَا فِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى ضَابِطٍ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَا يَحْرُمُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ فَهُوَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِمَا، وَمَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُمَا، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ طَاعَتُهُمَا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ، وَلَا فِي كُلِّ مَا يَنْهِيَانِ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ حُرِّمَ عَلَى الْوَلَدِ السَّفَرُ إِلَى الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا مِنْ تَوَقُّعِ قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلِشِدَّةِ تَفَجُّعِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ سَفَرٍ يَخَافَانِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَقَدْ سَاوَى الْوَالِدَانِ الرَّقيقَ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى.
قَالَ الْبَلْقِينِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: ضَوَابِطُ عُقُوقِ الْوَالِدِينَ:
أَوَّلُهَا: كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ عُقُوقاً لَهُمَا فَهُوَ عُقُوقٌ.
ثَانِيهُمَا: كُلُّ مَا يُؤْذِيهِمَا مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ عَادَةً، وَتَعَدَّى بِهِ الْوَلَدُ فَهُوَ عُقُوقٌ، وَمِنْهُ سَفَرُهُ لِلْجِهَادِ فَهُوَ مَنِ التَّعَدِّي عَلَيْهِمَا.
ثَالِثُهَا: كُلُّ مَا تَلْحَقُهُمَا بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ مِمَّا يَصْدُرُ مِنَ الْوَلَدِ بِاخْتِيَارِهِ لَا يَحْتَمِلُ مِثْلَهُمَا الْوَالِدَانِ مِمَّا لَيْسَ حَقَّاً لَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عُقُوقاً.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].