الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
وَبَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» قَالَ ابْنُ الْأَثْيرِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي مَعْنَى هَمَّامٍ «وَإِنَّمَا كَانَ أَصْدَقَهَا؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إَلَّا وَهُوَ يَهُمُّ بِأَمْرٍ، خَيْراً كَانَ أَوْ شَرَّاً».
إِنَّهَا الْأَمَلُ الْمُشْرِقُ الْمُزْهِرُ الَّذِي يَحْمِلُ النَّفْسَ عَلَى وُلُوجِ الْمَكَارِهِ والْمَصَاعِبِ، وَخَوْضِ غِمَارِ الْمَتَاعِبِ؛ لِبُلُوغِ مَرَاقِي الْعِزَّةِ وَالْفَلَاحِ، وَمَدَرَاتِ الْفَوْزِ وَالصَّلَاحِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنْ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِهِ"، وَقَدْ أَرْشَدَنَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى عَلِيِّ الْمَنَازِلِ وَسَنِيِّ الْمَقَاصِدِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ، مَطْلَبٌ عَزِيزٌ، وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، لَا يَطْلُبُهَا إِلَّا الصَّفْوَةُ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَقَدْ عَلَّمَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَحَابَتَهُ الْكِرَامَ عُلُوَّ الْهِمَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الدُّعَاءِ.
فَعَنْ أَبْي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي "كِتَابِ السُّنَّةِ" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَيُوَجِّهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سُؤَالَهُ لِرَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «سَلْ يَا رَبِيعَةُ؟» فَلَمْ تَكُنْ هِمَّةُ رَبِيعَةَ لِتَنْصَرِفَ إِلَى سَقْطِ الْأَرْضِ وَمَتَاعِ الدُّنْيَا الدَّنِيءِ؛ بَلْ كَانَتْ هِمَّتُهُ أَعْلَى وَمَقَاصِدُهُ أَسْمَى، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي كِتَابِهِ "صَيْدُ الْخَاطِرِ": مِنْ عَلَامَةِ كَمَالِ الْعَقْلِ عُلُوُّ الْهِمَّةِ، وَالرَّاضِي بِالدُّونِ دَنِيٌّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَصْغُرَنَّ هِمَّتُكُمْ فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَقْعَدَ عَنِ الْمَكْرُمَاتِ مِنْ صِغَرِ الْهِمَمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْهِمَّةُ رَايَةُ الْجَدِّ، وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: عُلُوُّ الْهِمَمِ بَذْرُ النِّعَمِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا طَلَبَ رَجُلَانِ أَمْراً ظَفِرَ بِهِ أَعْظَمُهُمَا مُرُوءَةً وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَنْ تَرَكَ الْتِمَاسَ الْمَعَالِي بِسُوءِ الرَّجَاءِ لَمْ يَنَلْ جَسِيماً.
عِبَادَ اللهِ: النُّفُوسُ الشَّرِيفَةُ لَا تَرْضَى مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِأَعْلَاهَا وَأَفْضَلِهَا وَأَحْمَدِهَا عَاقِبَةً، وَالنُّفُوسُ الدَّنِيئَةُ تَحُومُ حَوْلَ الدَّنَاءَاتِ، وَتَقَعُ عَلَيْهَا كَمَا يَقَعُ الذُّبَابُ عَلَى الْأَقْذَارِ، فَالنُّفُوسُ الْعَلِيَّةُ لَا تَرْضَى بِالظُّلْمِ، وَلَا بِالْفَوَاحِشِ، وَلَا بِالسَّرِقَةِ وَلَا بِالْخِيَانَةِ؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالنُّفُوسُ الْحَقِيرَةُ بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ إِنَّمَا تُنَالُ بِالْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ وَالْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ وَالْإِرَادَةِ الْخَالِصَةِ فَعَلَى قَدْرِ ذَلِكَ تَكُونُ سَعَادَةُ الْمَرْءِ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ: قَدَرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ هِمَّتُهُ فِي الثَّرَى يَعْنِي: التُّرَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هِمَّتُهُ فِي الثُّرَيَّا يَعْنِى: أَعَالِي الْأُمُورِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَقَدْ أَجْمَعَ عُقَلَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ النَّعِيمَ لَا يُدْرَكُ بِالنَّعِيمِ، وَأَنَّ مَنْ آثَرَ الرَّاحَةَ فَاتَتْهُ الرَّاحَةُ، فَلَا فَرْحَةَ لِمَنْ لَا هَمَّ لَهُ، وَلَا لَذَّةَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ، وَلَا رَاحَةَ لِمَنْ لَا تَعَبَ لَهُ؛ بَلْ إِذَا تَعِبِ الْعَبْدُ قَلِيلاً اِسْتَرَاحَ طَوِيلاً وَإِذَا تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الصَّبْرِ سَاعَةً قَادَتْهُ لِحَيَاةِ الْأَبَدِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ أهْلُ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَهُوَ صَبْرُ سَاعَةٍ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: إِنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ وَلَكِنْ هَمَّ الدُّعَاءِ، فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ.
وَعَلَى قَدْرِ نِيَّةِ الْعَبْدِ وَهَمَّتِهِ وَمُرَادِهِ وَرَغْبَتِهِ فِي ذَلِكَ يَكُونُ تَوْفِيقُهُ سُبْحَانَهُ وَإِعَانَتُهُ، فَالْمَعُونَةُ مِنَ اللهِ تَنْزِلُ عَلَى الْعِبَادِ عَلَى قَدْرَ هِمَمِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ وَرَهْبَتِهِمْ، وَالْخِذْلَاَنُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.
فاللهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأعْلَمُ الْعَالِمِينَ، يَضَعُ التَّوْفِيقَ فِي مَوَاضِعِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ، وَالْخِذْلَاَنَ فِي مَوَاضِعِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ، هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: مَا شَاتَمْتُ رَجُلاً مُذْ كُنْتُ رَجُلاً لِأَنِّي لَمْ أُشَاتِمْ إِلَّا أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا كَرِيمٌ فَأَنَا أَحَقُّ أَنَّ أُجِلَّهُ، وَإِمَّا لَئِيمٌ فَأَنَا أَوْلَى أَنَّ أَرْفَعَ نَفْسِي عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمَّاً وَاحِداً، هَمُّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاُهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أوَدِيَتِهَا هَلَكَ.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10].
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الْعَاقِلَ اللَّبِيبَ مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ مَوْلَاهُ.
فَاجْتَهَدَ فِي رِضَاِهُ، وَآثَرَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَبَذَلَ الْأَسْبَابَ، ثُمَّ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمْعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمَلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ».
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:
فَإِنَّ الْإِسْلَامَ فِي كُلِّ تَشْرِيعَاتِهِ جَاءَ بِمَا يُعْلِي هِمَّةَ الْمُؤْمِنِ، فَوَصَفَ اللهُ عِبَادَ الرَّحْمَنِ بِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] فَلَمْ يَسْأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ بَلْ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً لَهُمْ، وَمَا أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَكِنْ أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهِ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] وَيَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ» وَيَقُولُ: «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ» وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اِبْنِ الْجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: تَأَمَّلْتُ أَحْوَالَ النَّاسِ فِي حَالَةِ عُلُوِّ شَأْنِهِمْ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ الْخَلْقِ تَبِينُ حَسْرَاتُهُمْ حِينَئِذٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فِي الْمَعَاصِي مِنَ الشَّبَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّطَ فِي اكْتِسَابِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِاللَّذَّاتِ.
فَكُلُّهُمْ نَادِمٌ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ حِينَ فَوَاتِ الاِسْتِدْرَاكِ لِذُنُوبِ سَلَفَتْ، أَوْ قُوًى ضَعُفَتْ، أَوْ فَضِيلَةٌ فَاتَتْ، فَيُمْضِي زَمَانَ الْكِبَرِ فِي حَسْرَاتٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِلشَّيْخِ إِفَاقَةٌ مِنْ ذُنُوبٍ قَدْ سَلَفَتْ، قَالَ: وَا أَسَفَاهُ عَلَى مَا جَنَيْتُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِفَاقَةٌ صَارَ مُتَأَسِّفاً عَلَى فَوَاتِ مَا كَانَ يَلْتَذُّ بِهِ.
أَمّا مَنْ أَنْفَقَ عَصْرَ الشَّبَابِ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُ فِي زَمَنِ الشَّيْخُوخَةِ يَحْصُدُ جَنَى مَا غَرَسَ، وَيَلْتَذُّ بِتَصْنِيفِ مَا جَمَعَ، وَلَا يَرَى مَا يَفْقِدُ مِنْ لَذَّاتِ الْبَدَنِ شَيْئاً بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا يَنَالُه مِنْ لَذَّاتِ الْعِلْمِ.
إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ الْعِلْمَ وَالْبَصِيرَةَ، فَالْعِلْمْ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ عَنِ الدَّنَايَا، وَيُلْزِمَهُ مَعَالِيَ الْأُمُورَ، وَيَتَّقِي فُضُولَ الْمُبَاحَاتِ.
وَمِنْهَا: إِرَادَةُ الْآخِرَةِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].
وَقَالَ: «مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً».
وَمِنْهَا: كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ إِلَى الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ.
وَمِنْهَا: صُحْبَةُ أُولِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَمُطَالَعَةُ أَخْبَارِهِمْ.
وَمِنْهَا: الِاهْتِمَامُ وَالْعِنَايَةُ بِتَرْبِيَةِ الِابْنِ عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ، وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ، وَعَدَمُ تَجَاهُلِهِ وِاحْتِقَارِهِ.
فَهَذَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ يَقُودُ جَيِشَ الْمُسْلِمِينَ فِي حُرُوبِ الرَّدَّةِ، وَفِيهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُمْرُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: كُنْتُ يَتِيماً فِي حِجْرِ أُمِّي فَدَفَعَتْنِي إِلَى الْكُتَّابِ، وَهَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ تَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، اطْلُبِ الْعِلْمَ، وَأَنَا أَكْفِيكَ بِمِغْزَلِي، وَالْأَوْزَاعِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: نَشَأَ يَتِيماً فِي حِجْرِ أُمِّهِ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى اسْتُفْتِيَ وَلَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ مِنْكُمْ مَا هُوَ هَمُّهُ الَّذِي يُهِمُّهُ الْآنَ أَمْلْءُ بَطْنِهِ، وَإِمْتَاعُ شَهْوَتِهِ، أَمْ هِمَّتُهُ مِنْ أَعْلَى الْهِمَمِ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَارْضَ الَّلُهمَّ عَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.