الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يَعِيشُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بَيْنَ أَمَلٍ يَرْجُوهُ وَعَمَلٍ يَخَافُهُ، وَلَا يَدْرِي الْمُؤْمِنُ هَلْ يُخْتَمُ لَهُ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، وَاللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ؛ بَلْ عَلَى قَدْرِ عَمَلِ الْعَبْدِ يَجِدُ ذَلِكَ أَمَامَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46] ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
فَاللهُ سُبْحَانَهُ لَا يُكَافِئُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ مَا عَمِلَ فيِ الدُّنْيَا، وَعَدْلُ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ مَهْمَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالٍ أَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّهِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُكَافِئُ الْمُحْسِنَ بِمَا يَسْتَطِيعُ مُكَافَأَتَهُ بِهِ رَدَّاً لِجَمِيلِهِ، وَعَوْداً بِالْفَضْلِ إِلَى أهْلِهِ، وَقَلَّ أَن يُوجَدَ شَخْصٌ سَوِيٌّ عَاقِلٌ يُحْسِنُ إِلَيْهِ آخَرُ إِلَّا وَيَجِدُ عَلَى نَفْسِهِ لِزَاماً مُكَافَأَتَهُ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي قَامَ بِهِ.
وَمِنْ أَرْوَعِ الْقِصَصِ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ الْأَسْلَمِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَهِيَ مِثَالٌ لِلْمُكَافَأَةِ بِمَا عَمِلِ شَخْصٌ مَعَ آخَرَ.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ: عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِيَ أَجْمَعَ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، أَقُولُ: لَعَلَّهَا أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَاجَةٌ، فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَرْقُدَ، قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْماً لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي لَهُ، وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ: سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ زَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقاً سَيَكْفِينِي وَيَأْتِينِي، قَالَ فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لآخِرَتِي، فَإِنَّهُ مِنَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ.
قَالَ: فَجِئْتُ فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ ـ وَفِي رِوَايَةٍ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ ـ قَالَ: فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكِ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ: سَلْنِي أُعْطِكَ، وَكُنْتَ مِنَ اللهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ نَظَرْتُ فِي أَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقاً سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لآخِرَتِي، قَالَ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ لِي: إِنِّي فَاعِلٌ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.
فَيَا للهِ، مَا أَبْعَدَ هِمَّةَ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَلَوْ وَقَفَ شَخْصٌ الْآنَ أَمَامَ أَحَدِ مُلُوكِ الدُّنْيَا أَوْ أَغْنِيَائِهَا وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ مَا يُرِيدُ، لَرَأَيْتُمُوهُ يَسْبَحُ فِي طَلَبَاتٍ مِنْ أُمُورِ الْحَيِاةِ الدُّنْيَا، وَكَأَنَّ رِزْقَهُ الْمَقْسُومَ لَنْ يَأْتِيَهُ.
إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لَمَّا خَدَمَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هَذِهِ الْخِدْمَةَ الَّتِي جَعَلَتْهُ يَكُونُ مَعَهُ كُلَّ وَقْتِهِ، رَغِبَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَى حُسْن ِعَمَلِهِ الَّذِي قَامَ بِهِ.
لَكِنَّ كَعْباً كَانَ وَاسِعَ الْإِدْرَاكِ، وَعَلِمَ أَنَّ الدُّنْيَا سَتَنْتَهِي، وَلَنْ يَمُوتَ مِنْ قِلَّةِ ذَاتِ يَدٍ، أَوْ أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ رِزْقَهُ فَرَأَى أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ لِلْآخِرَةِ، فَطَلَبَ مُرَافَقَةَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْجَنَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ الطَّلَبُ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ طَلَباً عَالِياً صَعْباً لَا يَنَالُهُ كُلُّ أَحَدٍ دَلَّهُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى َعَمٍل يُوَازِي ذَلِكَ الطَّلَبَ، فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ أَيْ عَلَى تَحْصِيلِ حَاجَةِ نَفْسِكَ الَّتِي هِيَ الْمُرَافَقَةُ.
إِذِ الْمُرَادُ تَعْظِيمُ تِلْكَ الْحَاجَةِ، وَأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى مُعَاوَنَةٍ مِنْكَ، وَمُجَرَّدُ السُّؤَالِ مِنِّي لِا يَكْفِي فِيهَا، فَأَعِنِّي عَلَى قَهْرِ نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَمَا ذَكَرْتَ لَا يَحْصُلُ إَلَّا بِقَهْرِ نَفْسِكَ الَّتِي هِيَ أَعْدَى عَدُوِّكَ فَلَا بُدَّ لِي مِنْ قَهْرِ نَفْسِكَ بِصَرْفِهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَلَا بُدَّ لَكَ أَنْ تُعَاوِنَنِي فِيهِ.
لَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ السُّجُودِ لَيَحْصُلَ عَلَى مَا وَعَدَ بِهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَبِيعَةَ؟
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ لَيِسَ السُّجُودَ الْمُطْلِقَ، فَلَمْ يُشْرَعِ السُّجُودُ لِوَحْدِه وَلَيْسَ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً إِلَّا فِي سُجُودِ الشُّكْرِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، لَكِنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ السُّجُودُ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ دَلَّهُ عَلَى كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، لَيَحْصُلَ عَلَى مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنَّةِ.
فَهَلْ تَدْرُونَ كَيْفَ يَكُونُ الْعَبْدُ كَثِيرَ السُّجُودِ؟ إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُحَافِظَ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعَلَى النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ يَسْجُدُ فِي الْيَوْمِ وَالَّليْلَةِ مِائَةَ سَجْدَةٍ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهَلِ اسْتَشْعَرَ الْعَبْدُ ذَلِكَ.
الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِنَّ أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ سَجْدَةً.
السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِنَّ أَرْبَعًاً وَعِشْرِينَ سَجْدَةً.
مَنْ حَافَظَ عَلَى قِيَامِ الَّليْل إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَقَدْ سَجَدَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَجْدَةً.
مَنْ صَلَّى بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةً فِيمَا عَدَا الرَّوَاتِبَ فَقَدْ سَجَدَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَجْدَةً.
وَمَنْ صَلَّى الضُّحَى بِأَقَلِّ عَدَدِهَا الْوَارِدِ فَقَدْ سَجَدَ فِيهَا ثَمَانِ سَجَدَاتٍ.
فَيَكُونُ سُجُودُ الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَالَّليْلَةِ مِائَةَ سَجْدَةٍ، كَيْفَ وَالنَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ كَثْيرَةٌ، فَصَلَاةُ الَّليْلِ لَا حَصْرَ لَهَا، وَالتَّقَرُّبُ للهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ عَدَا أَوْقَاتِ النَّهْيِ مَشْرُوعٌ.
فَهَلْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَقِّقَ شَرْطَ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْجَنَّةِ بِمُحَافَظَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ.
الَّلهُمَّ ارْزُقْنَا مُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ وَبَعْدُ:
فَإِنَّ السُّجُودَ عِبَادَةٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا تَمَامُ الذُّلِّ للهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ لِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِله تَعَالَى، وَفِيهِ تَمْكِينُ أَعَزِّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَعْلَاهَا وَهُوَ وَجْهُهُ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ.
وَلِذَلِكَ أَبَى إِبْلِيسُ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ لَمَّا أَمَرَهُ اللُه بِذَلِكَ، وَأَبَى كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَسْجُدُوا، لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ آيَاتِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ السُّجُودِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ فِيهِ فِي أَشَدِّ حَالَاتِ ذُلِّهِ وَافْتِقَارِهِ.
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ السُّجُودَ هُوَ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ مِنَ اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ يَقُولُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19] وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبْي الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَوْلَا ثَلَاثٌ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى فيِ الدُّنْيَا: وَضْعُ وَجْهِيَ لِلسُّجُودِ لِخَالِقِي فِي الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَظَمَأُ الْهَوَاجِرِ وَمَقَاعِدُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ الْكَلَامَ كَمَا تُنْتَقَى الْفَاكِهَةُ.
السُّجُودُ كَاسِرٌ لِلنَّفْسِ، وَمُذِلٌّ لَهَا، وَأَيُّ نَفْسٍ انْكَسَرَتْ وَذَلَّتِ، اسْتَحَقَّتِ الرَّحْمَةُ.
إِنَّ مُرَافَقَةَ الْمُصْطَفَى فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ الَّتِي لَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا إِلَّا بِحُضُورِ الزُّلْفَى عِنْدَ اللهِ فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَانْظُرُوا ارْتِبَاطَ الْقَرِينَتَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ مُرَافَقَةَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَا يَنَالُهُ إِلَّا بِالْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَمَنْ رَامَ قُرْبَ اللهِ لَمْ يَنَلْهُ إِلَّا بِقُرْبِ حَبِيبِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ مَنُوطَةٌ بِمُتَابَعَتِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَحَبَّةُ اللهِ الْعَبْدَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مُتَابَعَةِ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ السُّجُودَ عِبَادَةٌ مْنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، لَا يُسْجَدُ لِحَاكِمٍ وَلَا لِشَيْخٍ وَلَا لِغَيْرِهِمْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ، وَشِبْهُهُمْ مِنْ سُجُودِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ، وَرُبَّمَا كَانُوا مُحَدِّثِينَ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَواءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ مُتَطَهِّراً أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ اسْتقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَمْ لَا، وَقَدْ يَتَخَيَّلُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ تَوَاضُعٌ وَكَسْرٌ لِلنَّفْسِ.
وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ وَغَبَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَكَيْفَ تُكْسَرُ النُّفُوسُ أَوْ تَتَقَرَّبُ إِلَى اللِه تَعَالَى بِمَا حَرَّمَهُ، وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ عَنْ هَذَا السُّجُودِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَقَالَ: هُوَ مِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ، وَنَخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْراً فَكَيْفَ إِذَا كَانَ السُّجُودُ لِبَعْضِ الْقُبِورَ أَوِ الْكَفَرَةِ أَوْ سَقَطِ الْمُجْتَمَعِ؟
السُّجُودُ عِبَادَةٌ تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنَ اللهِ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ، عَنْ ثَوْبَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْ عَمَلٍ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً».
فَمَنْ سَجَدَ سَجْدَةً للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ رَفَعَهُ اللهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ النَّاسِ، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَحَصَلَ مُبْتَغَاهُ، فَأَكْثِرُوا السُّجُودَ للهِ، وَأَلِظُّوا بِالدُّعَاءِ، فَأَنْتُمْ قَرِيبُونَ مِنَ اللهِ، وَاللهُ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].