الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَقَّ التَّقْوَى، وَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، مَنِ اتَّقَى اللهَ فِي الدُّنْيَا وَقَاهُ اللهُ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: كَتَبَ الُله سُبْحَانَهُ أَنَّ بَقَاءَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ بَلْ وَغَالِبُ مَا خَلَقَ اللهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ، مِمَّا لَا عَيْشَ لَهُمْ بِدُونِهَا، وَلَعَلَّ أَظْهَرَ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ: الْمَاءُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنبياء: 30] قَالَ: خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ مَنْ الْمَاءِ، وَهُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، فَالْمَاءُ بِهِ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ وَالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَأَشْيَاءٍ أُخْرَى.
وَمَعَ أَنَّ الْمَاءَ بِهِ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ فَقَدْ عَلَّقَ اللهُ بِهِ فَضَائِلَ كَثِيرَةً، فَجَعَلَ النَّاسَ شُرَكَاءَ فِي ثَلَاثٍ مِنْ بَيْنِهَا الْمَاءُ، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثَلَاثاً أَسْمَعُهُ يَقُولُ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ».
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي "التَّلْخِيصِ" وَالْبُوصِيرِيُّ فِي "الزَّوَائِدِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ».
أَلَا وَإِنَّ الْخَصَائِصَ الَّتِي اخْتَصَّ اللهُ بِهَا الْمَاءَ دُونَ غَيْرِهِ مَا جَعَلَهُ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ لِمَنْ يَسْقِي النَّاسَ مَاءً، فَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ سِقَايَةِ الْمَاءِ لِلنَّاسِ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، فَقَدْ رَوَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سَقْيُ الْمَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ مَاءٍ».
وَأَتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تُوصِ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «نَعَمْ وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ"، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّ سَعْداً حَفَرَ بِئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْمَاءُ، أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَهْلِ النَّارِ حِينَ اسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.
بَلْ إِنَّ اللهَ خَصَّ حَفْرَ الْآباَرِ لِقَصْدِ شُرْبِ النَّاسِ مِنْ مَائِهَا بَأَجْرٍ عَظِيمٍ، فَعَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ حَفَرِ بِئْرَ مَاءٍ، لَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى مِنْ: جِنٍّ، وَلَا إِنْسٍ، وَلَا طَائِرٍ، إِلَّا آجَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "تَارِيخِهِ" وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "صَحِيحِهِ".
بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ أَجْرَ سَقْيِ الْمَاءِ لَيْسَ قَاصِراً عَلَى شُرْبِ الْبَشَرِ مِنْهُ فَقَطْ؛ بَلْ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ يُؤْجَرُ الْعَبْدُ عَلَى سَقْيِهَا، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: إِنِّي أَنْزِعُ فِي حَوْضِي حَتَّى إِذَا مَلَأْتُهُ لِإِبِلِي وَرَدَ عَلَيَّ الْبَعِيرُ لِغَيْرِي فَسَقَيْتُهُ فَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ أَجْراً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ.
وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الضَّالَّةُ تَرِدُ عَلَى حَوْضِي فَهَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ إِنْ سَقَيْتُهَا؟ قَالَ: «اسْقِهَا فَإِنَّ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْراً» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ.
وَتَعْلَمُونَ قِصَّةَ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَقَى كَلْباً رَآهُ يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فَعَلَيْهِ بِسَقْيِ الْمَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَقَى رَجُلاً مُؤْمِناً مُوَحِّداً وَأَحْيَاهُ؟!
بَلِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ لِلنَّاسِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنَ الْمَرْضِ، فَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى حِكَايَةً عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللِه ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فَإِنَّهُ قُرِحَ وَجْهُهُ، وَعَالَجَهُ بِأَنْوَاعِ الْمُعَالَجَةِ فَلَمْ يَذْهَبْ، وَبَقِيَ فِيهِ قَرِيباً مِنْ سَنَةٍ، فَسَأَلَ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ أَبَا عُثْمَانَ الصَّابُونِيَّ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَعَا لَهُ وَأَكْثَرَ النَّاسُ التَّأْمِينَ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الِأُخْرَى أَلْقَتِ امْرَأَةٌ فِي الْمَجْلِسِ رُقْعَةً بِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا، وَاجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاءِ لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ تِلْكَ الَّليْلَةَ، فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا قُولِي لِأَبِي عَبْدِ اللهِ يُوسِّعُ الْمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَجِئْتُ بِالرُّقْعَةِ إِلَى الْحَاكِمِ، فَأَمَرَ بِسِقَايَةٍ بُنِيَتْ عَلَى بَابِ دَارِهِ، وَحِينَ فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهَا أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِيهَا، وَطَرَحَ الْجَمدَ فِي الْمَاءِ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ.
فَمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتَّى ظَهَرَ الشِّفَاءُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْقُرُوحُ، وَعَادَ وَجْهُهُ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ.
وَجَاءَ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ عَنْ قُرْحَةٍ خَرَجَتْ فَي رُكْبَتِهِ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، وَقَدْ عَالَجَهَا بِأَنْوَاعِ الْعِلَاجِ، وَسَأَلَ الْأَطِبَّاءَ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ: اذْهَبْ وَاحْفُرْ بِئْراً فِي مَكَانٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهِ إِلَى الْمَاءِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَنْبُعَ هُنَاكَ عَيْنٌ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَشَفَاهُ اللهُ تَعَالَى.
عِبَادَ اللهِ: هَذَا فَضْلُ اللهِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ وَصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَبَابٍ مِنْ رَحَمَاتِ اللهِ الْوَاسِعَةِ أَلَا وَهُوَ سَقْيُ الْمَاءِ لِلنَّاسِ، لِيَشْرَبُوا وَيَنْتَفِعُوا بِهِ فَكَيْفَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَشٍ شَدِيدٍ أَوْ حَرٍّ شَدِيدٍ؟
فُرْصَةٌ سَانِحَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْعَمَلِ شَيْئاً.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ.
الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ:
إِنَّ تَقْوَى اللهِ تُسْتَجْلَبُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْمَلُوا صَالِحاً، أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا الصَّحَابَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ سَقْيَ النَّاسِ الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، فَوَضْعُ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِلشُّرْبِ كَانَ مَوْجُوداً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَلَيْسَ أَمْراً حَادِثاً بَعْدَهُ.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِالَّليْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ، فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ.
فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيْهِمِ، فَعَرَضُوا لَهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالُوا: الَّلهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَصْحَابِهِ «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: الَّلهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ، فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا».
قَالَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَبْلَهُ (يَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ) مُسَبَّلاً لِمَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَهُ لِطَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَفِيهِ جَوَازُ وَضْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ كانُوا يَضَعُونَ أَيْضاً أَعْذَاقَ التَّمْرِ، لِمَنْ أَرَادَ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ هَذَا وَفَضْلِهِ.
سَقْيُ النَّاسِ الْمَاءَ فِي يَوْمٍ شَدِيدٍ حَرُّهُ فِي الدُّنْيَا يَقِي مِنْ يَوْمٍ شَدِيدٍ حَرُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَسَابَقُ النَّاسُ فِي الصَّدَقَاتِ، لَكِنَّ أَفْضَلَهَا كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَقْيُ الْمَاءِ، وَيَبْحَثُ الْمَرْضَى عَنِ الْعِلَاجِ، وَالصَّدَقَةِ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهِ مِنَ الْمَرَضِ وَمِنْ ذَلِكَ سَقْيُ الْمَاءِ.
فَهَنِيئاً لِمَنْ أَسْعَفَتْهُ نَفْسُهُ لِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَهَنِيئاً لِمَنْ قَبِلَ اللهُ عَمَلَهُ، وَهَنِيئاً لِمَنْ نَجَا مِنْ عَطَشِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الَّلهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَنَجِّنَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَجِرْنَا مِنَ النَّارِ.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].