الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدَ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَديثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورُ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
فِي سُنَّةِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهَدْيِهِ قِصَصٌ وَعَبْرٌ، يَكْفِي سِيَاقُهَا عَنْ مَوَاعِظِ الْوَاعِظِينَ، وَبَلَاغَةِ الْخُطَبَاءِ النَّاصِحِينَ، وَلَقَدْ رَوَى الْإمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ عَمْروُ بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ـ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّهَا آلِهَةٌ بَاطِلَةٌ يَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ، وَالْحِجَارَةُ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، ـ فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أفْضَلِ الدِّينِ، فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ بِمَكَّةَ، وَيَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، وَيَدْعُو إِلَى غَيْرِهَا، وَهُوَ يَأْتِي بِأفْضَلِ الدِّينِ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هِمَّةُ هَمٍّ إِلَّا مَكَّةَ، فَآتِيهَا فَأَسْأَلُ هَلْ حَدَثَ فِيهَا أَمْرٌ فَيَقُولُونَ لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، وَأَهْلِي مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ بَعيدٍ، فَأَعْتَرِضُ الرُكْبَانَ خَارِجِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَأَسْأَلُهُمْ هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ أَوْ أَمْرٌ، فَيَقُولُونَ لَا، وَإِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الطَّرِيقِ إِذَا مَرَّ بِي رَاكِبٌ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدُ، فَشَدَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَجِئْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ أَنْزِلُ فِيهِ ـ.
فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُسْتَخْفِياً جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ» فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ «أَرْسَلَنِي اللهُ» فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ «حُرٌّ، وَعَبْدٌ» قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ مِمَّنْ آَمَنَ بِهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ.
وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَكَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: رَأَيْتُنِي وَأَنَا رُبْعُ الْإِسْلَامِ، أَوْ رَابِعُ الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَأَسْلَمْتُ.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: فَقَالَ: «بِأَنْ تُوصَلَ الْأَرْحَامُ، وَتُحْقَنَ الدِّمَاءُ، وَتُؤْمَنَ السُّبُلُ، وَتُكْسَرَ الْأَوْثَانُ، وَيُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ» قُلْتُ: نِعْمَ مَا أَرْسَلَكَ بِهِ، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ بِكَ وَصَدَّقْتُكَ، أَفَأَمْكُثُ مَعَكَ أَمْ مَا تَرَى؟
فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي».
قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَدْينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ، وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ»، قَالَ: فَقُلْتُ بَلَى.
فِي رِوَايَةٍ: فَاغْتَنَمْتُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدَّهْرَ أَفْرَغَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ـ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وَأَجْهَلُهُ.
ـ زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: قَالَ: «سَلْ عَمَّا شِئْتَ» قُلْتُ: أَيَّ الَّليْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ الَّليْلِ الْآخِرِ»ـ.
قَالَ عَمْرٌو: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ».
قَالَ: فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ، فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ.
فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَلَا عَلَى رَسُولِ اللهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَداً، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
تِلْكُمْ هِيَ قِصَّةُ إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ سِيَاقُهَا أَبْلَغُ مِنْ وَصْفِهَا، وَذِكْرُهَا أَوْضَحُ مِنْ شَرْحِهَا.
أَقُولُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ.
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوِفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَبَعْدُ:
فَالتَّقْوَى سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ كُلَّ وَقْتِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَأَطِيعُوهُ وَلَا تَعْصُوهُ وَتَأَهَّبُوا لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ.
إِنَّ سَمَاعَ سِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ مِمَّا يَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللهٍ وَيَزْيدُ مِنْ عِبْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا، عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ عَلِمَ أَنَّ اللهَ حَقٌّ بِفِطْرَتِهِ وَحَمَلَهُ الِاسْتِطْلَاعُ عَلَى الْبَحْثِ عَنِ الْحَقِّ، ثُمَّ قُبُولِهِ مُبَاشَرَةً، لَكِنَّ رَجَاحَةَ عَقْلِهِ دَعَتْهُ أَنْ لَا يُظْهَرَ دِينَهُ مَا دَامَ فِي وَقْتِ ضَعْفٍ وَشِدَّةٍ، حَتَّى لَا يَضْعُفَ الْإِسْلَامُ بِسَبَبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ حَرِيصاً عَلَى إِصْلَاحِ الْمُجْتَمَعِ مَا لَمْ تَكُنِ الْفُرْصَةُ مُوَاتِيَةً لِذَلِكَ.
أَوَّلُ أَمْرٍ بَدَأَ بِهِ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ حِينَ لَقِيَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْسَ السُّؤَالَ عَنِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَلَا السَّعْيِ إِلَى أَمْرٍ، وَإِنَّمَا بَادَرَ إِلَى التَّعَلُّمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ أَسَاسُ الْحَيَاةِ وَبِهِ يَعْرِفُ الْعَبْدُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ.
إِنَّ مِنْ حِرْصِ عَمْرٍو شِدَّتُهُ فِي التَّثَبُّتِ فِي نَقْلِ كَلَامِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي تَطْبِيقٍ لِمَا تَعَلَّمَهُ مِنْهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عُمْرُو بْنُ عَبْسَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مِنْ شِدَّةِ اسْتِجَابَتِهِ لِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ نَبِيُّ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمْ يُجَادِلْ أَوْ يُنَاقِشْ، لَمْ يُغَلِّبْ حَمَاسَهُ الدِّينِيَّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، صَاحِبُ الْهِمَّةِ الْعَالِيَةْ، وَالْهَدَفِ النَّبِيلِ، لَا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ لِعَمْرٍو هَمٌّ إِلَّا مَعْرِفَةَ الرَّجُلِ الَّذِي سَيُبْعَثُ فِي مَكَّةَ، مِنْ فَخْرِ عَمْرٍو بِدِينِهِ وَأَنَّهُ رُبْعُ الْإِسْلَامِ، هِيَ أَعْظَمُ مَا يُفَاخِرُ بِهِ، لَا مَتَاعُ الدُّنْيَا الزَّائْلُ، تِلْكُمْ حِكَايَةُ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ مِنَّا بِمَ يَفْخَرُ وَكَيْفَ هُوَ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].