مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 22:02:33

الاعتبار بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع المصائب الكبار

الاعتبار بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع المصائب الكبار

الْحَمْدُ للهِ هَادِي الْعِبَادِ الرَّقيبِ عَلَى خَلْقِهِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19] أَحَمَدُهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ حَمْدَ عَبْدٍ خَافَهُ وَرَجَاهُ، وَأَشْكُرُهُ وَالشُّكْرُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ فِي جَلَالِهِ وَكَمَالِهِ وَعُلَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَفْوَةُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُ الْهُدَاةِ إِلَى صِرَاطِ اللهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيقِهِ وَاتَّبَعَ هُدَاَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

فِيَا عِبَادَ اللهِ: قَرَّةُ عَيْنِ الْمُؤْمِنِ، وَطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ، تَبْدُو وَاضِحَةً فِي تَقْوَاهُ لِرَبِّهِ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ أَسَاسُ كُلِّ صَلَاحٍ وَسُلْوَانُ كُلِّ كِفَاحٍ.

أَيُّهَا النَّاسُ: بَيْنَمَا الْإِنْسَانُ يَمْشِي فِي حَيَاةٍ يَوْمِيَّةٍ قَدِ اعْتَادَهَا، لَا مُنَغِّصَ وَلَا مُكَدِّرَ، إِلَّا أُمُورٌ قَدْ تَعَوَّدَهَا مُنْذُ زَمَنٍ، إِذْ هُوَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ يُصَابُ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ.

يَوْمٌ مَلِيءٌ بِالْحُزْنِ وَالْأَسَى، يَعْلُوهُ الصَّمْتُ الرَّهِيبُ، وَتَغْمُرُهُ الْوُجُوهُ، فِيهِ دُمُوعٌ شَفَّافَةٌ، وَتَخْتَرِقُ جُدْرَانَ الصَّمْتِ هَمَسَاتٌ رَقيقَةٌ أَسِيْفَةٌ، تَتَوَارَدُ فِيهِ الْأَخْبَارُ، وَتَتَنَازَعُ الْآرَاءُ، يَوْمَ يَقِفُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ بِخُشُوعٍ وَالدُّنْيَا مِنْ حَوْلِهِمْ هَاجِدَةٌ صَامِتَةٌ، تُوَاجِهُ الْأُمَّةُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَطْباً جَلِيلاً، زَعْزَعَ الْمُسْلِمَيْنِ وَأَذْهَلَهُمْ، أَوْ كَادَ يَطِيرُ بِأَلْبَابِهِمْ، وَالْعُقَلَاءُ كَادَتْ تَحَيَّرُ عُقُولُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُوقِفَ عَصِيبٌ، وَالْخَطْبَ جَلَلٌ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ عَلَى غَيْرِ مَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ، وَانْقَلَبَتِ الْأَحْدَاثُ لِتَجْعَلَ النَّاسَ أَمَامَ أَمْرٍ وَاقِعٍ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهُ.

لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ الْمَهِيبَ سِوَى صَهِيلِ فَرَسٍ جَاءَتْ تَرْكُضُ، بَعْدَ أَنْ خَلَعَتْ رَسَنَهَا، وَقَطَعَتْ شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ وَثْباً وَرَاءَ جُثْمَانِ صَاحِبِهَا، يَقُودُهَا عَبِيرُهُ وَأَرِيجُهُ، كَمْ كَانَتِ الْمَوَاقِفُ عَظِيمَةً، وَالْآثاَرُ الْمُضْنِيَةُ جَسِيمَةً، كُلَّ ذَلِكَ حُزْناً وَأَسًى عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثَوَى فِي مَرْقَدِهِ، وَفَاضَتْ رُوحُهُ   ـ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ـ مَاتَ فَوْقَ الْأَرْضِ الَّتِي طَهَّرَهَا مِنْ وَسَاوِسِ الْوَثَنِيَّةِ، وَأَزَاحَ مِنْ طَرِيقِهَا كُلَّ قُوَى التَّقَهْقُرِ وَالشِّرْكِ.

لَقَدْ لَحِقَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، لِيَحْمِلَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ مَسْؤُولِيَّةَ الدَّعْوَةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ حِينَهَا جَرْعَةَ مَاءٍ وَلَا اقْتِسَامَ غَنِيمَةٍ لَا وَاللهِ، وَلَكِنْ لَمْ تَمْضِ إِلَّا لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ؛ بَلْ لَمْ تَمْضِ إِلَّا سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ وَالدُّمُوعُ فِي الْمَآقِي، وَالْغُصَّةُ فِي الْحُلُوقِ.

وَلَكِنَّ الْمُهْمَّةَ عَظِيمَةٌ وَالْمَسْؤُولِيَّةَ جَسِيمَةٌ، وَأَمْرُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِهَجَمَاتِ الرِّيَاحِ وَنَزَعَاتِ الْعَوَاطِفِ، فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ اللَّيْلَةُ إِلَّا وَقَدْ بُويِعَ فِيهَا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ خَلِيفَةً لِلْمُسْلِمِينَ.

بَعْدَ ذَلِكَ عَظُمَ الْخَطْبُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ بِالْمَدِينَةِ وَاشْرَأَبَّتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةِ فِي الَّليْلَةِ الشَّاتِيَةِ، وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْجُمُعَةِ مَقَامٌ فِي بَلَدٍ سِوَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

عِنْدَ ذَلِكَ وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ وَقْفَةً إِيمَانِيَّةَ طَاهِرَةً وَصَفُّوا صَفَّاً إِسْلَامِيَّاً مُتَرَاصَّاً، فَلَمْ يَخَافُوا تِلْكَ الْجُمُوعَ الْمُرْتَدَّةَ، وَلَمْ تُرْهِبْهُمْ تِلْكَ الْقُوَى الْمِثَالِيَّةُ أَتَدْرُونَ لِمَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّهُمْ صَدَقُوا اللهَ الْبَيْعَةَ وَأَحْسَنُوا الْإِسْلَامَ.

تِلْكُمْ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ الْحَالَةُ الْعَصِيبَةُ الَّتِي مَرَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ وَفَاةِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ، مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ. وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، وَظُهُورِ النِّفَاقِ، وَتَوَغُّلِ الْيَهُودِ فِي عُقُولِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ هُوَ كَمَا كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

وَإِنَّ ثَمَّةَ ثَلَاثَ نَصَائِحَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: تُعِيدُ الْمُنْصَرِفَ، وَتُثَبِّتُ الْعَاقِلَ:

أَمَّا الْأُولَى: فَهِيَ أَنْ نَعْلَمَ مِصْدَاقَ قَوْلِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا ِفي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: «لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "تَارِيخِهِ" بَعْدِ سِيَاقِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى فَيَقُولُ: كُلَّ عَامٍ تَرْذُلُونُ وَقَدْ مَرَّ بِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُلَّ يَوْمٍ تَرْذُلُونَ» وَرَفَعَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى أَنْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مَرْفُوعاً أَوْ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَنَاوَلُهُ النَّاسُ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ بَلْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ تَفُوحُ رَائِحَتُهُ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ فِتْنَةِ تَيْمُورْ لَنْكَ وَإِلَى الْآنِ، نَجِدُ الرَّذَالَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ ا.هـ

إِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيُعِيدُ لِلنَّاسِ زَمَنَ النُّبُوَّةِ فَقَدْ طَلَبَ مُسْتَحِيلاً وَالْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ قَدْ مَضَتْ، وَلَكِنْ حِينَ ابْتَعَدَ النَّاسُ عَنِ الدِّينِ ابْتَعَدَ الدِّينُ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ مَا نَقُولُهُ فِي النَّصِيحَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165].

فَهَلْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا حَتَّى يَسِيرَ الزَّمَانُ عَلَى مَا يُرِيدُونَ، إِنَّ الدِّينَ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللهِ لَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَكِنْ كُلَّمَا ابْتَعَدَ النَّاسُ عَنْهُ ابْتَعَدَ عَنْهُمْ.

فَهُنَا دَعْوَةٌ أُرْسِلُهَا إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَاجِعَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَخْطِمَهَا وَيُلْزِمَهَا بِهَذَا الدِّينِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، ثُمَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ حَفِظَا لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ فَطَبِّقُوا مَا فِيهَا تُضْمَنُ لَكُمْ الْحَيَاةُ الْهَانِئَةُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: أَمَّا النَّصِيحَةُ الثَّالِثَةُ فَنَتَعَلَّمُهَا لِكُلِّ امْرِئٍ أَرَادَ الْعُلُوَّ وَالْمَجْدِ، وَأَرَادَ الْعِزَّةَ، وَأَرَادَ النُّهُوضَ بِالْمُجْتَمَعِ مِنَ الرُّكُودِ وَالرّجْعِيَّةِ، وَأَرَادَ إِطْلَاقَ الْحُرِّيَّاتِ وَالاِنْفِتَاحَ عَلَى الْعَالَمِ، وَهِيَ أَنْ نُذَكِّرَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ مِنْ غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ.

إِنَّ الْأُمَّةَ لَهَا تَارِيخٌ، وَإِذَا أَرَادَتْ عِزَّاً وَمَجْداً فَلَا بُدَّ أَنْ تَنْظُرَ فِي تَارِيخِهَا، وَالتَّارِيخُ شَاهِدٌ بِأَنَّ فَتْرَاتِ ضَعْفِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ هِيَ حِينَمَا تُرِيدُ أَنْ تُقَلِّدُ غَيْرَهَا، فَتَبْتَعِدُ عَنْ دِينِهَا، فَلَا بَقَاءَ لِلْأُمَّةِ إِلَّا بِرُجُوعِهَا إِلَى هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ كَانَتْ تَطْلُبُ عِزَّةً وَمَجْداً وَرِفْعَةً وَسُؤْدُداً، فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَبَاقٍ لَا يَذْهَبُ.

لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ هُنَا أَنَّ انْتِقَاصَ مَنْهَجِ اللهِ فِي شَعِيرَةٍ أَوْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهَ يَعْنِي: الاِعْتِقَادَ بِأَنَّهُ مَنْهَجٌ نَاقِصٌ قَاصِرٌ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوَّاً كَبِيراً.

وَالدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ مَنْهَجٌ مُتَكَامِلٌ يَقُومُ أَسَاساً عَلَى قَاعِدَةِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولٌ مِنْ عِنْدِهِ، إِيمَاناً حَقِيقِيَّاً وَاضِحاً يَكُونُ مِنْ مُقْتَضَاهُ الاِسْتِسْلَامُ للهِ سُبْحَانَهُ.

وَنَزْعِ كُلِّ عُبُودِيَّةٍ لِغَيْرِ اللهِ، فِي كُلِّ شُؤُونِ الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَهَذَا مَا جَعَلَ الْمُسْلِمِينَ يَطْمَئِنُّونَ إِلَى حَقِيقَةٍ تَغِيبُ أَحْيَاناً عَنْهُمْ فِي غَمْرَةِ الْأَحْدَاثِ.

الَّلهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.

أَقُولُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، واستغفر الله.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، يَبْتَلِي عِبَادَهُ لِيَعْرِفَ الصَّابِرِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَضِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِذَا تَزَيَّنَ الْعَالَمُ بِلِبَاسِهِمْ فَإِنَّ لِبَاسَ الْمُؤْمِنِينَ التَّقْوَى الَّتِي تَحْمِيهُمْ مِنْ مَظَلَّاتِ الْفِتَنِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].

عِبَادَ اللهِ: يَغِيبُ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ وُقُوعِ المَصَائِبِ الكِبَارِ أَصْلَانِ مُهِمَّانِ:

أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الِابْتِلَاءَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَشَرِيعَةٌ بَاقِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3] وَقَدْ تَكُونُ فِتْنَةً لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ لِيَرَى اللهُ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ مِنْهُمْ امْتِحَاناً لِعِبَادِهِ، وَاخْتِبَاراً لَهُمْ.

وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ عُقُولَ النَّاسِ لَا تَقْوَى عَلَى إِدْرَاكِ الْحِكَمِ مِنْ تَقَادِيرِ اللهِ تَعَالَى، وَمِنْ تَصَارِيفِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216] فَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ الْجَزَعُ وَالتَّضَجُّرُ مِنْ أُمُورِ الْحَيَاةِ وَتَصَارِيفَ الزَّمَانِ، فَيَكْفِي أَنَّهُ فِي أَيَّامِ الْبَلَايَا وَالْفِتَنِ يَظْهَرُ الْمُنَافِقُونَ وَيُعْرَفُوا، كَمَا بَرَزُوا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَعَرَفَهُمْ الصَّحَابَةُ عَلَانِيَةً، بَعْدَ أَنْ كَانُوا زَمَنَ النُّبُوَّةِ مُخْتَفِينَ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ الْمُسْلِمِينَ.

لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَلَا يَظْهَرُ الذَّهَبُ الْخَالِصُ إِلَّا بَعْدَ إِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ الشَّدِيدَةِ.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَارْضَ الَّلُهمَّ عَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة