مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 22:03:20

معاملة السجين بين واجب الدولة وواجب المجتمع

معاملة السجين بين واجب الدولة وواجب المجتمع

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَلِكُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَلِكُلِّ بَلَاٍء عَافِيَةً، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، وَعَدَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِهِ وَالْمُنْقَادِينَ لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَ الْمُعَانِدِينَ وَالْمُخَالِفِينَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فيِ التَّعَامُلِ مَعَ الْمُذْنِبِ وَالْمُخْطِئِ، صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَبِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَه ـ عِبَادَ اللهِ ـ يُنْجِيكُمْ بِهَذِهِ التَّقْوَى مِنَ الضِّيق،ِ فَيَجْعَلَ لَكُمْ مَخْرَجاً، وَمِنَ الْفَقْرِ فَيُبْدِلَكُمْ غِنًى، وَيَجْعَلَ لَكُمْ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْراً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ أَنْ رَزَقَكُمْ دِيناً عَظِيماً هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، دِينُ الْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، دِينُ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، دِينُ الْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ، دِينٌ يَرْتَفِعُ بِأَهْلِهِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا عُتَاةً أَوْ مُتَسَلِّطِينَ، دِينٌ يُصْلِحُ وَلَا يُفْسِدُ، دِينٌ جَاءَ لِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَتَحْصِيلِهَا، وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَتَعْطِيلِهَا.

إِنَّ هَذَا الدِّينَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ يَنْهَضُ بِأَتْبَاعِهِ عَنْ ظُلْمِ النَّاسِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَلَا يَرْضَى بِالظُّلْمِ وَيَدْعُو إِلَى الْعَفْوِ وَالتّسَامُحِ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو إِلَى مُعَاقَبَةِ الْمُخْطِئِ عَلَى خَطَئِهِ وَتَأْدِيبِهِ عَلَى مَا فَعَلَ كَيْ يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ وَتَسْتَقِيمَ حَيَاتُهُمْ وَفْقَ مَا يُرْضِي اللهَ سُبْحَانَهُ.

إِنَّهُ مُنْذُ أَنْ تَمَّ أَمْرُ اللهِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَامَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ، وَتَوَطَّدَتْ أُسُسُهُ وَأَرْكَانُهُ، ظَهَرَتِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَى تَرْشِيدِ الزَّالِّينَ عَنِ الصِّرَاطِ، وَتَنْبِيهِ الْمُنْحَرِفِينَ عَنِ السَّبِيلِ، بِتَعْوِيقِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ، بِمَا يَكُونُ رَادِعاً لَهُمْ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى مَا فَعَلُوا، أَوْ عُقُوبَةً لَهُم ْعَلَى مُطَاوَعَتِهِمْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسَاتِهِ.

وَقَدْ كَانَ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةُ السَّجْنِ وَالْحَبْسِ لِلْمُذْنِبِ وَالْمُنْحَرِفِ عَنِ الطَّرِيقِ، الْحَبْسُ الَّذِي الْمَقْصُودُ بِهِ التَّأْدِيبُ لَا التَّعْذِيبُ، الْحَبْسُ الِّذِي الْمُرَادُ مِنْهُ مُرَاجَعَةُ الْمُذْنِبِ لِنَفْسِهِ لَا تَهْيِيجِهِ عَلَى مُجْتَمَعِهِ، الْحَبْسُ الَّذِي الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ الْمَحْبُوسُ مِنْهُ لِيَكُونَ عُضْواً فَاعِلاً فِي مُجْتَمَعِهِ نَسِيَ الْمَاضِيَ وَعَادَ لِبِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ جَدِيدٍ مُثْمِرٍ، الْحَبْسُ الَّذِي الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يَنْظُرَ الْمُجْتَمَعُ إِلَى الْمَحْبُوسِ عَلَى أَنَّهُ عُضْوٌ مِنَ الْمُجْتَمَعِ مَرِضَ فَهُوَ يُعَالَجُ، لَا أَنَّهُ نَشَازٌ خَارِجٌ مِنَ الْمُجْتَمَعِ يُذْكَرُ فَيُنْكَرَ، وَيَسْتَنْكِفَ عَنْهُ الْأَصْحَابُ وَالْأَقَارِبُ، وَيَلْفِظَهُ الْمُجْتَمَعُ.

رَوَى التِّرْمْذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيًّ، وَالنِّسَائِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبْيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهْمَةٍ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ، قَالَ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَبَّانَ، يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "الْفَتْحِ" وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَبْسِ الْمَدِينِ إِذَا كَانَ قَادِراً عَلَى الْوَفَاءِ، تَأْدِيباً لَهُ وَتَشْدِيداً عَلَيْهِ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: السِّجْنُ عُقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ؛ جَاءَ الشَّارِعُ بِهَا لِقَصْدِ الزَّجْرِ، وَالتَّأْدِيبِ وَإِعَادَةِ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ، فَسَجَنَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَسَجَنَ صَحَابَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَا زَالَ السِّجْنُ يُتَّخَذُ لِهَذَا الْغَرَضِ.

رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ إِذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِحَقِّ يَحْبِسُهُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ يَقُومَ، فَإِنْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ وَإِلَّا يَأْمُرُ بِهِ إِلَى السِّجْنِ.

وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْحَبْسُ فِي الدَّينِ حَيَاةٌ، قَالَ وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ عَلِيٌّ يَحْبِسُ فِي الدَّينِ، وَرُوِيَ أَيْضاً عَنْ طَاوُوسَ قَالَ: إِذَا لَمْ يُقِرُّ الرَّجُلُ بِالْحُكْمِ حُبِسَ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شُرَيْحٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الْجَدَلِيِّ أَنَّهُمَا حَبَسَا رَجُلاً فِي السِّجْنَ أَخَذَ مَهْرَ ابْنَتِهِ.

فَالسِّجْنُ لَمْ يَكُنْ بِدْعاً مِنَ الْفِعْلِ؛ بَلْ قَرَّرَهُ الشَّرْعُ عُقَوبَةً لِلْمُذْنِبِ وَتَأْدِيباً لِلْعَاصِي، وَرَدًّا لِلْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا، لِذَلِكَ نَظَرَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْمَحْبُوسِينَ نَظْرَةَ شَفَقَةٍ، وَعَطْفٍ، وَنَظْرَةَ عَدْلٍ، وَإِنْصَافٍ، فَلَمْ يَكُنِ السِّجْنُ فِي الْإِسْلَامِ أَدَاةَ قَهْرٍ وَتَعْذِيبٍ، وَلَا انْتِقَامٍ وَتَدْمِيرٍ؛ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى مَدْرَسَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَمُؤَسَّسَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ سِجْناً.

وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَسْجِنُ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا رَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ كَافِراً، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ وَصَلَاتَهُمْ وَحُسْنَ مُعَامَلَتِهِمْ أَسْلَمَ مُبَاشَرَةً.

وَلَقَدْ حَفِظَ لَنَا التَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ صُوَراً مِنْ مُعَامَلِةِ بَعْضِ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ وَرِعَايَتِهِمْ أُمُورَ السِّجْنِ وَالْمَسْجُونِينَ، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ" قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز ِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرِ السُّجُونِ، وَيُسْتَوْثَقَ مِنْ أَهْلِ الذِّعَارَاتِ، وَكَتَبَ لَهُمْ بِرِزْقِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ.

قَالَ مُوسَى: فَرَأَيْتُهُمْ يُرْزَقُونَ عِنْدَنَا شَهْراً بِشَهْرٍ، وَيُكْسَوْنَ كِسْوَةً فِي الشِّتَاءِ وَكِسْوَةً فِي الصَّيْفِ.

وَرُوِيَ أَيْضاً عَنْ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: وَانْظُرُوا مَنْ فِي السُّجُونِ مِمَّنْ قَامَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلَا تَحْبِسْهُ حَتَّى تُقِيمَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَاكْتُبْ إِلَيَّ فِيهِ، وَاسْتَوْثِقْ مِنْ أَهْلِ الذِّعَارَاتِ، فَإِنَّ الْحَبْسَ لَهُمْ نَكَالٌ، وَلَا تَعَدٍّ فْي الْعُقُوبَةِ، وَتَعَاهَدْ مَرِيضَهُمْ مِمَّنْ لَا أَحَدَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَإِذَا حَبَسْتَ قَوْماً فِي دَيْنٍ فَلَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الذِّعَارَاتِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا حَبْسٍ وَاحِدٍ، وَاجْعَلْ لِلنِّسَاءِ حَبْساً علَى حِدَةٍ، وَانْظُرْ مَنْ تَجْعَلُ عَلَى حَبْسِكَ مَمَّنْ تَثِقُ بِه وَمَنْ لَا يَرْتَشِي؛ فَإِنَّ مَنِ ارْتَشَى صَنَعَ مَا أُمِرَ بِهِ.

وَرُوِيَ أَيْضاً عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ فَاسْتَوْصِ بِمَنْ فِي سُجُونِكَ وَأَرْضِكَ خَيْراً حَتَّى لَا تُصِيبَهُمْ ضَيْعَةٌ، وَأَقِمْ لَهُمْ مَا يُصْلِحُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ خَلْدُونَ فِي "تَارِيخِهِ" أَنَّ ابْنَ طُولُونَ كَانَ يُجْرِي عَلَى الْمَسْجُونِينَ خَمْسِمَائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَقَدْ بَلَغَتِ الْحُكُومَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَنْزِلَةً لَا تَحْلُمُ بِهَا أُمَّةٌ مِنْ أُمَمِ الْأَرْضِ وَهِيَ لَيْسَتْ رِعَايَةَ الْمَسْجُونِينَ؛ بَلْ رِعَايَةُ التَّوَّابِينَ، فَمَنْ قَضَى مُدَّةَ سَجْنِهِ أَوْ نَالَ جَزَاءَ مَا اقْتَرَفْتَ يَدَاهُ مِنْ إِقَامَةِ حَدٍّ أَوْ تَنْفِيذِ تَعْزِيرٍ، وَمِنْ ثَمَّ صَلُحَ أَمْرُهُ، وَغَدَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ حَالُهُ، لَا يَدَعُهُ الْمُجْتَمَعُ غَرِيباً وَحِيداً مَنْبُوذاً؛ بَلْ يُعِيدُهُ إِلَى صُفُوفِهِ وَيَرْعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ ، مُتَمَثِّلاً قَوْلَهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» فَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ رَاتِباً شَهْرِيَّاً.

كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمَسْعُودِيُّ فِي "مُرُوجِ الذَّهَبِ" وَذَلِكَ تَأْكِيداً عَلَى وُقُوفِ الْمُجْتَمَعِ مَعَ الْفَضِيلَةِ، وَمَنْعًا مِنِ انْحِرَافِهِ تَحْتَ وَطْأَةِ الْعِوَزِ وَالْفَقْرِ.

وَكَانَ الْمَقْصِدُ مِنْ ذَلِكَ تَوْظِيفُ السِّجْنِ وَظِيفَتَهُ الْحَقِيقِيَّةِ: الْعُقُوبَةُ دُونَ تَعَدٍّ، وَالْإِصْلَاحُ وَالتَّقْوِيمُ دُونَ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، فَلَيْسَ غَرِيباً أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ بَنَى السُّجُونَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَسْجِنُونَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحْيَاناً.

هَذَا فِي جِانِبِ الْحُكَّامِ وَذَوِي الْمَسْؤُولِيَّةِ أَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ فَقَدْ نَصُّوا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى مُرَاعَاةِ أَحْوَالِ الْمَسْجُونِينَ وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ عَنْ أَحْكَامِ الْمَسْجُونِينَ وَمُرَاعَاتِهِمْ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ فَقَدْ ذَكَرَ أُمُوراً كَثِيرَةً مِمَّا يَجِبُ لِلْمَسْجُونِينَ عَلَى الْحُكَّامِ وَالْأَفْرَادِ؛ بَلْ وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَوَّلَ مَا يُوكَلُ إِلَيْهِ الْقَضَاءُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْوَالِ الْمَسْجُونِينَ فَلَا يُبْقِي فِيهِ إِلَّا مَنْ ثَبَتَتَ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ.

بَلْ لَمْ يَخْلُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْ ذِكْرٍ لِلسِّجْنِ وَأَهْلِهِ، فَالسَّجِينُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ، وَإِذَا كَانَ فِي سِجْنٍ لَا يَرَى فِيهِ الشَّمْسَ فَلَا يَعْرِفُ لَيْلَهُ مِنْ نَهَارِهِ اجْتَهَدَ فِي صَلَاتِهِ.

وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِيَامٍ وَنِكَاحٍ وَوِلَايَةٍ وَإِرْثٍ وَغَيْرِهَا،   بَلْ حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا: وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ إِذَا كَانَ فِي السِّجْنِ مَوْضِعٌ خَالٍ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، كُلُّ ذَلِكَ مُحَافَظَةً عَلَى السَّجِينِ مِنْ أَنْ يَرْتَكِبَ مَحْذُوراً وَمُرَاعَاةً لِأَهْلِهِ أَيْضاً.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: هَكَذَا كَانَ السِّجْنُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَكَذَا كَانَتْ أَحْوَالُ الْمَسْجُونِينَ، جَعَلَنِي اللُه وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ.

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ.

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهُ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُوصِلُ صَاحِبَهَا إِلَى الْجِنَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَالْخَوْفَ مِنْ بَطْشِهِ وَعِقَابِهِ وَالِاسْتِعْدَادَ لِذَلِكَ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ، وَتَرْكِ مَا نَهَى قَائِدَةٌ صَاحِبَهَا لِدُخُولِ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضِ، فَاتَّقُوا اللهَ جَمِيعاً ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ السُّجُونِ حَدِيثٌ ذُو شُجُونٍ، فَلَا زَالَ السِّجْنُ فِي التَّارِيخِ قَائِماً بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ شُعْلَةَ نُورٍ يَهْتَدِي بِهَدْيِهَا الْمُجْتَمَعُ فُيُصَحِّحَ سُلُوكَ أَبْنَائِهِ، وَيُرْشِدَ الشُّدَاةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَدَاةَ قَمْعٍ وَتَعْذِيبٍ وَتَنْكِيلٍ، بَيَدِ دُوَلٍ أَوْ حُكَّامٍ ابْتَعَدُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَابْتَعَدَ الْإِسْلَامُ عَنْهُمْ، وَمَا زَالَ السِّجْنُ مُؤَدِّياً وَظِيفَتَهُ سَامِياً بِسُمُوِّ الدَّوْلَةِ مُتَّضِعاً بِانْحِدَارِهَا إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ بِهِ الْحَالُ مُنْذُ ضَعْفِ الدّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.

فَغَدَا السِّجْنُ هُوَ الْحَاضِرُ الْغَائِبُ، الْمَعْرِفَةُ النَّكِرَةُ، يَفِرُّ النَّاسُ مِنْ سَمَاعِ اسْمِهِ فَكَيْفَ بِدُخُولِهِ أَوِ الْكَلَامِ عَنْهُ، وَهَا هِيَ أَحْوَالُ السُّجُونِ مِنْ حَوْلِكُمْ فِي دُوَلٍ ضَاعَتْ عِنْدَهُمُ الرَّحْمَةُ يَعْجِزُ الْبَيَانُ عَنِ الْإِفْصَاحِ عَمَّا فِي اللِّسَانِ.

وَلَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ فِي سَنَةِ 307هـ كُسِرَتِ الْحُبُوسُ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ لَمَّا كَثُرَ الْمَحْبُوسُونَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.

وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَارِيخِهِ" أَنَّ الْعَامَّةَ بِبَغْدَادَ فَتَحُوا سِجْنَ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ وَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَنَهَبُوا دِيوَانَ الْمُحَبَّسِينَ، وَقُطِّعَتِ الدَّفَاتِرُ، وَلَا رَيْبَ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ السِّجْنِ وَحَالِ الْمَسْجُونِينَ فِي انْحِدَارٍ بِمِقْدَارِ بُعْدِ الدُّوَلِ وَالْحُكُومَاتِ عَنْ هَذَا الدِّينِ حَتَّى أَضْحَى هَذَا الدُّعَاءُ جُزْءاً لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ يَقُولُهُ الْخُطَبَاءُ: الَّلهُمَّ فُكَّ أَسْرَى الْمَأْسُورِينَ، وَعَجِّلْ خَلَاصَ الْمَسْجُونِينَ.

وَلَقَدْ دَأَبَتْ حُكُومَةُ هَذِهِ الْبِلَادِ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ المْسَجْوُنِينَ وَإِطْلَاقِ سَرَاحِ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ، تَطْبِيقاً لِمَنْهَجِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينِ، فَأَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْدِلَهُمْ بِإِحْسَانِهِمْ إَلَى الْمَسْجُونِينَ إِحْسَاناً مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَكِنَّ حَقَّ السَّجِينِ لَيْسَ وَاجِباً عَلَى الْحُكَّامِ وَالْمَسْؤُولِينَ فَقَطْ؛ بَلْ وَاجِبٌ عَلَى الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ عَوْناً لِلسَّجِينِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَوْناً لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ أَفْرَاداً وَجَمَاعَاتٍ تِجَاهَ الْمَسْجُونِينَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ:

الْأَوَّلُ: النَّظَرُ إِلَى السَّجِينِ عَلَى أَنَّهُ فَرْدٌ مِنَ الْمُجْتَمَعِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ سِوَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ َفهُوَ يَنَالُ جَزَاءَهُ، فَهُوَ مُسْلِمٌ لَهُ حَقُّ الِإِسْلَامِ، وَأَخٌ لَهُ حَقُّ الْأُخُوَّةِ، وَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّ أَخْذَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَوِ السِّجْنِ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَوَى مُسْلِمٌ فَي صَحِيحِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةُ أَتَتَ نَبِيَّ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدَّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ   ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلِيَّهَا فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا».

فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الَمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وُجِدَتْ تَوْبَةٌ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى».

وَفِي حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةُ لَمَّا جَمَعَ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا لِتُرْجَمَ، أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: «مَهْلاً يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» ثَمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ فَدُخُولِ السَّجِينِ السِّجْنَ لَمْ يُخْرِجْهُ أَنْ يَكُونَ جُزْءاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

الثَّانِي: الْوُقُوفُ مَعَهُمْ، وَالسَّعْيُ لِسَدِّ حَاجَتِهِمْ، وَإِطْلَاقُ سَرَاحِهِمْ بِسَدَادِ دُيُونِ الْمَدِينِينَ مِنْهُمْ، وَمُرَاعَاةِ أَهْلِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّي لَأَجِدُهَا فُرْصَةً أَنْ أَدْعُوَ ذَا الْيَسَارِ وَالْجُودِ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ فِي السُّجُونِ نَصِيبٌ مِنْ بَذْلِهِمْ وَجُودِهِمْ.

فَكَمْ سَمِعْنَا عَنْ مَسَاجِينَ قَضَوْا مُدَّةً فِي السَّجْنِ مِنْ أَجْلِ مَبَالِغَ زَهِيدَةٍ، وَكَمْ سَمِعْنَا عَنْ أُسَرٍ تَشَتَّتَتْ بَعْدَ سَجْنِ عَائِلِهَا، فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمُ الْبَذْلَ لِتَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمُ الْأَجْرَ.

الثَّالِثُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ تِجَاهَ السَّجِينِ: أَنْ يُعَامَلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً، فَلَا يُرْبَطُ مُسْتَقْبَلُهُ بِمَاضِيِهِ، فَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَقَدْ مَضَتْ قِصَّةُ الْمَرْأَتَيْنِ وَفِعْلُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَعَهُمَا، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَاراً، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَكَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْماً، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ».

الرَّابِعُ: أَنْ لَا يُجْمَعَ لِلْمُفْرَجِ عَنْهُ بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ، عُقُوبَةُ السِّجْنِ، وَعُقُوبَةُ الضَّيَاعِ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَلَا يُقْبَلُ فِي وَظِيفَةٍ، وَلَا يُزَوَّجُ، وَلَا يُصَاحَبُ، وَلَا يُرَافَقُ، وَكَأَنَّهُ شَيْطَانٌ يَمْشِي عَلَى الْأرْضِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحَمْدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاِبْنُ مَاجَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ أَذْنَبَ ذَنْباً فِي الدُّنْيَا فَعُوقِبَ بِهِ، فالله أَعَدْلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّي عُقُوبَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْباً فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَعَفَا عَنْهُ، فَاللهُ أَكَرَمُ مَنْ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ».

وَتَأَمَّلُوا فِعْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ مَعَ الْحُطَيْئَةِ لَمَّا سَجَنَهُ؛ لِأَنَّهُ هَجَا الزِّبْرِقَانِ التَّمِيمِيَّ، رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي "تَهْذِيبِ الْآثَارِ" بِسَنَدِهِ قَالٌ: كَانَ الْحُطَيْئَةُ هَجَا الزِّبْرِقَانِ التَّمِيمِيَّ فَاسْتَأْدَى عَلَيْهِ عَمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَطَرَحَهُ فِي السِّجْنِ.

فَلَمَّا طَالَ حَبْسُهُ قَالَ أَبَيَاتاً ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ فَأَخْرَجَهُ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ... ثُمِّ ذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ حِينَ أَطْلَقَهُ مِنَ السِّجْنِ أَمَرَ لَهُ بِأَوْسَاقٍ مِنْ طَعَامٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فُكُلْهَا أَنْتَ وَعِيَالِكَ فَإِذَا فَنِيَتْ فَأْتِنِي أَزْدْكَ وَلَا تَهْجُوَنَّ أَحَداً، فَأَقْطَعَ لِسَانَكَ، فَاحْتَمَلَهَا فَلَمْ يَأْكُلْهَا حَتَّى مَاتَ.

فَعُمَرُ لَمَّا أَطْلَقَهْ لَمْ يَتْرُكْهُ خَالِياً؛ بَلْ أَعْطَاهُ مَا يُغْنِيهِ عَنِ النَّاسِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُونَ زِمَامَ الْمَسْؤُولِيَّةِ سَوَاءٌ فَي الدَّوْلِة أَوِ الْقِطَاعِ الْخَاصِّ أَنْ لَا يَجْمَعُوا لِلسَّجِينِ بَيْنَ عُقُوبَةِ السِّجْنِ، ثُمَّ تَرْكُهُ عَالَةً دُونَ وَظِيفَةٍ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ.

وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ أَنْ يَسْعَوْا إَلَى كُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحُ أَفْرَادِهِمْ كَيْ تَسْتَقِيمَ الْحَيَاةُ، وَتَسْتَقِرَّ الْأُمُورُ فَلَوْ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ أَخْطَأَ رَفَضْنَاهُ وَأَنْكَرْنَاهُ فَمَنْ هَوَ الَّذِي لَا يُذْنِبُ وَلَا يُخْطِئُ.

ثُمَّ اعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِكُمُ فِي هَذَا الْيَوْم الصَّلَاةَ وَالسَّلَامُ عَلَى خَاتِمِ الرُّسِلِ وأَفْضَلِهِمْ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 

 

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة